أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    21-May-2026

التجارة والممرات المضطربة.. هل تتحول المملكة لبوابة لوجستية للمنطقة؟

 الغد-محمود خضر الشبول

 في وقت تعيد فيه التوترات الجيوسياسية رسم خرائط التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، تبرز أمام الأردن فرصة اقتصادية تتجاوز دوره التقليدي كممر عبور، مع تصاعد البحث الإقليمي والدولي عن مسارات أكثر أمناً واستقراراً بعيداً عن اضطرابات البحر الأحمر ومضيق هرمز، وما رافقها من ارتفاع كلف الشحن والتأمين وإعادة توجيه حركة السفن العالمية.
 
 
التحولات المتسارعة في طرق التجارة دفعت شركات شحن ودولاً في المنطقة إلى إعادة النظر في مسارات البضائع العابرة بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وأوروبا، وسط تزايد الاعتماد على الممر الأردني كخيار أكثر استقراراً مقارنة ببعض المسارات البحرية والبرية المضطربة، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن “فرصة تاريخية” لتحويل المملكة إلى مركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية.
وتعكس مؤشرات حركة الموانئ والمعابر الحدودية خلال الثلث الأول من العام الحالي تصاعد النشاط اللوجستي والتجاري عبر الأردن بالتزامن مع التحولات التي تشهدها مسارات النقل الإقليمية.
فقد ارتفع إجمالي عدد الحاويات المناولة في موانئ العقبة إلى 316010 وحدات مكافئة مقارنة مع 259543 وحدة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة بلغت نحو 22 %، كما ارتفع عدد الحاويات الواردة إلى 159852 حاوية مقابل 149161 حاوية خلال الفترة المقابلة، في مؤشر يعكس تنامي الاعتماد على العقبة والممر الأردني كخيار أكثر استقراراً لحركة التجارة والنقل في المنطقة.
وفيما يتعلق بحركة الترانزيت عبر المعابر الحدودية، أظهرت بيانات نقابة أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع ارتفاعاً ملحوظاً في حركة الشحن والعبور خلال الثلث الأول من العام الحالي، إذ سجل مركز حدود العمري 157729 حركة مقارنة مع 139299 خلال الفترة نفسها من العام الماضي، فيما ارتفعت الحركة عبر مركز حدود الكرامة إلى 72411 مقابل 58059، بينما سجل مركز حدود جابر 139016 حركة مقارنة مع 85751 خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، بزيادة بلغت نحو 30 %.
وتعكس هذه الأرقام تنامياً في حركة التجارة البينية والترانزيت عبر الممر الأردني باتجاه دول الخليج والعراق وسورية، في ظل سعي شركات الشحن والتجار إلى البحث عن بدائل أكثر أمناً وأقل عرضة للاضطرابات.
وفي ظل هذه المؤشرات، يبرز تساؤل رئيسي حول قدرة الأردن على تحويل هذه التحولات المؤقتة إلى مكاسب إستراتيجية طويلة الأمد، بما يؤهله ليصبح مركزاً لوجستياً إقليمياً قادراً على المنافسة.
وكانت نقابة ملاحة الأردن أكدت الشهر الماضي أن دراسة خيار ميناء العقبة ومطار الملكة علياء الدولي، ليكون مركزا للعمليات اللوجستية والشحن، لعدد من الشركات الكبرى، وصل مراحل متقدمة.
وبينت النقابة أن شحنة لمصنع ألماني ضخم، تم تحويلها من ميناء أم قصر، إلى ميناء العقبة، مؤكدا تشكيل لجنة لتطوير عمل الترانزيت في العقبة، وإزاحة أي عقبات قائمة.
وفي هذا السياق، أكد وزير النقل الدكتور نضال القطامين، خلال جلسة للمنتدى الاقتصادي الأردني، أن العالم “بات يبحث عن مسارات بديلة أكثر أمناً واستقراراً ومرونة في حركة التجارة”، مشيراً إلى أن الأحداث الأخيرة في مضيق هرمز أعادت تسليط الضوء على أهمية سلاسل الإمداد والممرات اللوجستية.
وقال القطامين إن الأردن يمتلك فرصة حقيقية لترسيخ مكانته كمركز لوجستي إقليمي يربط مناطق العالم، مستفيداً من موقعه الجغرافي واستقراره السياسي، اللذين عززا ثقة الأسواق العالمية باستخدام المملكة كمركز عبور وموقع لوجستي آمن.
وأضاف أن الحكومة بدأت العمل على تطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، إدراكاً لأهمية القطاع وقدرته على تحفيز النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل.
