أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    24-Mar-2026

الحرب تعيد تشكيل البيئة الرقمية.. الأمن السيبراني والتجارة الإلكترونية والمحتوى في الصدارة

 الغد-إبراهيم المبيضين

 فرضت الحرب التي تدور رحاها في منطقة الشرق الأوسط منذ 3 أسابيع واقعا تقنيا جديدا أعاد رسم خريطة العالم الرقمي، فبعد الهجوم العسكري المتبادل بين أميركا والاحتلال الإسرائيلي وإيران، امتد الصراع مثل النار في الهشيم إلى الفضاء الإلكتروني فأفرز بيئة مختلفة عن السابق.
 
 
وأوضح خبراء محليون في شأن التقنية أن أبرز مظاهر إعادة تشكيل البيئة الرقمية تمثلت في تصاعد الهجمات السيبرانية في زمن الحروب من قبل كل الأطراف، وتأثر كبير للتجارة الإلكترونية مع مشاكل كبيرة في سلاسل الإمداد والتوصيل، فضلا عن احتمالات كبيرة لتأثر حركة الإنترنت وانتشار المحتوى المضلل الإخباري وغير الإخباري لأغراض تخدم الحرب وأهدافها، وكل ذلك يتطلب طرقا ومنافذ رقمية جديدة للتعاطي معه، وخصوصا بالتركيز على مفاهيم السيادة الرقمية وإيجاد البدائل الجديدة.
وفي المقابل، بيّن الخبراء أن مظاهر إعادة تشكيل القطاع التقني والبيئة الرقمية تحمل آثارا إيجابية بدفع الدول والحكومات والمؤسسات لتبني مفاهيم السيادة الرقمية وإيجاد الابتكارات الجديدة التي يمكن أن تستخدم للتعامل مع كل المشاكل السابقة، وخصوصا بتبني حلول الذكاء الاصطناعي.
وأكدوا أن التحدي الحقيقي أمام الحكومات والشركات ليس في تجنب هذه التأثيرات، بل في إدارتها بذكاء، فكل أزمة تحمل في طياتها مخاطر وفرصا، والاقتصادات التي تستطيع بناء بيئة رقمية مرنة وآمنة هي التي ستنجح في تحويل الأزمات إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل اقتصادي أكثر تطورا.
الحروب لا تقتصر على الميدان العسكري
ويرى الخبير م. هاني البطش أن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على الميدان العسكري التقليدي، بل امتدت بشكل واضح إلى البيئة الرقمية، التي أصبحت ساحة موازية للصراع، فالتحول الرقمي المتسارع خلال العقد الأخير جعل البنية التحتية الرقمية – من شبكات الاتصالات إلى الأنظمة الحكومية والمالية – جزءا أساسيا من الأمن الوطني والاقتصادي، لذلك فإن أي صراع عسكري ينعكس بصورة مباشرة على الفضاء السيبراني، سواء من خلال التهديدات الأمنية أو من خلال تسريع الابتكار التقني.
تصاعد الهجمات السيبرانية
وبين البطش أنه من الناحية السلبية، فإن أبرز التأثيرات يتمثل في تصاعد الهجمات السيبرانية المرتبطة بالصراعات، مسترشدا بتقارير مؤسسات مثل المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) وشركة مايكروسوفت للأمن السيبراني والتي تشير إلى أن الحروب تزيد بشكل ملحوظ من الهجمات على البنية التحتية الحيوية مثل الطاقة والاتصالات والأنظمة المالية.
وقال: "هذه الهجمات قد تستهدف تعطيل الخدمات الأساسية أو نشر الفوضى المعلوماتية من خلال حملات التضليل الرقمي والتعامل مع هذا التحدي يتطلب رفع مستوى المرونة السيبرانية (Cyber Resilience)، وهو مفهوم تدعمه تقارير OECD ويعني القدرة على منع الهجمات واكتشافها والاستجابة لها واستعادة الأنظمة بسرعة، ويتحقق ذلك عبر الاستثمار في مراكز العمليات الأمنية، وتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي في كشف التهديدات، وتطبيق معايير الحوكمة الرقمية الصارمة".
