"عمرة الجديدة" أمام اختبار المناخ.. هل ستكون مدينة خضراء وذكية؟
الغد-فرح عطيات
مدينة تُشيَّد من الصفر، تضع الأردن أمام لحظة مفصلية بين خيارين لا ثالث لهما، إما تأسيس نموذج حضري يعيد تعريف العلاقة مع الماء والطاقة والهواء، أو إعادة إنتاج أزماتٍ راكمتها سنوات من الضغط المناخي وسوء التخطيط.
مدينة "عمرة الجديدة"، ليست مشروع أبراج أو توسعا عمرانيا فحسب، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحويل الندرة إلى كفاءة، والجفاف إلى سياسات إدارة ذكية، وارتفاع الحرارة إلى معايير تصميم تقلّل الكلفة البيئية والاقتصادية معاً.
ورهان المدينة الجديدة، لا يكمن في سرعة الإنجاز، بل بصرامة المؤشرات من نسبة إعادة استخدام المياه، وكثافة استهلاك الطاقة، وجودة الهواء، وحجم التدوير الفعلي، وعدد الرحلات عبر النقل العام. تلك الأرقام وحدها، ستُثبت إن كانت "عمرة" خطوة استباقية نحو التكيّف مع مناخ أكثر قسوة، أم تجربة أخرى تُؤجَّل فيها البيئة إلى ما بعد اكتمال الخرسانة.
وهنالك ضمانات واضحة يطالب بها خبراء في المرونة الحضرية وإدارة المدن، تبدأ بميزانٍ مائي مُعلن يضبط المصادر والاستهلاك وإعادة الاستخدام، وتمرّ بشبكات كهرباء ذكية وكفاءة طاقية للمباني قبل التوسع في الإنتاج، ولا تنتهي عند اقتصاد دائري للنفايات يستهدف الفرز من المصدر وتدوير الغالبية العظمى من المخلفات.
اختصاصية المرونة الحضرية والتغير المناخي ريم هلسة، اشترطت ضمانات لا بد من توافرها حتى تكون مدينة عمرة للتحديات البيئية والمناخية الحالية والمستقبلية، بما فيها ندرة الموارد المائية في ظل ما يعانيه الأردن من جفاف، وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة. مشددة على ضرورة إنشاء مدينة تضمن المعايير العالمية لنصيب الفرد من الرقعة الخضراء، وتطبيق مفهوم الحصاد المائي سواء على مستوى المدينة، أو الأحياء والمباني، والشوارع.
وأكدت لـ"الغد" أن تكون المدينة كذلك خالية من التلوث لمصادر المياه، أو الضوضاء، مع حماية التنوع الحيوي، وأن تتسم بأنها "مرنة" وبيئية "ذكية"، تواكب التكنولوجيا، وتقلل من الانبعاثات الكربونية.
والتصميم الحضري، برأيها، لعمرة عليه مراعاة الكثافة السكانية ليساعد على تقليل الضغط على البنية التحتية، ورفع كفاءة الكهرباء والمياه، وتوسيع شبكات التنقل الحضري الجماعي، لتكون مخدومة كليا، وبدون حاجة للنقل الفردي.
وعلى جانب قطاع المياه، أشارت لأهمية توفير المصادر المائية على نحو دائم، مع إدارتها بفعالية، وأن تتسم شبكات الكهرباء فيه بأنها "ذكية"، مع التوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة والنظيفة. مضيفة أن زراعة النباتات والأشجار الملائمة لمناخ الأردن، والقادرة على تحمل موجات الجفاف، وندرة المياه، أمر ملح لدى تصميم المدينة.
في وقت حذرت فيه من ضرورة، وجود تشريعات تمنع البناء على مجاري المياه الطبيعية، والأماكن المعرضة للكوارث، وأن تكون البنية التحتية مرنة وملائمة للتغيرات المناخية المتوقع حدوثها. ولم تغفل هلسة أهمية المعايير الصحية المرتبطة بالبيئة مثل الصرف الصحي، وكيفية التخلص من المخلفات سواء الصناعية، والطبية، والمنزلية، ونفايات البناء، مع إدارتها بشكل فعال لتشمل لتقليل الاستهلاك، عبر إعادة الاستخدام والتدوير. وشددت على أهمية أن يرافق بناء مدينة عمرة وجود بيئة تشريعية وتنفيذية متكاملة تُسهم في الحد من التلوث والممارسات الخاطئة التي تضر البيئة، وتمنع من تفاقم آثر التغير المناخي.
ولعل التخطيط المتكامل الذي يأخذ بعين الاعتبار المحاور البيئية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتكنولوجيا، الحوكمة الرشيدة، ستعزز من التنسيق مع بين المؤسسات والجهات المختلفة، وتمنع أي عمليات تطوير، أو تنسيق، أو تنفيذ "منعزل".
