تراجع 2.7 نقطة في 5 سنوات.. هل تسجل البطالة انخفاضا مستداما؟
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
انخفضت معدلات البطالة في الأردن، خلال السنوات الخمس الأخيرة، متراجعة عن ذروتها التي بلغتها عقب جائحة كورونا، وأمام هذا التراجع يطرح تساؤل مشروع حول ما إذا كان الاقتصاد الأردني قد بدأ فعليا بكسر حدة البطالة، أم أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز تصحيحا محدودا بعد صدمة كورونا الاستثنائية؟ وما الحلول القادرة على تسريع مسار التراجع وتحويله من تراجع بطيء إلى انخفاض مستدام؟
أكد اقتصاديون وجود تحسن نسبي في معالجة مشكلة البطالة محليا مقارنة بالمستويات التي بلغتها خلال جائحة كورونا، لكن معدلاتها ما تزال مرتفعة بشكل يعكس اختلالات بنيوية عميقة في سوق العمل المحلي.
وأشار هؤلاء إلى أن معدلات البطالة المحلية تعد مؤشرا تأسيسيا يرتبط بقدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل، لافتين إلى أن الاقتصاد الأردني ما يزال في مرحلة انتقالية من اقتصاد تقليدي يعتمد على القطاع العام الذي كان يستوعب أعدادا كبيرة من طالبي العمل، إلى اقتصاد يتطلب أدوات وتقنيات جديدة لإدارة الأعمال والخدمات، لذا فإن انخفاض البطالة بصورة كبيرة يتوقف على هذا التحول.
وبغية تسريع مسار تراجع البطالة والحلول اللازمة لذلك، دعا هؤلاء الخبراء إلى خلق قطاعات اقتصادية جديدة عبر استثمارات مستهدفة توفر فرص عمل نوعية ومستدامة، إضافة إلى خلق قطاعات اقتصادية جديدة من خلال استثمارات توفر وظائف نوعية ومستدامة، إلى جانب رفع معدل النمو الاقتصادي الحقيقي القادر على استيعاب القوى العاملة.
وخلال السنوات الخمس الأخيرة، بدأت معدلات البطالة في الأردن بالتراجع التدريجي، إلا أنها ما تزال مرتفعة قياسا بمستويات ما قبل جائحة كورونا، حين بلغت نحو 19 % في العام 2019، وانخفضت البطالة من 24.1 % في 2021 إلى 21.4 % في 2025، أي بانخفاض مطلق قدره 2.7 نقطة مئوية.
اختلالات بنيوية لسوق العمل
وقال رئيس جمعية بيت العمال حمادة أبو نجمة "إن تطور معدلات البطالة، خلال السنوات الخمس الأخيرة، يشير إلى أن هناك تحسنا نسبيا في معالجة مشكلة البطالة مقارنة بذروة ما بعد جائحة كورونا، إلا أن هذا التحسن ما يزال محدود الأثر إذا ما قورن بمستويات البطالة التي كانت قبل الجائحة"، معتبرا أن معدلات البطالة الحالية، رغم تراجعها التدريجي، إلا أنها ما تزال مرتفعة وتعكس اختلالات بنيوية عميقة في سوق العمل.
وبين أبو نجمة أن كسر حدة البطالة بالمعنى الحقيقي لم نبلغه بعد، وأن التراجع المستمر في مستويات البطالة يعود إلى التخفيف النسبي لآثار صدمة الجائحة والعودة شبه الكاملة للأنشطة الاقتصادية التي كانت علقت خلال فترة كورونا، فالانخفاض ما يزال دون مستوى الطموح، كما أنه لم ينعكس بالشكل الكافي على الفئات الأكثر تضررا، وعلى رأسها الشباب والنساء، حيث ما تزال بطالة النساء مرتفعة بشكل خاص، وما تزال بطالة الشباب تعبر عن فجوة مستمرة بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجات سوق العمل الفعلية.
ويرى أبو نجمة، الذي سبق له أيضا شغل منصب أمين عام وزارة العمل، أن معضلة البطالة محليا لا تكمن فقط في عدد الوظائف المتاحة، بل في نوعيتها وفي قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل منتجة ومستقرة وفي مستوى الأجور وشروط العمل وفي ضعف جاذبية القطاع الخاص مقارنة بالقطاع العام، إضافة إلى اتساع حجم الاقتصاد غير المنظم الذي يحد من فرص العمل اللائق والمستدام.
وحول السبل اللازمة لانخفاض مستدام في البطالة، طالب أبو نجمة بالتركيز على معالجة جذور المشكلة، ويبدأ ذلك بتحفيز قطاعات اقتصادية قادرة فعليا على توليد فرص عمل كثيفة ومستدامة، وربط أي حوافز أو إعفاءات أو دعم حكومي بعدد الوظائف المستحدثة وجودتها واستمراريتها وليس بحجم الاستثمار فقط، والانتقال من منطق البرامج المؤقتة لمعالجة البطالة إلى بناء منظومة تشغيل متكاملة تقوم على بيانات دقيقة لسوق العمل وتوجيه وإرشاد مهني وتدريب مرتبط باحتياجات حقيقية ثم تشغيل قابل للقياس والمتابعة، فضلا عن ضرورة العمل على وضع سياسات تستهدف بطالة النساء والشباب وتعالج ما يعيق المشاركة الاقتصادية، مثل توفير خدمات رعاية الأطفال وتحسين النقل وتوسيع أنماط العمل المرن وضمان بيئة عمل لائقة وآمنة، علاوة على ضرورة تحسين جودة الوظائف في القطاع الخاص من حيث الأجور والحماية الاجتماعية وتفعيل تشريعات العمل.