حروب المعلومات والمحتوى
وأكد البطش أن التأثير السلبي الثاني يتعلق بانتشار حروب المعلومات والتلاعب بالمحتوى الرقمي، فخلال النزاعات، تنتشر الأخبار المضللة والدعاية الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما يؤثر على الرأي العام ويزيد الاستقطاب المجتمعي. وبين أن تقارير معهد ستانفورد للإنترنت تؤكد أن الحملات المنظمة للتضليل أصبحت أداة استراتيجية في النزاعات الحديثة، والتعامل مع هذا التحدي يتطلب تعزيز محو الأمية الرقمية لدى الجمهور، إضافة إلى تطوير أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على كشف المحتوى المزيف، مثل تقنيات اكتشاف الـDeepfake والتحقق الآلي من المعلومات.
تسريع الابتكار في التقنية
لكن في المقابل، قال البطش: "يمكن أيضا أن توجد للحروب بعض التأثيرات الإيجابية غير المقصودة على البيئة الرقمية، وأحد أهم هذه التأثيرات هو تسريع الابتكار في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي".
وقال: "تاريخيا، العديد من التقنيات التي أصبحت لاحقا جزءا من الاقتصاد الرقمي نشأت في سياق التحديات الأمنية، وعلى سبيل المثال، تشير تقارير DARPA والعديد من الدراسات الأكاديمية إلى أن تطوير تقنيات تحليل البيانات الضخمة وأنظمة الاستجابة السريعة للأزمات تسارع خلال فترات التوتر الجيوسياسي، والتعامل الإيجابي مع هذا الجانب يتطلب تحويل الابتكار الأمني إلى تطبيقات مدنية تدعم الاقتصاد الرقمي والخدمات الحكومية".
ولفت إلى أن الصراعات تدفع الحكومات والمؤسسات إلى إعادة تقييم سيادة البيانات والبنية التحتية الرقمية؛ فالدول أصبحت أكثر وعيا بأهمية استضافة البيانات محليا، وتنويع سلاسل التوريد التقنية، وتعزيز الاستقلالية التكنولوجية.
وبيّن أن تقارير McKinsey وGartner تشير إلى أن هذا التوجه يساهم في بناء أنظمة رقمية أكثر استدامة وأقل عرضة للانقطاع، والتعامل مع هذا التحول يتطلب استثمارات طويلة المدى في مراكز البيانات الوطنية، وتطوير القدرات البشرية في الأمن السيبراني وتحليل البيانات.
ولخّص قائلا: "في النهاية، البيئة الرقمية أصبحت جزءا لا يتجزأ من معادلة الأمن والاستقرار العالمي، والحروب تكشف نقاط الضعف الرقمية، لكنها في الوقت نفسه تدفع إلى تسريع بناء منظومات أكثر مرونة وابتكارا".
وقال: "من وجهة نظري، التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حماية الأنظمة من الهجمات، بل في بناء منظومات رقمية قادرة على الاستمرار والتكيف حتى في ظروف الأزمات، وهذا يتطلب تعاونا دوليا بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات البحثية لوضع معايير مشتركة للأمن السيبراني وحوكمة الفضاء الرقمي".
التجارة الإلكترونية على صفيح ساخن
الخبير في مجال حوكمة البيانات والتحول الرقمي الدكتور حمزة العكاليك يرى أن قطاع التجارة الإلكترونية في الأردن والمنطقة يقف على صفيح ساخن نتيجة للحرب، حيث تتقاطع طموحات النمو الرقمي مع واقع مرير تفرضه الجغرافيا السياسية، مما يضع المستهلك والتاجر على حد سواء أمام اختبار غير مسبوق للقدرة على الصمود والابتكار.
وقال: "المشهد الحالي وتحديدا في مضيق باب المندب ومضيق هرمز يمثل الخاصرة الرخوة لسلاسل الإمداد العالمية، ومع تصاعد التوترات المرتبطة بالصراع الإقليمي وتدخلات القوى المختلفة، شهدنا تحولا قسريا لمسارات السفن من قناة السويس إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهذا التحول يسبب فاتورة باهظة؛ حيث تسبب هذا الالتفاف في زيادة مدة الشحن بمقدار 10 إلى 15 يوما إضافية، وارتفاع تكاليف الشحن البحري بنسب تتراوح بين 200 % إلى 300 % في بعض الخطوط الحيوية".
وأضاف: "بالنسبة للتجارة الإلكترونية التي تعتمد كليا على السرعة والتكلفة المنخفضة، فإن هذه المعطيات تمثل ضربة موجعة للنموذج التشغيلي الذي اعتاد عليه المستهلك الأردني".
