أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    22-Feb-2026

استخدام الإنترنت.. كيف يستنزف المحتوى الترفيهي أوقات الأردنيين؟

 الغد-إبراهيم المبيضين

بعد أن كشفت دراسة محلية أن الأردنيين يضيعون أوقاتا طويلة خلف شاشات الهواتف الذكية والحواسيب لمتابعة "المحتوى الاستهلاكي"، يؤكد خبراء أن هذا الواقع المقلق يطرح علامات استفهام كبيرة حول ضياع فرص ومهارات اقتصادية هائلة في عالم واقتصاد رقمي متسارع التغير.
 
 
ويشير الخبراء إلى أن نمط استخدام الإنترنت في الأردن يعكس هيمنة واضحة لما أسموه "ثقافة التلقي"، إذ نجحت الخوارزميات بامتياز في توجيه المستخدم في العالم والأردن نحو المحتوى السهل والسريع، ما عزز الفصل بين الإنترنت كأداة لبناء القيمة الحقيقية وبين كونه مجرد وسيلة لتمضية الوقت وقتل الفراغ. رافق ذلك نقص في الوعي والثقافة الرقمية الصحيحة التي تقوم على إمكانيات كبيرة يمكن استغلالها من قبل الناس للمعرفة وتطوير الذات والحياة أكثر من الترفيه.
وأكدوا أن الاستهلاك "المفرط" للترفيه، الذي يشمل مشاهدة المحتوى الفيديوي، الألعاب الإلكترونية، وتنزيل الأغاني والأفلام، يكشف عن غياب عميق لـ "الوعي الرقمي الإنتاجي".
 هذا النمط الاستهلاكي لا يستنزف الوقت والبيانات فحسب، بل يضيع فرصا لتعلم مهارات مثل البرمجة، والتسويق الرقمي، والعمل الحر (Freelancing)، وهي مجالات تمثل العصب الرئيس للاقتصاد الرقمي الحديث.
ولفت هؤلاء إلى أن التحول من النمط الاستهلاكي إلى النمط الإنتاجي في استهلاك الإنترنت هو مسؤولية جماعية من كل الأطراف: الحكومة، والقطاعات التعليمية، والمؤسسات، والأفراد، مع أهمية كبيرة لعامل التوعية وتعزيز الثقافة الرقمية.
وبينوا أن غياب الحوافز وضعف التكامل بين التعليم وسوق العمل الرقمي، وعدم كفاية السياسات المحفزة للمحتوى المحلي أو المشاريع الرقمية الصغيرة، كلها عوامل تحد من تحويل الاستخدام إلى نشاط اقتصادي منتج.
وأوضحوا أن العديد من المقترحات يمكن أن تعزز الجانب الإنتاجي في استخدام الشبكة العنكبوتية، ومنها دمج المهارات الرقمية التطبيقية في المناهج التعليمية، وبرامج وطنية لتمكين صناع المحتوى ورواد الأعمال الرقميين، وبناء بيئة تنظيمية وتشريعية تحفز الابتكار وتحمي الحقوق الرقمية، فضلا عن أهمية التوعية الإعلامية والثقافية التي تعيد تعريف الإنترنت كأداة إنتاج ومعرفة لا مجرد وسيلة تسلية.
وكان مسح استخدام الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الذي أعلنته الحكومة أخيرا أن الأردنيين كانوا "مفرطين" في استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في الجانب الاستهلاكي على حساب الجانب الإنتاجي. فمثلا، قالت نتائج المسح إن الاستخدام الأكثر شيوعا للإنترنت يتمحور حول خدمات الترفيه واستهلاك المحتوى الرقمي، بنسبة بلغت نحو 92.6 % من الأفراد ممن تزيد أعمارهم عن خمس سنوات، وكانت النسبة لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي 87.3 %، بينما كانت الاستخدامات المفيدة اقتصاديا وعمليا ومعرفيا تحوز نسبا أقل بكثير من الاستخدامات الترفيهية؛ حيث بلغت نسبة البحث عن عمل عبر الإنترنت حدود 4.4 %، وكذلك الالتحاق بدورات تعليمية إلكترونية بنسبة تقارب 3.9 %، كما سجلت التجارة الإلكترونية ومعاملات الشراء عبر الإنترنت نسبة 16.5 %، بينما تصل المعاملات المصرفية الإلكترونية إلى نحو 18 %.