معدلات البطالة الحقيقية قد تكون أقل مما هو معلن
بدوره، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش "إن معدلات البطالة في الأردن تعد مؤشرا تأسيسيا يرتبط بقدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل"، مبينا أن الاقتصاد الأردني ما يزال في مرحلة انتقالية من اقتصاد تقليدي يعتمد على القطاع العام الذي كان يستوعب أعدادا كبيرة من طالبي العمل، إلى اقتصاد يتطلب أدوات وتقنيات جديدة لإدارة الأعمال والخدمات، بما في ذلك الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، التي تغير بشكل جذري أساليب الإنتاج وعلاقات العمل.
وأشار عايش إلى أن البطالة ترتفع رغم التوسع في الإنفاق العام والاستثمارات، بسبب عدم قدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل بالسرعة المطلوبة، ولأن بعض العاطلين عن العمل يعملون عن بعد أو مع شركات خارجية، أو يهاجرون مع بقائهم مسجلين كعاطلين، مما يخلق فجوة بين البيانات الرسمية والواقع الفعلي لسوق العمل، ما يعني أن معدلات البطالة الحقيقية قد تكون أقل مما هو معلن.
وأضاف أن جزءا كبيرا من البطالة يشمل النساء وحملة الشهادات الجامعية، مشيراً إلى أن 33 % من العاطلين من النساء، وحوالي 76 % من المتعطلين يحملون شهادات بكالوريوس، ما يعني أن الاقتصاد لا يستفيد بالكامل من القوى البشرية المتاحة.
وحول الحلول، أكد عايش أن الطريق لتخفيض البطالة يتطلب خلق قطاعات اقتصادية جديدة عبر استثمارات مستهدفة توفر فرص عمل نوعية ومستدامة، إضافة إلى خلق قطاعات اقتصادية جديدة من خلال استثمارات توفر وظائف نوعية ومستدامة، إلى جانب رفع معدل النمو الاقتصادي الحقيقي القادر على استيعاب القوى العاملة.
ويضاف إلى ذلك تطوير السياسات الاقتصادية وتشجيع القطاع الخاص على توسيع دوره في التشغيل، علاوة على إعادة تأهيل العاملين لمواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية، فضلا عن ضرورة تعزيز القدرة الاستهلاكية للمواطنين لدعم الطلب وفتح المزيد من فرص العمل. كما دعا إلى تطوير السياسات الاقتصادية وتشجيع القطاع الخاص على توسيع دوره في التشغيل، إلى جانب إعادة تأهيل العاملين لمواكبة التحولات التكنولوجية والرقمية.
البطالة.. تراجع ببطء
من جانبه، أكد مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض، أن معدلات البطالة في السنوات الأخيرة بدأت بالانخفاض، وإن كانت تتراجع ببطء شديد، إلا أن هذا التراجع غير مرتبط بتحول هيكلي في سوق العمل، كما هو مأمول، حيث إن التحول الهيكلي هو الذي يقود إلى كسر حقيقي لحدة هذه المشكلة.
وأوضح عوض أن الانتقال من هذا التراجع البطيء إلى مسار انخفاض مستدام يتطلب قرارات وسياسات أكثر جرأة ووضوحا، في مقدمتها يأتي تسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية الكبرى، خصوصا في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه، إضافة إلى التوسع الجاد في تحسين قطاع النقل العام واللوجستيات، لما لذلك من أثر مباشر في توليد فرص العمل وتوسيع النشاط الاقتصادي في المحافظات.
ونوه عوض إلى أنه من المتوقع أن تواجه جهود مكافحة البطالة، خلال السنوات القليلة المقبلة، ضغوطا كبيرة جراء التحولات الرقمية المتلاحقة والسريعة (الذكاء الاصطناعي)، قبل أن تبدأ أسواق العمل بالاستفادة من الفرص الاقتصادية التي سيولدها الذكاء الاصطناعي، حيث ستخسر العديد من القطاعات والأنشطة الاقتصادية آلاف فرص العمل.
وشدد عوض على أن معالجة أزمة البطالة محليا لا يمكن أن تنجح من دون مراجعة سياسات التعليم والتدريب؛ عبر التوسع في التعليم المهني والتقني، وضبط التوسع في التعليم الجامعي، وربط المسارات التعليمية بحاجات الاقتصاد الفعلية.
وأشار إلى أن تحديث الزراعة والصناعات التحويلية والسياحة والخدمات الصحية والتعليمية، وهي قطاعات كثيفة التشغيل، يمثل مدخلا عمليا لتوسيع قاعدة التشغيل.
ولفت عوض إلى أن تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي لن ينعكس على البطالة تلقائيا ما لم يكن نموا مولدا لفرص العمل، ومقترنا بسياسات سوق عمل وحماية اجتماعية تدعم الاستقرار الوظيفي والعمل اللائق.