وبين العكاليك أن المستخدم الأردني يتأثر بشكل مباشر وعميق بهذه التطورات، والسبب يكمن في اعتماد السوق المحلي الكبير على الاستيراد الرقمي من منصات عالمية مثل شي إن وغيرها.
وأشار إلى أن الأردن، بموقعه الإستراتيجي، يعتمد بشكل أساسي على ميناء العقبة كبوابة بحرية وحيدة، ومع فرض شركات التأمين علاوات مخاطر الحرب على السفن المتجهة إلى المنطقة، ارتفعت أسعار السلع النهائية بنسب ملحوظة.
ولفت إلى أن التأخير لم يعد هو المشكلة الوحيدة، بل أصبح تضخم الأسعار هو الهاجس الأكبر؛ فالطرد الذي كان يصل في غضون أسبوع بات يستغرق شهرا، والقيمة التي كانت تغطي سلة مشتريات واسعة لم تعد كافية لتغطية نصفها، مما يسبب حالة من الإحباط لدى المستهلك الذي يجد نفسه يدفع ثمن صراعات لا يد له فيها.
وأبَانَ العكاليك أن هذا التأثير يظهر بوضوح فاقع مع حلول موسم رمضان وعيد الفطر، وهي الفترة التي تمثل ذروة الاستهلاك في الأردن والمنطقة.
وأوضح أنه تاريخيا، ترتفع مبيعات التجارة الإلكترونية في رمضان بنسبة تصل إلى 40 % مقارنة ببقية أشهر السنة، وهذا العام، اصطدمت هذه الذروة بجدار تأخر الشحنات الموسمية، فالتجار الذين لم يؤمنوا مخزونهم قبل أشهر وقعوا في فخ الرفوف الرقمية الفارغة، مما أدى إلى ضياع فرص بيعية هائلة، والمستهلك الأردني، الذي ينتظر طرود العيد، بات يواجه خطر عدم وصول مشترياته في موعدها، مما ينسف الثقة التي بُنيت لسنوات بين المنصات الرقمية والعملاء.
من رحم الأزمات تولد الفرص
ولكن، العكاليك أشار إلى أنه من رحم الأزمات تولد الفرص، فقد دفع هذا الاضطراب المستهلك الأردني نحو تحول إستراتيجي في سلوكه الشرائي: البحث عن البدائل المحلية.
ولفت إلى أنه اليوم نلاحظ صعودا قويا للمنصات الإلكترونية الأردنية والمشاريع المنزلية التي تسوق عبر إنستغرام وفيسبوك، وهذا التحول أصبح ضرورة تقنية ولوجستية، فعندما يعجز العملاق العالمي عن إيصال قميص العيد في موعده، يصبح المصمم المحلي أو المتجر الأردني الذي يمتلك مخزونا داخل حدود المملكة هو المنقذ.
وقال العكاليك: "إننا أمام مرحلة إعادة صياغة لمفهوم العولمة الرقمية، فلم يعد كافيا أن تمتلك تطبيقا جذابا، بل يجب أن تمتلك سلسلة إمداد محصنة جغرافيا، كما أن الاعتماد المفرط على سلاسل الإمداد الطويلة والعابرة للقارات أثبت هشاشته أمام طلقات الرصاص، مما يفتح الباب واسعا أمام التجارة الإلكترونية البينية داخل المنطقة العربية كبديل إستراتيجي ومستدام".
خدمات رقمية تتأثر بالحرب
الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي يرى أنه في كل مرة تندلع فيها حروب، تتغير ملامح الاقتصاد بطرق قد لا تكون ملموسة أو مرئية في بدايتها، حيث لم تعد الحروب تقتصر فقط على الجبهات العسكرية أو الأسواق التقليدية، بل امتد تأثيرها بوضوح إلى البيئة الرقمية التي أصبحت اليوم جزءا أساسيا من حياة الأفراد والشركات والدول.
وبين أنه عند حدوث صراعات أو أزمات أو حتى حروب، فإن كلا من التجارة الإلكترونية، والمدفوعات الرقمية، والخدمات الرقمية، والبنية التحتية للاتصالات، وحتى أمن البيانات، كلها تتأثر بدرجات مختلفة عند حدوث أي صراع إقليمي أو عالمي.
