البترا.. القرارات الحكومية تنعش آمال القطاع السياحي بعد أشهر من الضغوط
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
في الوقت الذي أقرت فيه الحكومة حزمة تضم 11 قرارا لدعم القطاع السياحي في البترا، اعتبر عاملون في القطاع أن هذه الحزمة تمثل "إبرة حياة" للقطاع المنهك، ومن شأنها مساعدته على الخروج من الأزمة التي واجهها خلال الأشهر الماضية.
ويرى العاملون أن الحزمة الحكومية تتجاوز كونها إجراءات دعم قصيرة الأجل، لتشكل برنامجا حكوميا يستهدف حماية قطاع إستراتيجي وحيوي للاقتصاد الوطني، في ظل الدور الذي تؤديه السياحة في تعزيز النمو الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، ورفد المملكة بالعملات الأجنبية.
وأكدوا أن القرارات جاءت في توقيت بالغ الأهمية، لا سيما بالنسبة لمدينة البترا التي تحملت النصيب الأكبر من تداعيات تراجع النشاط السياحي خلال الفترة الماضية، نظرا لاعتمادها بصورة رئيسة على السياحة الوافدة، ولا سيما القادمة من الأسواق الأوروبية والأميركية.
وأشاروا إلى أن حزمة الدعم ستمنح المنشآت السياحية والعاملين فيها قدرة أكبر على الصمود خلال المرحلة المقبلة، من خلال تخفيف الأعباء المالية والتشغيلية التي تراكمت نتيجة تراجع الحركة السياحية، إلى حين استعادة القطاع مسار التعافي.
وكان مجلس الوزراء أقر، في جلسته التي عقدها قبل أول من أمس الاثنين برئاسة رئيس الوزراء جعفر حسان، حزمة من القرارات لدعم المنشآت السياحية في إقليم البترا التنموي السياحي، استجابة للتحديات التي يواجهها القطاع، وبما يحافظ على فرص العمل التي يوفرها، ويعزز استدامته، ويخفف الأعباء المالية عن المنشآت، ويزيد من تنافسية البترا كوجهة رئيسة على خريطة السياحة الوطنية والدولية.
وتضمنت الحزمة 11 قرارا يستفيد منها نحو 1600 عامل، بكلفة إجمالية تبلغ 5 ملايين دينار تتحملها الحكومة، وذلك تنفيذا لتوجيهات رئيس الوزراء، وبناء على نتائج الاجتماع الذي عقده وزير السياحة والآثار مع ممثلي القطاع السياحي في البترا الأسبوع الماضي.
وتضمنت القرارات برنامجا لدعم أجور العاملين في القطاع السياحي في إقليم البترا التنموي السياحي، يستفيد منه نحو 900 عامل، تتحمل الحكومة بموجبه 50 % من الأجور الخاضعة للضمان الاجتماعي والاشتراكات المترتبة عليها حتى نهاية العام الحالي 2026، إضافة إلى برنامج لدعم العاملين في سلاسل الفنادق العالمية في البترا، يستفيد منه أكثر من 500 عامل، تتحمل الحكومة من خلاله 35 % من الأجور الخاضعة للضمان الاجتماعي والاشتراكات المترتبة عليها حتى نهاية العام الحالي، فضلا عن شمول 280 عاملا موقوفا عن العمل ضمن برنامج دعم الأجور لمدة ستة أشهر.
ويشار إلى أن الدخل السياحي في المملكة انخفض خلال النصف الأول من العام الحالي بنسبة 5.3 % ليبلغ نحو 3.5 مليار دولار، بحسب بيانات البنك المركزي، فيما تراجع عدد السياح الدوليين القادمين إلى الأردن خلال الثلث الأول من العام الحالي بنسبة 5 % ليصل إلى 2.014 مليون سائح. وفي المقابل، ارتفع الدخل السياحي خلال العام الماضي 2025 بنسبة 7.6 % ليبلغ 7.8 مليار دولار.
قرارات الحكومة "إبرة حياة" للقطاع المنهك
واعتبر رئيس جمعية الفنادق الأردنية حسين الهلالات أن حزمة القرارات الحكومية "تمثل إبرة حياة للقطاع المنهك، وستساعده على الخروج من نفق الأزمة التي شهدها خلال الأشهر الأخيرة".
