الدستور
ظاهرة متكررة تثير الجدل كل عام
مع حلول فصل الشتاء وانخفاض درجات الحرارة بشكل ملحوظ، خاصة خلال المنخفضات الجوية المتتالية التي شهدتها المملكة في ديسمبر 2025 ويناير 2026، يتفاجأ آلاف الأردنيين بارتفاع واضح في قيم فواتير الكهرباء الشهرية. هذه الظاهرة ليست جديدة، بل تتكرر سنوياً تقريباً، وغالباً ما تثير موجة من الشكاوى والتساؤلات على وسائل التواصل الاجتماعي وعبر الاتصالات المباشرة بشركات التوزيع. فما هي الأسباب الحقيقية وراء هذا الارتفاع؟ وهل يعود الأمر إلى أو رفع للأسعار، أم أن هناك تفسيراً فنياً واقتصادياً واضحاً؟
السبب الرئيسي: الاستهلاك المتزايد بفعل البرودة
لقد سبق لي الحديث واكدت مراراً أن الارتفاع في قيمة الفواتير خلال أشهر الشتاء يعود بشكل أساسي إلى زيادة الاستهلاك وليس إلى أي تعديل في أسعار التعرفة الكهربائية. ففي الشتاء، يلجأ المواطنون إلى استخدام أجهزة التدفئة والتسخين بشكل مكثف، مما يرفع متوسط الاستهلاك الشهري بشكل كبير.
من أبرز العوامل:
* سخان المياه الكهربائي (القيزر ): يُعد هذا الجهاز «السبب الأول والأكثر شيوعاً» في الصيف، يكفي تشغيله لدقائق أو ساعة يومياً، أما في الشتاء فيبقى متصلاً لساعات طويلة – أحياناً طوال اليوم – لضمان توفر مياه ساخنة للاستحمام والتنظيف. استهلاك السخان قد يصل إلى 2-4 كيلوواط في الساعة، مما يعني أنه يمكن أن يمثل 40-60 ٪ من إجمالي الاستهلاك الشهري في بعض المنازل.
* أجهزة التدفئة الكهربائية: المدافئ المقاومة (الدفايات المكشوفة)، مكيفات الهواء في وضع التدفئة، المدافئ الزيتية، أو حتى المكانس الكهربائية والأجهزة الإضافية. كل جهاز يستهلك 1000-2000 واط أو أكثر، وعند تشغيله لساعات يومية يتراكم الاستهلاك بسرعة.
* زيادة ساعات الإضاءة: مع قصر النهار وغروب الشمس مبكراً (أحياناً قبل الخامسة مساءً)، تزداد ساعات استخدام الإنارة والأجهزة الإلكترونية.
* سوء العزل الحراري: معظم المنازل الأردنية – خاصة القديمة – تعاني من تهريب حراري كبير عبر النوافذ والأبواب والجدران، مما يجبر الأجهزة على العمل لفترات أطول للحفاظ على درجة حرارة مريحة.
نظام الشرائح التصاعدية: المضاعف الذي يزيد الألم
تعتمد التعرفة الكهربائية في الأردن نظام شرائح تصاعدية، حيث يرتفع سعر الكيلوواط ساعة كلما زاد الاستهلاك الشهري. في الشتاء، ينتقل الكثير من الأسر من الشرائح الرخيصة (المدعومة بقوة) إلى الشرائح الأعلى سعراً، مما يجعل الزيادة في الفاتورة تبدو «مضاعفة» مقارنة بنسبة الزيادة الفعلية في الكيلوواط المستهلك.
على سبيل المثال:
* إذا كان الاستهلاك الصيفي 300 ك.و.س (شريحة اقتصادية )، فقد يصل في الشتاء إلى 600-800 ك.و.س، فينتقل جزء كبير منه إلى شريحة أغلى بكثير.
* حتى مع استمرار الدعم الحكومي (الخصم الثابت 2-2.5 دينار للشرائح المنخفضة)، فإن الاستهلاك الإضافي يُحسب بالسعر الكامل.
هل هناك تغييرات في الأسعار أو التعرفة في شتاء 2025-2026؟
حسب آخر التصريحات الرسمية من هيئة الطاقة (ديسمبر 2025 ويناير 2026)، لم يطرأ أي رفع على أسعار التعرفة الأساسية أو شرائحها منذ سنوات (آخر تعديل كبير كان قبل 2015 مع تعديلات دعم لاحقة). بل تم الإبقاء على فرق أسعار الوقود عند صفر في فاتورة يناير 2026، مما يعني عدم إضافة أي أعباء إضافية من هذا البند. كما أن التعرفة المرتبطة بالزمن (Time-of-Use) لا تزال مقتصرة على قطاعات تجارية وصناعية معينة، ولا تشمل المنازل حتى الآن.
تصريحات رسمية متكررة
* شركة الكهرباء الأردنية (يناير 2025-2026): «الزيادة ناتجة عن ارتفاع الاستهلاك في التدفئة وتسخين المياه والإنارة، وليس توزيعاً للفاقد أو رفع أسعار».
* «المنخفضات الجوية المتتالية وانخفاض درجات الحرارة أديا إلى زيادة استخدام أجهزة التدفئة لفترات أطول، مما رفع الاستهلاك ودفع الكثيرين إلى شرائح أعلى».
* هيئة الطاقة: تؤكد دائماً أن «قيمة الفاتورة تتحدد بكمية الاستهلاك وليس بتغيير في الأسعار».
كيف يمكن الحد من الارتفاع؟
* شغّل السخان لمدة محدودة (30-60 دقيقة صباحاً ومساءً فقط).
* استخدم مدافئ زيتية أو إنفراريد موفرة بدلاً من المقاومة المكشوفة.
* عزّل النوافذ والأبواب بمواد بسيطة (شرائط عازلة، ستائر ثقيلة).
* راقب الاستهلاك عبر تطبيق الشركة أو الحاسبة الرسمية على موقع الهيئة.
* إذا كانت الزيادة غير مبررة، اطلب فحص العداد أو التحقق من القراءة.
في النهاية، يبقى ارتفاع فاتورة الكهرباء في الشتاء نتيجة طبيعية لتغير السلوك الاستهلاكي تحت تأثير الطقس، وليس قراراً تعسفياً. مع ذلك، يظل السؤال المطروح: متى سيتم تطوير ثقافة ترشيد الطاقة وتحسين العزل الحراري في المنازل لتخفيف هذا العبء السنوي على جيوب المواطنين؟