الغد
تقتضي إستراتيجيات توطين الإبلاغ الناجح عن الفساد إدراج ملفه في السيادة الرقمية للدولة، ضمن منصة وطنية فائقة التشفير، أردنية السيبرانية، تؤمن حماية للمبلغ، وتصد المنصات الخارجية.
الانطلاقة تكون بالاعتراف بشرعية البلاغات مجهولة الاسم المدعومة بوثائق دامغة، واعتماد مبدأ «عدم المعرفة بالاسم وتوابعه» حتى للجهة المستقبلة، وفي ذلك نقلة نوعية. مع إبقاء الباب مفتوحاً للمُبلّغ الصادق عن الفساد بعدم إرهاقه بملف قضائي مكتمل، بل دلائل جدية قابلة للبناء، ويكون التعامل مع البلاغات فورياً وفعالاً، ويحاط المُبلّغ علماً بالتقدم المحرز دون المساس بسرية التحقيق أو الهويات.
كل ذلك سيؤدي بأن يبتعد المبلّغ عن الفضاء الرقمي كوسيلة ابلاغ ويدفعه نحو القنوات الرسمية الموثوقة، خاصة أن جلبت له حوافز مادية تتجاوز مفهوم الإعانات وبدل الضرر، وهو ما يرسّخ الثقة المؤسسية ويُضاعف حجم الأموال المستردة، مع ضرورة ردع أي تشدد مفرط يخنق الأصوات الصادقة، ودون الانزلاق بالمنصة لتكون ساحة لتصفية الحسابات الشخصية.
وبمؤازرة تقنيات الذكاء الاصطناعي لا يقاس النجاح بعدد البلاغات بل بزمن الاستجابة وسرعة التحقق، ونسبة البلاغات الصادقة مقارنة بالكيدية، وقيمة الأموال المستردة أو الموفرة، وعدد محاولات كشف الهوية التي تم منعها تقنياً وقانونياً، ومعدل نمو المُبلّغين عقب تفعيل نظام الإبلاغ المجهول.
جمالُ البلاغات النزيهة يكمن في توقيتها الحاسم؛ إذ تقدم فور اكتشاف الواقعة أو أثنائها لمنع نزيف المال العام، بمعطياتٍ متسقة منطقياً ومتسلسلة زمنيًا بلا تناقضات، تُرسَل عبر قنوات آمنة للجهات المختصة. لكن التحدي الأكبر في هذا الملف يظل دوماً في كشف الحقيقة ولفظ الكيدية؛ فمهما بلغت الفبركة، شمسُ النزاهة لا تُحجَب بغربال الادعاءات الباطلة.
في البلاغ النزية الاعتماد على وثائق قطعية؛ كالعقود، والتحويلات المالية، والإيميلات الرسمية، مقترنةً ببيانات دقيقة للملفات، والأسماء، والتواريخ، وأرقام المعاملات. في المقابل، ينحرف البلاغ الكيدي نحو المبالغة في العموميات والتكرار الاستهدافي لشخص بعينه.
وفي حين يُقدَّم البلاغ النزيه فور اكتشاف الواقعة أو أثناء حدوثها لمنع هدر المال العام، نجد الكيدي يتزامن غالباً مع اقتراب ترقية مرتقبة، أو تسرب يشي بمنافسة على منصب او عقوبة اتخذت بحق المبلغ.
يتجلى الفارق الجوهري في الهدف والمقصد؛ إذ يصبّ البلاغ النزيه كل تركيزه على استرداد المال العام ووقف التعدي عليه، في حين يوجه الكيدي بوصلته نحو تدمير السمعة الوظيفية وجلب العقوبة للطرف الآخر.
أما اذا حانت لحظة الانتقام من المبلغ، فالتجارب الدولية تعدّ الزمن درعاً، فكل إجراء سلبي بحقه خلال سنتين من تقديم البلاغ يعد إجراءً انتقامياً مرفوضاً، ما لم تثبت جهته الحكومية العكس، وتكتمل منظومة النزاهه بعقوبات مشددة بحق المبلغين الكاذبين، وفي ذلك جدار متين آخر يقصي الكيديين.
والخلاصة، نحتاج منظومة قانونية رقمية تمنع كشف الهوية اعتماداً على منصة وطنية سيادية لا خارجية، عالية التشفير ومحصنة سيبرانياً مدمجة بذكاء اصطناعي لفرز البلاغات وتحليلها دون المساس بالسرية، وعقوبات رادعة بحق الكيديين، مع ضوابط حازمة تحمي وتصون مسار المبلغين المهني، وتوفر لهم حوافز مادية تتناسب مع حجم الأموال المستردة.