السلوك الرقمي وأنماط التحفيز
وقال خبير حوكمة البيانات والتحول الرقمي د. حمزة العكاليك إن "الأردن يشهد، كما العديد من الدول النامية رقميا، اتساعا ملحوظا في قاعدة مستخدمي الإنترنت، إلا أن طبيعة الاستخدام تميل بصورة واضحة نحو الاستهلاك الترفيهي أكثر من التوظيف الإنتاجي".
وبين قائلا: "هذا الاختلال لا يرتبط بضعف البنية التحتية أو محدودية الانتشار، بقدر ما يرتبط بطبيعة السلوك الرقمي السائد وأنماط التحفيز وغياب السياسات الموجهة لتعظيم القيمة الاقتصادية والاجتماعية من الاستخدام الرقمي".
هيمنة المنصات المصممة لجذب الانتباه
وأوضح العكاليك أن غلبة الجانب الاستهلاكي تأتي نتيجة هيمنة المنصات المصممة أساسا لجذب الانتباه وتعظيم زمن البقاء عبر المحتوى السريع والمختصر والترفيهي، فخوارزميات هذه المنصات لا تكافئ التعلم العميق أو الإنتاج المعرفي، بقدر ما تكافئ التفاعل اللحظي، وهذا يؤدي إلى بيئة رقمية تفضّل الاستهلاك المستمر على الإنتاج المنظم، ومع غياب توجيه مؤسسي واضح نحو الاستخدام المهني أو التعليمي يصبح الإنترنت مساحة للترفيه أكثر منه أداة للتمكين.
الاستثمار في رأس المال 
البشري الرقمي
وأضاف: "ما يزال الاستثمار في رأس المال البشري الرقمي دون المستوى المطلوب، فالمهارات الإنتاجية مثل البرمجة، تحليل البيانات، صناعة المحتوى الاحترافي، التسويق الرقمي أو ريادة الأعمال التقنية لا تُعد مهارات عامة لدى شريحة واسعة من المستخدمين، وعندما لا يمتلك الفرد أدوات التحويل من الاستهلاك إلى الإنتاج يبقى في دائرة الاستخدام السلبي حتى وإن توفرت له البنية التحتية.
 وأشار إلى أن هناك فجوة بين توفر الاتصال الرقمي وتفعيل الاقتصاد الرقمي، فالاتصال بالإنترنت لا يعني بالضرورة الاندماج في سلاسل القيمة الرقمية، وغياب الحوافز وضعف التكامل بين التعليم وسوق العمل الرقمي وعدم كفاية السياسات المحفزة للمحتوى المحلي أو المشاريع الرقمية الصغيرة كلها عوامل تحد من تحويل الاستخدام إلى نشاط اقتصادي منتج".
انتشار الإنترنت فرصة إستراتيجية
ويرى العكاليك أنه من حيث الإيجابيات، فإن الانتشار الواسع للإنترنت يمثل فرصة إستراتيجية، فهو يتيح الوصول إلى المعرفة العالمية ويفتح أبواب العمل الحر ويعزز الشمول المالي ويدعم التحول الحكومي الرقمي، كما يمكن أن يشكل منصة لتعزيز الابتكار وريادة الأعمال.
في المقابل، فإن الاستخدام الاستهلاكي المفرط قد يؤدي إلى هدر الوقت والموارد، وتراجع الإنتاجية الفردية وارتفاع معدلات التشتت الرقمي، فضلا عن التأثيرات النفسية والاجتماعية المرتبطة بالإفراط في المحتوى الترفيهي.
