العربي الجديد - كريم رمضان
تلقي التفاهمات المقترحة بين إيران وسلطنة عمان لإدارة الملاحة في مضيق هرمز الضوء على مرحلة ضبابية تشوب ترتيبات الممر المائي الأكثر أهمية لتجارة النفط عالمياً، فبينما أعلن المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني حسين محبي، الأربعاء، التوصل إلى اتفاق حول حصة كل دولة من مياه المضيق وإيراداته، أكد مسؤول إيراني رفيع المستوى لوكالة "رويترز"، في نهاية اليوم نفسه، أن التفاصيل النهائية لا تزال قيد التفاوض ولم تحسم بعد.
ويقوم تصور الاتفاق، الذي تبلور خلال الأسابيع الماضية، على تقسيم حركة السفن بحسب اتجاهها، ووفق مصدر إيراني شارك في المفاوضات، فإن طهران تريد أن تكون لها السيطرة على دخول السفن إلى الخليج، بينما تسلك السفن الخارجة مساراً يقع بين السواحل الإيرانية والعُمانية، على أن يُصدَر تصريح الخروج من الجانب العُماني بعد إبلاغ إيران، ما يمثل تراجعاً عن مطلب إيراني سابق كان يتجه نحو السيطرة الكاملة على حركة السفن في الاتجاهين، حسب ما أورد تقرير نشرته "رويترز" في 4 أغسطس/آب الجاري.
ويهدف الإطار المرحلي للتفاوض الجاري حالياً إلى إنشاء ممر ملاحي مؤقت وتنفيذ مشروع مشترك لتطهير مياه هرمز من الألغام، غير أن مسألة السيادة وتحديد المسار الدائم تظل نقطة الخلاف الأساسية في ظل رغبة طهران في فرض خدمات ونفوذ ملاحي، بحسب تقرير نشرته منصة جي كابتن المتخصصة في الشؤون البحرية والنقل البحري. وتتجسد عقدة الإدارة المالية والتنسيق الميداني في كيفية تحصيل الرسوم في هرمز وما إذا كانت طوعية أم إلزامية، حيث تسعى إيران لفرض رسوم مقابل الخدمات الملاحية والبحرية، في حين تميل مسقط نحو نموذج مستوحى من مضيق ملقا يرتكز على تقديم رسوم طوعية لآلية إقليمية لتجنب خضوع المضيق لسلطة أحادية.
وبينما ترفض الولايات المتحدة هذه الترتيبات متعهدة بعدم قبول أي نظام يفرض تصاريح عبور أو رسوماً ملاحية قد تخرق قواعد الملاحة الدولية والعقوبات، تشترط طهران لإعادة الفتح الكامل إلغاء العقوبات الأميركية وإنهاء الحصار البحري وإلغاء تجميد أصولها، ما يجعل عدم التوافق مع واشنطن متطلباً حرجاً يتعارض مع شروط شركات التأمين، حسب ما أورد تقرير نشرته منصة ذا ماريتيم إكزيكتيف المتخصصة في الشؤون البحرية واللوجستية.
وصرح وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي بأنه يأمل الإعلان قريباً عن ممر مؤقت لترتيب الملاحة الآمنة، غير أن مراقبين للقطاع البحري يرون أن مقترح الإدارة المشتركة لمضيق هرمز بين عُمان وإيران من شأنه أن يزيد المشهد تعقيداً ولا يقدم حلاً سريعاً لإعادة الفتح الكامل للمضيق، خاصة مع استمرار المخاطر الأمنية واشتراط طهران تلبية مطالبها السياسية كافة.
كما لا توجد حتى الآن آلية نهائية معلنة تحدد الجهة التي ستصدر الفاتورة أو الحساب الذي ستُحول إليه أموال الرسوم أو كيفية توزيعها بين طهران ومسقط، وذلك رغم إنشاء إيران بالفعل "هيئة مضيق الخليج الفارسي" لتنظيم حركة العبور وطلبها من السفن التواصل معها للحصول على تصاريح المرور، وتهديدها مؤخراً سفناً مدرجة على قائمتها بالغرامات والاحتجاز ومصادرة الشحنات.
سفينة في مضيق هرمز قبالة بندر عباس، 27 أغسطس 2026 (ماجد أصغريبور/ رويترز)
طاقة
تدفقات النفط عبر هرمز ترتفع إلى 8 ملايين برميل يومياً
يشير الخبير الاقتصادي العُماني خلفان الطوقي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن المبادئ العُمانية في إدارة مضيق هرمز تعتمد الدفع الطوعي مقابل خدمات محددة مثل الإنقاذ والمراقبة الأمنية والسلامة البحرية والخدمات البيئية، وهو ما حظي بتوافق إقليمي أوسع من الإطار الخليجي. ويوضح الطوقي أن المباحثات الحالية بين إيران وعُمان تتركز على إنشاء ممر مؤقت وآمن يتفق عليه الطرفان بوصفهما دولتين متشاطئتين، مع الاتفاق على مزيد من التباحث حول الإدارة الفنية للمضيق في مرحلة ما بعد الحرب بما يحافظ على سيادة كل منهما بحكم الموقع الجغرافي المشترك، مشيراً إلى أن الحكومة العُمانية تسعى من خلال هذا النهج إلى التعامل مع المضيق
باعتباره أصلاً اقتصاديّاً يضمن سلامة سلاسل الإمداد وحماية الناقلات والبحارة، وليس ورقة ضغط سياسية. أما إيران، فتتعامل مع المضيق باعتباره ورقة ضغط، بحسب الطوقي الذي يؤكد أن هذا النهج غير مقبول لدى سلطنة عمان التي دلت على رفضها بإنشاء "الممر الجنوبي العُماني" الخاص الذي يمر عبر المياه الإقليمية العُمانية لضمان انتقال السفن بسلامة ويسر، واضطرت مسقط بسبب تعرض بعض الناقلات في هذا الممر للقصف إلى استدعاء السفير الإيراني وتقديم مذكرة احتجاج رسمية، ما يؤكد تمسكها بجعل الممر آمناً بعيداً عن التصعيد.