ومع إطلاق مشروع "مدينة عمرة الجديدة" بوصفه نموذجًا "حضريًا" طويل الأمد، يتقدّم سؤالان على أي حديث عن الأبراج أو الاستثمارات أحدهما كيف تُبنى مدينة تراعي المناخ والبيئة؟ وكيف تُصمَّم كـمدينة ذكية بمعايير قابلة للقياس لا بمجرد شعارات؟، بحسب الخبير في إدارة المدن ومدير مدينة عمان الأسبق م. فوزي مسعد.
ولفت لـ"الغد" إلى أن المعادلة واضحة هنا فكل دينار يُدفع "مبكرًا" في إدارة المياه والطاقة والنفايات والتنقل الذكي، يوفّر "أضعافه" لاحقًا من كلفة "أعطال" البنية التحتية، و"تدهور" جودة الهواء، و"أزمات" الفيضانات والحرارة.
وشدد على أن التخطيط البيئي في مدينة جديدة لا يبدأ بالتشجير فقط؛ بل يبدأ بثلاثة ملفات أساسية الأول يتعلق بالمياه، ومن الندرة إلى "الإدارة الذكية"، فالأردن من أكثر الدول شحًا بالمياه.
وبناء على ذلك، وبحد قوله، المدينة الجديدة تحتاج "ميزانًا مائيًا" واضحًا من مصادر، وفاقد، وإعادة استخدام، ومعايير استهلاك للفرد، وفي سياق مدينة عمرة، طُرح رسميًا الاعتماد على معالجة المياه العادمة، وإعادة استخدامها كجزء من نموذج "مدينة خضراء واعية بالمناخ".
ولكنه نوه في هذه النقطة تحديداً الى أن القاعدة الذهبية تقول إن كل متر مكعب يُعاد استخدامه يقلّل الضغط على المصادر التقليدية، ويعزّز الاستقرار المناخي.
ووضع مسعد الطاقة والانبعاثات ضمن الملف الثاني للمدينة والذي يركز على الكفاءة قبل التوسع، فالتوجه المُعلن يشير إلى الطاقة النظيفة ضمن تصميم المدينة.
لكن الأهم عمليًا، في رأيه، الكفاءة الطاقية للمباني من حيث العزل والتظليل، والتوجيه لتقليل أحمال عمليات التكييف، وتوفير الطاقة المتجددة تدريجياً على مستوى الأحياء والمرافق، وتركيب إنارة ذكية وشبكات قياس لتقليل الهدر.
ويشتمل الملف الثاني الذي حدده مسعد بالنفايات من "جمع" إلى "اقتصاد دائري"، فمن اللافت أن أحد التصريحات ذكر تصميم إدارة نفايات متقدمة تستهدف تدوير نحو 90 % من المخلفات.
وهذا "هدف كبير"، كما ذكر، لكنه "ممكن" إذا بدأ من التصميم أي من الفرز من المصدر، ومن ثم عقود تشغيل مبنية على الأداء، ومحطات معالجة واسترداد مواد مرتبطة بسلاسل قيمة صناعية.
وأكد أن الكثير من المدن تُسمّي نفسها "ذكية" لأنها وضعت حساسات أو تطبيق نظام شكاوى، لكن المعنى المهني الحقيقي للمدينة الذكية يكمن في تحسين الخدمات، وجودة الحياة عبر بيانات وتقنيات رقمية، بقياس واضح للمخرجات.
وتابع قائلاً: "هنا تظهر قيمة المعايير الدولية لقياس النجاح في التطبيق مؤشرات المدن الذكية والمرنة، وتلك الخاصة بلجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا (UNECE) لقياس مؤشرات أداء تساعد المدن على تقييم دور التقنيات الرقمية في تحقيق مبادئ الاستدامة.
وعليه فإن المدينة الذكية تُدار بمؤشرات، ومقاييس واضحة لا بانطباعات، في وقت فإن المشكلات التي تحدث في المدن من ازدحامات مرورية، وتلوث بيئي وفيضانات مفاجئة، وضغوط على الخدمات تتكرر عندما تُترك "البيئة"، و"الذكاء" إلى ما بعد البناء، تبعا له.
وقدم مسعد حلولاً لذلك من بينها ربط التصميم بالتشغيل من البداية من خلال خرائط مخاطر مناخية إلزامية (سيول/حرارة/غبار) قبل البناءة وترخيص أي حي، مع إدارة مياه الأمطار داخل الأحياء باستخدام تطبيق أسطح نفّاذة، وأحواض احتجاز، وحدائق مطرية بدل تحميل الشبكات فوق طاقتها. ومن بين الحلول كذلك إدخال التنقل الذكي لكونه يقلل الاعتماد على السيارة وربط النقل العام، ومسارات المشاة، وأحياء قريبة بالخدمات، وقد وردت إشارة لربط المدينة بمنظومة النقل العام السريع بعد 2029.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل لا بد من وضع لوحة مؤشرات شهرية معلنة لقياس المياه، والطاقة، والنفايات، وجودة الهواء، وزمن الاستجابة للخدمات الرقمية.