مدير عام شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ محمود خليفات أكد أن الأردن “مؤهل لأن يكون مركزاً لوجستياً دائماً”، مشيراً إلى أن موانئ العقبة شهدت زيادة ملحوظة في حركة المناولة خلال الفترة الماضية، خصوصاً بعد اعتمادها بديلاً عن ميناء البصرة العراقي لاستيراد الحبوب والزيوت والمواد الغذائية.
وأضاف خليفات أن الميناء قادر على رفع طاقته الاستيعابية بنسبة تصل إلى 50 %، استناداً إلى دراسات تناولت حجم المناولة وتوفر الكوادر البشرية وكلف التشغيل، مبيناً أنه جرى تزويد الميناء بمعدات وآليات حديثة لتعزيز الكفاءة التشغيلية.
لكن خبراء في النقل والخدمات اللوجستية يرون أن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي لتحويل الأردن إلى مركز إقليمي للنقل والتجارة، ما لم يترافق ذلك مع تطوير فعلي للبنية التحتية، وتسريع مشاريع السكك الحديدية، ورفع كفاءة التخليص الجمركي والخدمات اللوجستية.
المختص في الطرق والنقل المهندس خالد حدادين أكد أن “الجغرافيا وحدها لا تصنع مركزاً لوجستياً”، موضحاً أن الموقع يتحول إلى قوة اقتصادية عندما يُدعم ببنية تحتية متعددة الوسائط، وأمن وموثوقية على الطرق، وإجراءات حدودية وجمركية سريعة وقابلة للتنبؤ.
وأشار إلى أن اضطرابات البحر الأحمر كشفت حجم الترابط بين النقل والاقتصاد العالمي، لافتاً إلى أن صندوق النقد الدولي أشار إلى انخفاض التجارة المارة عبر قناة السويس بنحو 50 % خلال أول شهرين من العام 2024 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما أدى التحول نحو طريق رأس الرجاء الصالح إلى زيادة زمن الرحلات البحرية بنحو عشرة أيام أو أكثر، وسط ارتفاع الكلف واضطراب سلاسل التوريد.
وأضاف حدادين أن الأردن يمتلك بالفعل عناصر مهمة تؤهله للعب دور لوجستي إقليمي، أبرزها الموقع المتوسط والاستقرار السياسي وميناء العقبة وشبكة الطرق والقرب من أسواق الخليج والعراق وبلاد الشام، لكنه “ليس مؤهلاً تلقائياً”، في ظل منافسة إقليمية قوية تقودها مراكز لوجستية كبرى مثل دبي وقناة السويس وتركيا.
وبيّن أن التحدي الأكبر يتمثل في استمرار الاعتماد شبه الكامل على النقل البري بالشاحنات، مقابل غياب شبكة سكك حديدية حديثة لنقل البضائع، الأمر الذي يرفع كلف النقل ويزيد الضغط على الطرق والحوادث وكلف التشغيل، إلى جانب الحاجة إلى تسريع التحول الرقمي الكامل في قطاع النقل والخدمات اللوجستية.
وفي المقابل، أكد نقيب أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع الدكتور ضيف الله أبو عاقولة أن الأردن يشهد حالياً “حركة نشطة وواضحة” في الترانزيت عبر العقبة والمعابر الحدودية، خصوصاً باتجاه العراق وسورية ودول الخليج.
وأشار إلى ارتفاع الحركة في جمرك الكرامة والعمري وجابر، سواء للبضائع القادمة من تركيا وسورية باتجاه الخليج أو بالعكس، لكنه حذر في الوقت ذاته من تحديات قد تحد من قدرة الأردن على ترسيخ موقعه كمركز لوجستي إقليمي.
وأوضح أبو عاقولة أن أبرز هذه التحديات يتمثل في ارتفاع كلف الشحن ورسوم الحرب والتأمين التي فرضتها بعض شركات الملاحة على ميناء العقبة بعد تصنيفه “ميناء خطر”، رغم استمرار انسيابية العمل ووصول السفن والحاويات وفق مواعيدها المعتادة.
وقال إن استمرار فرض هذه الرسوم، إلى جانب زيادة إجراءات المعاينة وعدم منح مدد كافية للحاويات والترانزيت، قد يضعف تنافسية العقبة مقارنة بموانئ إقليمية أخرى، مؤكداً أن نجاح الأردن كمركز لوجستي يعتمد على “تخفيض الكلف وتسريع الوقت وتقديم تسهيلات حقيقية للتجار وشركات الشحن”.
وفي ظل هذه المعطيات، تراهن الحكومة على مشاريع النقل والربط السككي ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، وفي مقدمتها مشروع سكة حديد العقبة الذي وقّعت المملكة اتفاقيته مع الجانب الإماراتي باستثمارات تتجاوز 2.3 مليار دولار، بهدف ربط مناطق التعدين والمناطق التنموية بالميناء وتقليل كلف النقل ورفع كفاءة الخدمات اللوجستية.
ويرى حدادين أن نجاح هذه المشاريع قد ينقل الأردن من مجرد “بلد تمر به الشاحنات” إلى دولة “تُدار منها سلاسل الإمداد”، بما يعني خلق قيمة اقتصادية أعلى تشمل التخزين والتغليف وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية والصناعات المساندة، بدلاً من الاكتفاء برسوم العبور التقليدية.