فعُمان اتخذت منذ بداية الأزمة موقفاً بعدم اتخاذ أي سلوك يساهم في تأجيجها، مستخدمة علاقاتها وقوتها الناعمة للمساهمة في أمن منطقة الشرق الأوسط ومضيق هرمز، وهو ما يراه الطوقي متسقاً مع دور السلطنة التاريخي وسيطاً رئيسيّاً في ملف البرنامج النووي الإيراني منذ عام 2013 وحتى الوساطات المستمرة في عامي 2025 و2026 لإقناع الأطراف بالعودة إلى طاولة المفاوضات وعدم تصعيد التوتر.
وإزاء ذلك، يرجح الطوقي ألا توافق سلطنة عمان على أي صيغة اتفاق مع إيران من شأنها أن تكون ضد مصالح دول الخليج أو حرية سلاسل الإمداد، وأن تحافظ على العلاقات مع جيرانها ضمن توازن دقيق يخدم الاستقرار الإقليمي، عبر التركيز في المفاوضات الحالية على آليات إدارة المضيق بعد الأزمة، والتي قد تتضمن فرض رسوم طوعية على شركات الشحن في صندوق يمول خدمات الملاحة المقدمة، ومنها حماية التأمين وحماية البيئة، شبيهة بتلك المطبقة في مضيقي ملقا والبوسفور، وهو ما يمكن أن توافق عليه عُمان. وفي حال تحقيق ذلك، ستكون أمام سفن الشحن إمكانية العبور عبر بدائل أخرى مثل باب المندب أو رأس الرجاء الصالح، لكنه خيار مكلف جداً مقارنة بالممر الآمن والموفر للوقت والجهد عبر هرمز، بحسب الطوقي.
غير أن قيمة الرسوم، حال إقرارها، لا تزال محل خلاف، فبينما يقوم التصور الإيراني على رسوم قد تصل إلى 5%–7% من قيمة الشحنة، يقدم الطرح العُماني تصوراً أقرب إلى 3%، في حين ترفض الولايات المتحدة مبدأ فرض أي رسوم، حسب ما أورد تقرير "رويترز" المنشور في 6 أغسطس الجاري. وفي السياق، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي زيان زوانه، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن فتح مضيق هرمز، كلياً أو جزئياً، عبر ممرات إيرانية وعُمانية، يمثل مصلحة عالمية مشتركة على التوازي مع مصلحة حيوية لإيران وسلطنة عمان على حد سواء، ويرتبط ذلك بقدرة الأسواق والحكومات والمستهلكين على التكيف والتأقلم مع نتائج بقاء المضيق مغلقاً، ما يؤدي تدريجياً إلى تآكل ورقة الضغط التي تحملها إيران.
فأسعار النفط لم تشهد قفزات كبيرة حتى الآن بسبب تنوع مصادر الطاقة العالمية شاملة النفط والغاز والطاقة المتجددة والفحم والطاقة النووية، بالإضافة إلى وجود احتياطيات استراتيجية لدى الدول الصناعية الغربية والصين، وتنويع قنوات تصدير النفط الذي عملت عليه دول مثل السعودية والإمارات وتعمل عليه الكويت والعراق، لذلك فإن الإسراع بالتوصل إلى اتفاق لفتح المضيق يصب في مصلحة الطرفين الإيراني والعُماني، حسب تقدير زوانه.
أما بالنسبة لتفاصيل الاتفاق، فإن جوانبه تبقى ركيزة أساسية وتحددها قضايا حساسة، بحسب زوانه، على رأسها فرض رسوم عبور، بغض النظر عن تسميتها، وتحديد نسبتها وكيفية توزيع العوائد بين الإيرانيين والعُمانيين والعملة المستخدمة، وما إذا كان سيخصص جزء منها لتحسين خدمات العبور، بالإضافة إلى تحديد المرجعية المسؤولة عن السماح بالعبور والخروج ومسألة مرور السفن العسكرية والجهة المخولة بالسماح بذلك، معتبراً أن مواقف الأطراف الأخرى، خاصة الولايات المتحدة ودول الخليج وشركات الشحن والتأمين، تبقى هي معيار التحديد.
وسيظل هذا المعيار موضع بحث وتدقيق، بحسب زوانه، وذلك إلى حين هدوء الأزمة ودخولها مرحلة العلاج المرحلي، سواء كان بطيئاً أو سريعاً، ما يجعل من التوافق على التفاصيل الفنية والسياسية شرطاً مسبقاً لاستعادة الاستقرار الملاحي والاقتصادي في المنطقة.