الغد-فرح عطيات
يتقدم مقترح إطلاق منصة تمويل مشتركة بالتعاون مع البنوك لضمان قروض المشاريع الخضراء كأحد أبرز التحولات في مقاربة الاقتصاد الوطني لملف المناخ، في ظل ضغوط مالية متزايدة وارتفاع كلف الطاقة التقليدية.
هذا التوجه، الذي قدمه خبراء، يفتح مسارا جديدا أمام الاستثمارات المستدامة، عبر توفير أدوات تمويلية تقلل المخاطر وترفع جاذبية المشاريع البيئية، ما يعزز قدرة السوق على استقطاب رؤوس الأموال وتوجيهها نحو قطاعات أكثر استدامة.
وستعكس هذه المنصة، بحد قول الخبراء لـ"الغد"، تحولاً نوعياً في دور القطاع المالي، إذ تنتقل البنوك من موقع الممول التقليدي إلى شريك تنموي يشارك في إدارة المخاطر ودعم الابتكار البيئي.
ويؤكد الخبراء أن نجاح هذا التوجه يرتبط بوجود جهة قيادية تمتلك القدرة على إدارة التمويل المناخي بكفاءة، مع الالتزام بمعايير الحوكمة البيئية والشفافية.
استجابة للتحديات المناخية
وأكد الخبير بالشأن البلدي د. أسامة العزام على أن إطلاق هذه المنصة يمثل خطوة "استراتيجية حتمية" للاقتصاد الوطني ككل، واستجابة "للتحديات المناخية والضغوط المالية" المتمثلة بارتفاع كلف الطاقة التقليدية.
وستكون هذه المنصة، بحد قوله، بمثابة "شبكة أمان" لتحفيز توجيه رؤوس الأموال نحو التحول الأخضر، في وقت تمثل قضية الجهة القيادية لها أمراً "جوهرياً"؛ فالتمويل المناخي يتطلب مؤسسة تمتلك الملاءة المالية، والعمق التنموي، والاعتراف الدولي "الصارم" لضمان الامتثال لمعايير الحوكمة البيئية.
وتطرق العزام في هذا الشأن تحديداً الى حصول بنك تنمية المدن والقرى على الاعتمادية من صندوق المناخ الأخضر(GCF) كأول "جهة وصول مباشر" في الأردن والشرق الأوسط. ولتعظيم هذا الجهد، يبرز الدور المحوري للشركة الأردنية لضمان القروض عبر إطلاقها "برنامج ضمان التمويل الأخضر" لتوفير التغطية الائتمانية للمشاريع المستدامة، وهو ما يمنح البنوك التجارية "الطمأنينة المطلقة لضخ السيولة بناءً على أعلى المعايير العالمية"، تبعا له.
ولترجمة خطوة إطلاق المنصة الى أمر واقع، شدد العزام على وجوب اتباع ثلاثة مسارات متوازية؛ والتي تبدأ بالتحديث التشريعي، والتحول الرقمي، وتنتهي في الاستثمار في بناء القدرات الفنية للمؤسسات والشباب الريادي لتصميم مشاريع خضراء قابلة للتمويل.
وحدد العزام المعايير الأساسية التي يجب أن تقوم عليها المنصة من بينها إثبات الأثر المباشر للمشروع في التخفيف من الانبعاثات أو التكيف مع التغير المناخي، وأن يحقق كفاءة تولد وفورات مالية تغطي كلفة التمويل، إضافة إلى التوافق الإلزامي مع "التصنيف الوطني الأخضر" الذي أقره مجلس الوزراء حديثاً ليكون الإطار المرجعي الموحد.
وحول الشركاء المحتملين في هذه المنصة فأكد على أن هذا الجهد يتسم بأنه تشاركي بامتياز؛ بحيث يضم البنك المركزي كجهة "موجهة ورقابية"، والشركة الأردنية لضمان القروض التي تعتبر شريكاً استراتيجياً "لتوفير التغطية الائتمانية اللازمة"، إلى جانب البنوك التجارية، والصناديق الدولية، ومؤسسات المجتمع المدني لضمان التكامل التنموي.
وأشار الى أن شح التمويل غالبا ما يعزى لإرتفاع "علاوة المخاطر" المرتبطة بالمشاريع البيئية، وهو "تحدٍ جوهري" تعالجه هذه المنصة من جذوره؛ إذ يسهم توفير الضمانات الائتمانية في خفض "مستويات المخاطرة"، مما ينعكس إيجاباً على تقليل كلفة رأس المال وفوائد الاقتراض. وإلى جانب ذلك، تتبنى المنصة سياسة "التمويل الممزوج" بالتعاون مع مؤسسات تمويل دولية متخصصة، بهدف تعظيم الأثر الاستثماري ومضاعفة حجم التمويل المتاح، بحسبه.