وأشار إلى أنه لتحويل الاستخدام إلى إنتاجي يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، تبدأ بدمج المهارات الرقمية التطبيقية في المناهج التعليمية، مرورا بإطلاق برامج وطنية لتمكين صناع المحتوى ورواد الأعمال الرقميين، وصولا إلى بناء بيئة تنظيمية وتشريعية تحفز الابتكار وتحمي الحقوق الرقمية في آن واحد، كما يتطلب الأمر توجيها إعلاميا وثقافيا يعيد تعريف الإنترنت كأداة إنتاج ومعرفة لا مجرد وسيلة تسلية.
ولخص قائلا: "الخلاصة أن التحدي في الأردن ليس في معدلات الاستخدام بل في جودة الاستخدام وقيمته المضافة، والانتقال من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج الرقمي هو مسألة حوكمة وسياسات وتحفيز مهارات وليس مجرد مسألة اتصال".
وزاد: "عندما تُدار هذه المعادلة بوعي إستراتيجي، يمكن للإنترنت أن يتحول من مساحة استهلاك فردي إلى رافعة تنموية حقيقية تدعم الاقتصاد الوطني وتعزز رأس المال المعرفي".
إيجابيات وسلبيات زيادة استخدام الإنترنت
وقال خبير التحول الرقمي وريادة الأعمال م. هاني البطش: "التوسع في استخدام الإنترنت يحمل إيجابيات كبيرة، أبرزها تسريع الوصول إلى المعرفة، وتسهيل التواصل، وفتح أسواق جديدة أمام الأفراد والشركات، وتمكين الشباب من العمل عن بعد والانخراط في الاقتصاد العالمي دون مغادرة أماكنهم، كما يسهم في تحسين كفاءة الخدمات الحكومية والمالية، ويعزز الشمول الرقمي إذا أُحسن توظيفه".
 في المقابل، يرى البطش أن هناك سلبيات لا يمكن تجاهلها لزيادة استخدام الإنترنت، مثل الإدمان الرقمي، وتراجع الإنتاجية الفردية، وانتشار المعلومات المضللة، والمخاطر المتعلقة بالخصوصية والأمن السيبراني.
 كذلك، قد يؤدي الاستخدام غير المنظم إلى تعميق الفجوة الرقمية بين من يمتلك المهارات ومن يفتقر إليها. لذلك، المسألة ليست في حجم الاستخدام بقدر ما هي في نوعيته وجودته، والتحدي الحقيقي أمامنا اليوم هو الانتقال من "مجتمع مستهلك رقميا" إلى "مجتمع منتج رقميا"، وهذا يتطلب رؤية وطنية واضحة واستثمارا مستداما في الإنسان قبل التكنولوجيا."
سهولة الوصول إلى المحتوى الترفيهي والثقافة الرقمية
ويرى البطش أن غلبة الطابع الاستهلاكي في استخدام الإنترنت في الأردن يعود إلى عدة عوامل متداخلة، أولها سهولة الوصول إلى المحتوى الترفيهي مقارنة بصعوبة الوصول إلى فرص إنتاجية واضحة عبر الإنترنت؛ فالمحتوى الترفيهي متاح بضغطة زر، بينما يتطلب الاستخدام الإنتاجي مهارات رقمية متقدمة، ووعيا، وتوجيها.
 وأكد البطش أن من العوامل الأخرى أن هناك فجوة في الثقافة الرقمية؛ إذ ما يزال جزء كبير من المستخدمين ينظر إلى الإنترنت كوسيلة ترفيه وتواصل اجتماعي، لا كأداة لبناء المهارات أو تحسين الدخل. كما أن محدودية الثقة في بعض الخدمات الرقمية، وضعف الترويج للمنصات التعليمية والمهنية، وقلة النماذج الملهمة التي تُظهر كيف يمكن تحويل الإنترنت إلى مصدر دخل، كلها عوامل تعزز الطابع الاستهلاكي، مشيرا إلى أن طبيعة المنصات العالمية نفسها أيضا مصممة لجذب الانتباه وإطالة وقت الاستخدام، ما يعمق السلوك الاستهلاكي على حساب الإنتاجي.
