أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    24-May-2026

مسيرة "المركزي" والجهاز المصرفي.. عقود على درب الرسوخ

 الغد-يوسف محمد ضمرة

 في كل مرة يحتفل فيها الأردنيون بذكرى عيد الاستقلال الأردني، لا يقتصر الاحتفاء على الدولة ومؤسساتها السياسية، بل يمتد إلى مؤسساتٍ رسّخت الثقة في وجدان المواطنين، ونجحت في تجاوز أزماتٍ إقليمية وصدمات اقتصادية متلاحقة دون أن تهتز.
 
 
وفي مقدمة هذه المؤسسات يقف البنك المركزي الأردني والجهاز المصرفي، باعتبارهما أحد أهم أعمدة الاستقرار الوطني وحماية الاقتصاد.
 فمنذ تأسيس البنك المركزي عام 1964 خلفًا لمجلس النقد الأردني، تطوّر القطاع المصرفي ليصبح اليوم شبكة مالية تدير أصولًا تتجاوز 70 مليار دينار، وتخدم ملايين الأردنيين داخل المملكة وخارجها.
ما قبل الاستقلال: العملة والهوية
لم يكن إنشاء مؤسسة نقدية مستقلة ترفاً، بل كان ضرورةً سياديةً لازمت تأسيس الدولة. حين أُعلن استقلال المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946، كانت العملة المتداولة ما تزال تعكس مراحل الانتداب البريطاني، وكان الاقتصادُ في طور التشكّل.
جاء الدينار الأردني إلى الحياة عام 1950 بمرسوم ملكي ربطه بالجنيه الإسترليني ومراحل أخرى الى أن استقر حتى ربطه بالدولار الأميركي حتى يومنا هذا.
تحرير القطاع المصرفي
في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، انخرط الأردن في مسار تحرير اقتصادي شامل وانضم إلى منظمة التجارة العالمية عام 2000. أسهم ذلك في فتح الباب أمام البنوك الأجنبية لتعزيز حضورها في المملكة وأمام البنوك الأردنية للتوسع إقليمياً.
أنجز البنك المركزي في هذه الحقبة إصلاحاً جذرياً للإطار التشريعي؛ إذ صدر قانون البنوك رقم 28 لعام 2000 الذي رفع معايير الحوكمة وكفاية رأس المال إلى مستويات تتوافق مع معايير بازل الدولية.
وعندما ضربت الأزمة المالية العالمية الأسواق عام 2008، بدا النموذج الرقابي الأردني أكثر تحفظًا وصلابة. ففي وقت انهارت فيه مؤسسات مصرفية عالمية كبرى، حافظ الجهاز المصرفي الأردني على استقراره، مستندًا إلى سياسات رقابية صارمة تبناها البنك المركزي مبكرًا.
أشعل الربيع العربي عام 2011 سلسلة من الأزمات الإقليمية ألقت بظلالها الثقيلة على الأردن.
 أفرز النزاعُ السوري موجاتٍ لجوءٍ ضخمة يُقدَّر معها عدد اللاجئين بما يزيد على مليون شخص، فيما تقلّصت الروابط التجارية مع عراقٍ تمزّقه الصراعات، وليبيا تغرق في الفوضى.
واجه القطاع المصرفي هذه التحديات بتوجيهات البنك المركزي الرامية إلى تعزيز الاحتياطيات وترشيد الائتمان. وسعى بعض البنوك إلى تقديم خدمات مالية للاجئين بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مما فتح أسواقاً جديدة وأسهم في الشمول المالي.
الشمول المالي ومبادرات التمويل الأصغر
أطلق البنك المركزي في هذه الحقبة إستراتيجية وطنية للشمول المالي تهدف إلى ضمّ الفئات المهمّشة — كالمرأة وصغار أصحاب العمل والشباب — إلى المنظومة المصرفية الرسمية. وتعاون مع وزارة الصناعة والتجارة والبنوك التجارية لتقديم تمويل ميسّر للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ارتفعت نسبة المواطنين الذين يحوزون حسابات مصرفية من أقل من أربعين بالمائة مطلع العقد الثاني من الألفية إلى ما يزيد على سبعين بالمائة بنهايته، وهو مؤشرٌ يعكس نجاح سياسات الشمول المالي.
أصدر الأردن في عام 2015 قانوناً جديداً لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وعزّز الامتثال للمعايير الدولية الصادرة عن مجموعة العمل المالي (فاتف). كما جرى تعديل قانون البنك المركزي لتوسيع صلاحياته الرقابية وتعزيز استقلاليته.
وفي عام 2023، خرج البنك المركزي الأردني واللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال بنجاح من "القائمة الرمادية" (ما يُعرف بالمنطقة الخاضعة للمراقبة المشددة) الخاصة بمجموعة العمل المالي (FATF). تحقق هذا الإنجاز بفضل استيفاء المملكة للمعايير الدولية في وقت قياسي من خلال تنفيذ خطط إصلاحية صارمة.
أعلنت مجموعة العمل المالي (FATF) رفع اسم الأردن من قائمة الدول تحت المتابعة المتزايدة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أو ما يعرف بـ"القائمة الرمادية" وذلك في اجتماعها حينها في العاصمة الفرنسية باريس، بحضور محافظ البنك المركزي الأردني الدكتور عادل الشركس، رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وقال المحافظ الدكتور شركس: "إن هذا الإعلان يأتي كاعتراف بنجاح المملكة بتعزيز المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل ومواءمتها مع المعايير الدولية، واستكمال تنفيذ كافة بنود خطة العمل الخاصة المعتمدة من قبل مجموعة العمل المالي ((FATF في تشرين الأول 2021".