ويعتقد العزام أن الإنجاز الأبرز يبقى متمثلاً في ميزة "الوصول المباشر" التي حققها بنك تنمية المدن والقرى، والتي تكسر حلقة الوسطاء الماليين؛ لتتيح للمنصة استقطاب منح وقروض ميسرة من صندوق المناخ الأخضر تتراوح قيمتها بين 50 و250 مليون دولار أمريكي.
وأضاف أن ضخ هذه التمويلات مباشرة في الاقتصاد الوطني سيكفل تحويل التحدي البيئي من مجرد عبء مالي إلى "فرصة استثمارية واعدة ومحرك مستدام للنمو".
تشجيع الاستثمار
وبرأي رئيس مجلس إدارة جمعية إدامة للطاقة والمياه والبيئة د. دريد محاسنة، فإن وجود مثل هذه المنصة يعد أمراً هاماً لدى الحديث عن المشروعات البيئية والمُناخية، وتُشجع الاستثمار فيها عبر منح قروض ميسرة للمستثمرين، والجهات الراغبة في الانخراط بهذا القطاع.
ولا بد أن يرافق ذلك الأمر، بحسب المحاسنة، وفي حال التزام المستثمرين بتبني سياسات خضراء في مشروعاتهم، والاستثمار في هذا المجال، أن يتم منحهم قروض وبفوائد أقل، وحوافر من قبل وزارتي البيئة والمالية، والبنوك المحلية، والبنك المركزي.
ولتحقيق ذلك دعا لضرورة إعداد نظام يأخذ بعين الاعتبار التشجيع في الاستثمار بالمشاريع البيئية والمائية والطاقية، ومن قبل جهة مرجعة تتولى قيادة هذا المنصة.
وأضاف أن تقليل الرسوم والضرائب على الطاقة النظيفة يعد واحداً من الحوافز التشجيعية التي يجب أن تتدرج في سياسة الحكومة، مع أن تضع وزارة البيئة وبالتعاون مع البنوك شرطاً بوجود صناديق خضراء متخصصة لتمويل المشروعات البيئية المختلفة.
نضج مؤسسي
ويمتلك القطاع المالي في الأردن مقومات "متقدمة" تؤهله لقيادة "نموذج إقليمي مبتكر" في تمويل العمل المناخي، خاصة في ظل الخبرات المتراكمة للبنوك في إدارة المخاطر، والامتثال للمعايير الدولية، وفق رئيس اتحاد الجمعيات البيئية (الاتحاد النوعي) عمر الشوشان.
ولذلك وفي رأيه فإن إطلاق منصة تمويل مشتركة للمشاريع الخضراء، بقيادة جهة وطنية مثل البنك المركزي الأردني وبالتنسيق مع وزارة البيئة، من شأنه أن يعكس هذا "النضج المؤسسي" ويترجمه إلى أدوات عملية "تعزز" التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
ولفت لـ"الغد" الى أن هذه المنصة ستعمل على توحيد الجهود بين البنوك التجارية والإسلامية، وتوفير آليات مبتكرة لتقاسم المخاطر، مثل الضمانات الجزئية، بما يخفف من التحديات المرتبطة بتمويل المشاريع البيئية.
كما تتيح ربط الأولويات الوطنية، بما في ذلك المساهمات المحددة وطنياً، مع فرص التمويل المتاحة، مما يعزز كفاءة توجيه الموارد ويزيد من جدوى الاستثمار في هذا القطاع، بحسبه.
وشدد على أن قوة النموذج الأردني تكمن في قدرته على الجمع بين "الحوكمة الرشيدة والشفافية"، و"بناء الشراكات مع المؤسسات الدولية والقطاع الخاص"، الأمر الذي يسهم بجذب التمويل الميسر والاستثمارات الخضراء.
وفي ظل التحديات التمويلية التي تواجه المنطقة، أكد الشوشان على أنه يمكن لهذه المنصة أن تتحول إلى نموذج "يحتذى به إقليمياً"، ليس فقط في تعبئة الموارد، بل في إعادة تعريف دور المؤسسات المالية كشريك أساسي في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الأمن المناخي