ولكنه قال: "من المثير للاهتمام أن تأثير الحروب على الاقتصاد الرقمي لا يقتصر على الجوانب السلبية فقط؛ فالأزمات، رغم قسوتها، غالبا ما تُسرّع التحولات الرقمية وتخلق أنماطا اقتصادية جديدة، لذلك يصبح السؤال الأهم ليس فقط كيف تؤثر الحروب على البيئة الرقمية، بل كيف يمكن إدارة هذه التأثيرات بذكاء لتقليل الخسائر وتعظيم الفرص واستدامة الخدمات وسط زخم الصراعات".
التأثيرات السلبية على البيئة الرقمية
وأوضح الصفدي أن أبرز التأثيرات السلبية للحروب يظهر في اضطراب سلاسل التوريد الرقمية، فعندما تتأثر طرق النقل أو الموانئ، البحرية والجوية، أو المعابر الحدودية، تنعكس الأزمة مباشرة على التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية، وتأخر الشحنات، وارتفاع تكاليف النقل، وتراجع ثقة المستهلكين؛ كلها عوامل تضغط على الشركات الرقمية وتقلل من كفاءة الأسواق الإلكترونية.
وزاد: "لا يخفى أيضا تعرض البنية التحتية الرقمية لمخاطر متزايدة خلال فترات الصراع، إذ تصبح شبكات الاتصالات ومراكز البيانات أهدافا محتملة للهجمات السيبرانية، وهو ما يرفع مستوى المخاطر على المؤسسات المالية والمنصات الرقمية. ومع تصاعد الحرب السيبرانية بين الدول، يصبح أمن المعلومات أحد أهم التحديات التي تواجه الحكومات والشركات لحماية معلوماتها والحد من أضرار الهجمات السيبرانية في مناطق النزاع والصراعات".
كيف يمكن التعامل مع هذه التحديات؟
وقال الصفدي: "للاستجابة الفعالة مع الموضوع، يجب العمل على تعزيز مرونة البنية التحتية الرقمية، والدول والشركات تحتاج إلى تنويع مراكز البيانات وتبني نماذج الحوسبة السحابية والهجينة لضمان استمرارية الخدمات الرقمية حتى في حالات الطوارئ". وأشار إلى أن الاستثمار في الأمن السيبراني يصبح ضرورة إستراتيجية وليس خيارا تقنيا، وبناء منظومات متقدمة لحماية البيانات والشبكات يقلل من مخاطر الهجمات الرقمية التي غالبا ما تتزايد خلال الأزمات الجيوسياسية، كما أن الشركات الرقمية بحاجة إلى تطوير إستراتيجيات مرنة لإدارة سلاسل التوريد، بما في ذلك تنويع مصادر الشحن والتخزين الإقليمي لتقليل الاعتماد على مسارات تجارية محددة قد تتأثر بالنزاعات.
التأثيرات الإيجابية غير المتوقعة
وعلى الرغم من هذه التحديات، قال الصفدي إن "بعض الآثار الإيجابية للحروب تظهر على التحول الرقمي، إذ إن الأزمات غالبا ما تدفع الحكومات والشركات إلى تسريع تبني التكنولوجيا والخدمات الحكومية الرقمية، والمدفوعات الإلكترونية، والعمل عن بعد تشهد عادة نموا متسارعا في فترات الأزمات".
وقال: "يزداد الطلب على الحلول الرقمية في قطاعات مثل التعليم الإلكتروني والخدمات المالية الرقمية والتجارة عبر الإنترنت، حيث يبحث الأفراد والشركات عن بدائل أكثر مرونة للتعامل مع القيود التي تفرضها الظروف الأمنية أو اللوجستية".
وأكد الصفدي أن الحروب أيضا تسهم في تسريع الابتكار في مجالات مثل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، إذ تصبح هذه التقنيات أدوات أساسية لإدارة المخاطر واتخاذ القرار في بيئات غير مستقرة.
كيف يمكن الاستفادة من هذه الفرص؟
وللاستفادة من هذه التحولات يرى الصفدي أن ذلك يتطلب رؤية إستراتيجية طويلة المدى على الحكومات دعم الشركات الرقمية والابتكار التكنولوجي من خلال سياسات تحفيزية وتمويل موجه للقطاعات الرقمية الواعدة.
وأضاف قائلا: "كما يجب الاستثمار في تطوير المهارات الرقمية لدى الشباب، لأن الاقتصاد الرقمي غالبا ما يصبح أحد أكثر القطاعات قدرة على خلق فرص العمل في أوقات الأزمات."