 حماية الدينار 
وفي واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المملكة الحديث، واجه الأردن بعد رحيل الملك الحسين بن طلال عام 1999  مضاربات وضغوطا على الدينار الأردني، وسط حالة إقليمية من عدم اليقين.
ووفق كتاب الانتقال الكبير.. الأردن في القرن الحادي والعشرين: ازدهار ومنعة، تابع الملك عبدالله الثاني الأزمة ساعة بساعة بالتنسيق المباشر مع البنك المركزي، الذي اختار الدفاع عن الدينار عبر ضخ العملات الأجنبية وتعزيز الثقة بالسوق، مع الإبقاء على عمل البنوك وشركات الصرافة رغم أجواء الحداد.
نجحت السياسة النقدية آنذاك في تثبيت الاستقرار، بينما ارتفعت الاحتياطيات الأجنبية من نحو 950 مليون دينار نهاية التسعينيات إلى قرابة 26.8 مليار دولار اليوم، بما يغطي مستوردات المملكة لنحو 9.4 شهر، وهي مستويات تفوق المعايير الدولية بثلاثة أضعاف. ففي العام 1964 كانت موجودات البنوك المرخصة حينها 63.2 مليون دينار، وبدخول المملكة عيد  استقلالها الـ80 تتجاوز إجمالي موجودات الجهاز المصرفي 70 مليار دينار.
وبحسب بيانات الأداء المقارن للبنوك العاملة في الاردن عن جمعية البنوك خلال عامي 2025-2024، يوجد 12 بنكا تجاريا و4 بنوك إسلامية و4 بنوك أجنبية، علما بأن العام الحالي شهد اندماجا باستحواذ بنك الاتحاد على البنك الاستثماري وهو بنك تجاري وبنك أجنبي هو البنك العقاري المصري، حيث يشجع البنك المركزي الأردني على الاستحواذات لجعل الكيانات أكثر قوى ضمن إستراتيجيته.
كما ارتفع رصيد الودائع في العام 1964 لدى البنوك المرخصة في المملكة من 48.7 مليون دينار إلى 58.3 مليار دينار، كما ارتفع رصيد التسهيلات الممنوحة من البنوك المرخصة بمختلف أنواعها 31.7 مليار دينار بنهاية العام 2025.
وما يعكس صلابة الجهاز المصرفي في عيد الاستقلال، ارتفاع إجمالي حقوق الملكية للبنوك المملكة في الأردن بنهاية العام الماضي بنسبة 6.5 %، مقارنة مع عام 2024 ليصل إلى 8.26 مليار دينار بنهاية 2025، وتتوزع بواقع 6.72 مليار دينار للبنوك التجارية الأردنية (81.4 % من إجمالي حقوق الملكية) و1.22 مليار دينار للبنوك الإسلامية (14.8 % من إجمالي حقوق الملكية) و0.32 مليار دينار للبنوك التجارية الأجنبية (3.8 % من إجمالي حقوق الملكية).
البنوك ومبادراتها للوطن
وبرز القطاع المصرفي الأردني كأحد أبرز المتبرعين خلال الجائحة، وتوزعت مساهماته على قناتين رئيستين: وزارة الصحة في المرحلة الأولى، ثم صندوق "همّة وطن" الذي أطلقته الحكومة لاحقاً لتنظيم الجهود.
وأعلنت جمعية البنوك في الأردن، نتائج السنة الأولى من مبادرة البنوك لدعم قطاعي التعليم والصحة، والتي أُطلقت في آذار 2025، وذلك خلال مؤتمر صحفي عُقد  بحضور رئيس جمعية البنوك باسم خليل السالم، ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية مهند شحادة ووزير التربية والتعليم والتعليم العالي الدكتور عزمي محافظة، ضمن برنامج يمتد لثلاث سنوات وبمخصصات إجمالية تبلغ 90 مليون دينار.
وتتمثل المبادرة في تخصيص 30 مليون دينار سنوياً لتنفيذ مشاريع تنموية في قطاعي التعليم والصحة، تشمل إنشاء مدارس ومرافق صحية في مختلف محافظات المملكة، في إطار توجه وطني يستهدف تعزيز الاستثمار في القطاعات الخدمية الأساسية ومواكبة الطلب المتزايد عليها، إلى جانب توجيه مساهمات المسؤولية المجتمعية للبنوك ضمن برنامج مؤسسي قائم على التخطيط والتنسيق والحوكمة.
وأظهرت نتائج العام الأول، الممتد من آذار 2025 إلى آذار 2026، تركيزاً كاملاً على قطاع التعليم، من خلال تنفيذ 19 مدرسة موزعة على 10 محافظات ضمن الأقاليم الثلاثة، بكلفة إجمالية بلغت 34.6 مليون دينار، بينما وصلت قيمة الدفعات المسددة من حساب المبادرة حتى نهاية نيسان 2026 إلى 24.7 مليون دينار.
وشارك في المبادرة 18 بنكاً عاملاً في المملكة، في خطوة تعكس التزام القطاع المصرفي بتعزيز دوره التنموي، وترسيخ مساهمته في دعم الأولويات الوطنية، من خلال مبادرات ذات أثر مباشر وقابل للقياس.
وبينما يدخل الأردن عقدًا جديدًا من مسيرته بعد ثمانية عقود من الاستقلال، يواصل القطاع المصرفي لعب دور يتجاوز التمويل التقليدي، ليصبح شريكًا في حماية الاستقرار الاقتصادي، ودعم التنمية، وتعزيز الثقة بالدولة ومؤسساتها.
وفي بلدٍ واجه أزماتٍ سياسية واقتصادية متلاحقة، بقيت البنوك الأردنية واحدة من أكثر المؤسسات قدرة على الصمود، لتتحول مع الوقت من مجرد مؤسسات مالية إلى أحد خطوط الدفاع عن الاقتصاد الوطني.