الغد-د. حمزه العكاليك
يسعى الأردن بقيادة ولي العهد للوصول إلى حكومة ذكية وبالنظر إلى تجربة التحول الرقمي، فإن تجربة المواطن مع الخدمات الحكومية تعتبر المرآة الصادقة لنجاح أو إخفاق جهود رقمنة الخدمات الحكومية. فالمواطن لا يقيس نضج الحكومة الرقمية بعدد المنصات التي أطلقتها أو الأنظمة التي استثمرت فيها، بل بما إذا كان قادرًا على إنجاز معاملته بسهولة، دون تكرار، وبثقة في أن بياناته تستخدم بمسؤولية. من هذا المنطلق، يتحول النقاش من ما الذي نملكه من تقنيات؟ إلى ما الذي يشعر به المواطن عند استخدام الخدمة؟ وهنا تكمن نقطة التحول الحقيقية.
تجربة الأردن في الحكومة الإلكترونية ثم الحكومة الرقمية، تكشف بوضوح أن التحدي لم يكن يومًا تقنيًا بحتًا. فعلى مدى أكثر من عقدين، أطلقت الحكومة منصات متعددة، من بوابات الخدمات إلى التطبيقات الذكية، وربطت العديد من الجهات بأنظمة مركزية. ومع ذلك، ما يزال المواطن يواجه أحيانًا نماذج طويلة، ومتطلبات غير واضحة، وحاجة لإعادة إدخال البيانات ذاتها في أكثر من خدمة. هذه الفجوة بين الاستثمار التقني والتجربة الفعلية تبرز حقيقة أساسية: التكنولوجيا تكشف مشاكل التصميم المؤسسي ولا تخفيها.
ما يهم المواطن الأردني، كما تظهره التجربة العملية، هو البساطة قبل أي شيء آخر. البساطة هنا لا تعني السطحية، بل وضوح الخطوات، وقلة المتطلبات، واختصار الزمن. حين يضطر المواطن إلى مراجعة أكثر من جهة أو تحميل وثائق سبق أن قدمها للدولة، فإن المشكلة ليست في المنصة، بل في غياب التكامل الحقيقي على مستوى السياسات والقرارات. مبادرات مثل الرقم الوطني والربط بين الدوائر الحكومية كانت خطوات مهمة، لكنها لم تُترجم دائمًا إلى تجربة مرة واحدة فقط التي يتوقعها المواطن اليوم.
العنصر الثاني الحاسم هو الثقة. الثقة في السياق الرقمي لا تُبنى بالتصريحات، بل بالممارسات. المواطن يريد أن يعرف لماذا تُطلب بياناته، وكيف ستُستخدم، ومن يملك حق الوصول إليها. في الأردن، ومع التوسع في استخدام الخدمات الرقمية، برزت تساؤلات مشروعة حول حماية الخصوصية وأمن المعلومات. صدور تشريعات وتنظيمات متعلقة بحماية البيانات خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى تفعيل صارم، وتواصل واضح بلغة يفهمها غير المتخصصين. الثقة تُبنى عندما يشعر المواطن أن الدولة "حارس أمين" لبياناته، لا مجرد جامع لها.
أما الاتساق، فهو التحدي الثالث. كثير من المواطنين يلاحظون تفاوتًا في جودة التجربة بين وزارة وأخرى، أو حتى بين خدمة وأخرى داخل الجهة نفسها. هذا التفاوت يخلق ارتباكًا ويقوض الثقة في المنظومة ككل. الاتساق لا يعني توحيد الواجهات فقط، بل توحيد منطق الخدمة، ومعايير الزمن، وآليات المتابعة. فعندما يقدم المواطن طلبًا، يتوقع إشعارًا واضحًا، ورقم متابعة، وزمنًا تقريبيًا للإنجاز، بغض النظر عن الجهة المقدمة للخدمة.
من منظور حوكمة التحول الرقمي، تظهر التجربة الأردنية أن معظم ما يُسمى مشاريع تقنية معلومات هو في الحقيقة قرارات خدمية وتشغيلية وسياسات عامة تُنفذ عبر التكنولوجيا. إذا كانت القواعد غير واضحة، أو الصلاحيات متداخلة، أو الملكية المؤسسية للخدمة غير محددة، فلن تنجح أي منصة في تعويض ذلك. التقنية هنا تعمل ككاشف، تُظهر التعقيد بدلا من إزالته، إذا لم يُعالج من جذوره.
الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات يفتحان فرصًا حقيقية لتحسين تجربة المواطن، لكن بشرط استخدامهما ضمن إطار أخلاقي وحوكمي واضح. في الأردن، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في التنبؤ بنقاط الضغط على الخدمات، أو تبسيط التحقق من الاستحقاق، أو تقديم دعم ذكي للمواطنين. غير أن إدخال هذه التقنيات دون إعادة تصميم الخدمة نفسها قد يزيد التعقيد بدل أن يقلله. القيمة الحقيقية تكمن في استخدام البيانات لفهم رحلة المواطن كاملة، لا في أتمتة خطوة معزولة.
الأمثلة العملية في الأردن تُظهر أن النجاحات الأكثر استدامة جاءت عندما تم التركيز على الخدمة لا على الأداة. الخدمات التي أعيد تصميمها انطلاقًا من احتياجات المواطن، مع إشراك المستخدمين فعليًا في الاختبار والتحسين، حققت قبولًا أعلى واستخدامًا أوسع. في المقابل، بعض المنصات التي أُطلقت بسرعة، دون معالجة التعقيد التنظيمي، بقيت شكلية أو محدودة الأثر.
ما المتوقع من الحكومة اليوم؟ المواطن لا يطلب المعجزات. توقعاته عملية وواضحة: معلومات تنتقل بين الجهات دون أن يكون هو ناقلها، نماذج مُعبأة مسبقًا، لغة بسيطة، معايير خدمة معلنة، وقنوات دعم فعالة. يتوقع أيضًا أن تعترف الحكومة بالأخطاء، وأن تحسن باستمرار بناءً على التغذية الراجعة. هذه التوقعات ليست ترفًا، بل مؤشرات على إدارة رشيدة وثقة متبادلة.
الخلاصة، أن التحول الرقمي في الأردن لن يُقاس بعدد الأنظمة أو حجم الإنفاق، بل بمدى شعور المواطن بأن الدولة تفهمه وتحترم وقته وبياناته. عندما تصمم الخدمات حول مسار حياة الناس الحقيقي، وتُدار التكنولوجيا كأداة داعمة لا كغاية، يصبح التحول الرقمي أبسط وأكثر إنسانية. النجاح الحقيقي ليس إطلاق نظام جديد، بل أن يتمكن المواطن من إنجاز ما يحتاجه بثقة
ووضوح. عندها فقط، يمكن القول إن التحول الرقمي أدى دوره، وترك أثرًا يستحق.