كيف نحول الاستخدام إلى نمط إنتاجي؟
وقدم البطش بخبرته مقترحات للتحول نحو الاستخدام الإنتاجي وهو كما يرى يتطلب عملا على ثلاثة مستويات: التعليم، والسياسات، والسوق.
وأوضح البطش أنه على مستوى التعليم، يجب دمج المهارات الرقمية المتقدمة في المناهج منذ المراحل المبكرة، والتركيز على مهارات مثل البرمجة، والتسويق الرقمي، وصناعة المحتوى الاحترافي، والعمل الحر.
وعلى مستوى السياسات، قال البطش: "نحتاج إلى حوافز حقيقية لتشجيع الشباب على العمل عبر المنصات الرقمية، وتسهيل إجراءات الدفع الإلكتروني، وتعزيز الثقة بالتجارة الإلكترونية، وتطوير الأطر التشريعية الداعمة للاقتصاد الرقمي".
ولفت إلى أنه على مستوى السوق، فعلينا إبراز قصص النجاح المحلية، ودعم حاضنات الأعمال الرقمية، وتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات ذات قيمة مضافة عالية مثل التعليم الإلكتروني، والخدمات التقنية، والتعهيد عن بعد، فالإنترنت ليس مجرد أداة استهلاك؛ بل هو منصة إنتاج عالمية، وإذا وفرنا البيئة المناسبة يمكن أن يتحول من مساحة تمضية وقت إلى محرك للنمو الاقتصادي.
المشكلة ليست في الإنترنت بل في طريقة الاستخدام
ويرى خبير الإعلام الرقمي والاتصال المؤسسي إبراهيم الهندي أن الإنترنت يوفّر فرصا هائلة للوصول إلى المعرفة، وتوفير فرص العمل، وبناء المشاريع بأقل التكاليف، وتمكين الشباب من صناعة مستقبلهم، في المقابل، سوء الاستخدام يؤدي إلى هدر الوقت، وتشتت الانتباه، وضعف التفكير العميق، لذلك، توسيع الأثر الإيجابي للإنترنت يتطلب دمجه بشكل عملي في التعليم والتدريب، وتقديمه كبيئة إنتاج وفرصة وطنية للنمو، لا كمجرد وسيلة ترفيه أو مساحة استهلاك.
وقال الهندي: "من وجهة نظري، لا تكمن المشكلة في الإنترنت بحد ذاته، بل في طريقة التعامل معه، أغلب الاستخدام اليومي يتركّز على الترفيه والتمرير السريع ومتابعة المحتوى الخفيف، وذلك نتيجة غياب الوعي الرقمي الإنتاجي، وهيمنة الخوارزميات التي تروّج للمحتوى السهل والسريع، إضافة إلى الفصل بين الإنترنت والعمل أو التعلّم، وندرة النماذج التي تقدّم استخداما حقيقيا للإنترنت كأداة لبناء القيمة والمعرفة". 
التحول يبدأ بتغيير العقلية
وأضاف الهندي قائلا: "أعتقد أن التحول يبدأ من تغيير العقلية قبل الأدوات؛ من سؤال "ماذا سأشاهد؟" إلى "ماذا سأبني أو أتعلم أو أقدّم؟"".
وقال: "الاستخدام الإنتاجي يتحقق عندما ننتقل من التلقي إلى المساهمة، ونربط وجودنا الرقمي بأهداف واضحة مثل تطوير المهارات، بناء المشاريع، أو تعزيز العلامة الشخصية، مع توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي كوسائل دعم وتحسين للإنتاجية لا كبدائل عن التفكير والعمل الحقيقي".