وأشار الى أن قياس "ذكاء"، و"استدامة" مدينة عمرة بشكل مفهوم للمواطن، يجب طرح مؤشرات بسيطة مرتبطة بإطارات قياس دولية. ولخص هذه المؤشرات بنسبة إعادة استخدام المياه المعالجة، واستهلاك الفرد، وكثافة استهلاك الطاقة للمباني العامة، ونسبة الطاقة النظيفة، وكميات الفرز من المصدر وحجم التدوير الفعلية.
ومن بينها كذلك متوسط الجسيمات PM2.5 في النقاط الحرجة، ونسبة الظل والتشجير الفعّال في الشوارع، وعدد الرحلات بالنقل العام والمشي، وزمن الوصول من عمّان والزرقاء، وشرعة إنجاز الخدمات، ونسبة المعاملات الرقمية مقابل الورقية، بحسب مسعد.
وفي رأي الخبير بالشأن البلدي د. أسامة العزام فإن بناء مدينة من "الصفر" يمنحنا "فرصة ذهبية" لتجنب "العفوية" التي شكلت ضغطاً كبيراً على مواردنا في الماضي.
ولضمان أن تكون "عمرة" مدينة صديقة للبيئة والمناخ، حدد العزام ثلاثة محاور رئيسة لهذه الغاية من بينها وجود "مخطط شمولي" ثابت ومحكم يسبق عمليات البناء، بحيث تلتزم كافة مراحل التنفيذ بمعايير بيئية "صارمة" تحت إشراف مؤسسي مستقل يراقب أداء المطورين والشركات.
كما أن ملكية الدولة بالكامل لأراضي المشروع تمنح الحكومة "سلطة" فرض هذه المعايير دون عوائق الملكيات الخاصة، مما يضمن بقاء المساحات الخضراء والخدمات العامة كما خُطط لها، بحسبه.
وأما المحور الثاني، وفقه، يؤكد أن المعايير البيئية والمناخية الواجب توفرها يجب أن تعتمد المدينة نموذج "الدورة الكاملة" للموارد؛ أي إعادة تدوير مياه الصرف الصحي بنسبة 100 % لاستخدامها في ري المساحات الخضراء، والاعتماد الواسع على الطاقة النظيفة مثل الشمس والرياح لتقليل الانبعاثات الكربونية.
وأضاف الى ذلك توفير نظام نقل عام متطور مثل الباص سريع التردد منذ المرحلة الأولى والذي يعد معياراً مناخياً "جوهرياً" لتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، وتخفيف تلوث الهواء.
ويرتكز المحور الثالث، بحد قوله، على ضمان عدم تكرار مشكلات المدن الحالية عبر "احترام" الطبيعة الجغرافية للمكان؛ فبدلاً من إغلاق مسارات المياه الطبيعية بالإسمنت، يجب تصميم المدينة بحيث تنساب مياه الأمطار عبر مجاري المياه الطبيعية لتغذية المياه الجوفية، أو تجميعها في خزانات لإعادة الاستخدام.
ولفت لـ"الغد" الى أن اختيار الموقع في منطقة البادية "يحمي" الأراضي الزراعية في مناطق أخرى من الزحف العمراني، مما "يحافظ" على التوازن البيئي والأمن الغذائي للمملكة. ولكن العزام أشار الى أن ثمة فرصاً للتحسين المستقبلي من خلال الانتقال من مستوى التخطيط الجيد إلى "التميز العالمي". ولتلك الغاية اقترح التركيز على ثلاث فرص للتحسين الأولى تكمن في ضرورة تحويل "دليل المباني الخضراء" من كود "اختياري" إلى "إلزامي" في كافة أبنية المدينة لضمان كفاءة العزل الحراري وتوفير الطاقة.
في حين أن "عدم" الاكتفاء بجمع النفايات، بل تحويلها إلى طاقة كهربائية عبر محطات متخصصة لتقليل الأثر البيئي للمكبات، يشكل الفرصة الثانية بحسبه.
على أن الفرصة الثالثة التي أشار إليها العزام تدعو الى توفير خيارات سكنية متنوعة تناسب الطبقة الوسطى والشباب، مما يخلق مجتمعاً متكاملاً ومستداماً بشرياً واقتصادياً، ويضمن حيوية المدينة ويمنع تحولها إلى "مدينة نخبوية".