وقال الهلالات إن الدعم الحكومي الذي تتضمنه القرارات الأخيرة سيمكن القطاع السياحي بشكل عام، وقطاع الفنادق بشكل خاص، من تجاوز أزمة انقطاع الحركة السياحية التي عصفت بالقطاع منذ اندلاع الحرب الأخيرة، ولا سيما في مدينة البترا.
وأضاف أن السياحة في البترا تعرضت لضرر بالغ، ما وضع المستثمرين والعاملين في القطاع أمام ضغوط وأعباء اقتصادية كبيرة، في ظل تراكم الخسائر المالية والتشغيلية على مختلف حلقات القطاع السياحي.
وأكد أن الحكومة تستحق الإشادة على سرعة استجابتها للأزمة وسعيها إلى إيجاد حلول تحد من تداعياتها، بما يسهم في تعزيز استدامة القطاع وقدرته على تجاوز الظروف الحالية.
وأشار الهلالات إلى أن القرارات جاءت في "توقيت فارق للغاية"، خاصة بالنسبة للقطاع السياحي في البترا، الذي تحمل الجزء الأكبر من تداعيات الأزمة، في ظل اعتماد المدينة بصورة رئيسة على السياحة الوافدة، ولا سيما من الأسواق الأميركية والأوروبية.
وفي المقابل، أوضح أن حزمة الدعم، رغم تلبيتها جانبا كبيرا من مطالب القطاع الفندقي، فإنها لم تحقق جميع تطلعاته، وفي مقدمتها الإعفاء الكامل من فوائد القروض لمدة عام، إضافة إلى تحمل الحكومة رواتب العاملين لمدة سنة كاملة، معتبرا أن هذين الإجراءين كانا سيسهمان بصورة أكبر في تجاوز الأزمة إذا ما طال أمدها.
وأعرب الهلالات عن أمله في أن تكون البترا ضمن البرامج السياحية الجديدة التي تعتزم وزارة السياحة إطلاقها ودعمها خلال المرحلة المقبلة.
اهتمام حكومي ملموس
وأكد رئيس جمعية الأدلاء السياحيين أمين عمر أن القرارات الحكومية الأخيرة ستساعد القطاع السياحي على الصمود وتجاوز الظروف الصعبة التي يمر بها، في ظل التراجع الكبير في النشاط السياحي نتيجة الاضطرابات الإقليمية والحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران.
وأوضح أن قرار التوسع في برنامج القروض الميسرة للأدلاء السياحيين، ورفع قيمة الوديعة المخصصة له، سيسهم في استدامة هذا القطاع الذي يعد من أكثر القطاعات السياحية الفرعية تضررا بالأزمة الحالية، إذ من المتوقع أن يساعد الأدلاء السياحيين على تغطية نفقاتهم التشغيلية والمحافظة على استمرارية عملهم.
وأشار عمر إلى أن القطاع يلمس اهتماما وحرصا حكوميين على دعم السياحة والقطاعات المرتبطة بها، من خلال الاستجابة خلال الفترة الأخيرة لعدد من المطالب التي تقدم بها العاملون في القطاع.
كما لفت إلى وجود اهتمام واضح من وزارة السياحة بتطوير مهنة الأدلاء السياحيين، ولا سيما في مجالات السياحة الدينية والتاريخية، إلى جانب تنظيم المهنة والارتقاء بها.
معالجة أزمة السيولة
ويرى الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة أن الحزمة الحكومية تمثل برنامجا للتدخل الحكومي يستهدف حماية قطاع إستراتيجي وحيوي للاقتصاد الوطني أكثر من كونها مجرد إجراءات دعم قصيرة الأجل، إذ تسعى إلى معالجة أزمة السيولة التي تواجه المنشآت السياحية في مدينة البترا، وفي الوقت ذاته
المحافظة على الوظائف والحد من خسائر الاقتصاد المحلي إلى حين تعافي الطلب السياحي.
وقال المخامرة إن التحرك الحكومي يعكس إدراكا بأن السياحة ليست مجرد قطاع خدمي، وإنما أحد أهم مصادر الدخل القومي والنقد الأجنبي في الأردن.
وأوضح أن القطاع السياحي يتميز بأبعاد اقتصادية متعددة، فهو من أبرز مصادر العملات الأجنبية، بما يدعم احتياطيات المملكة من النقد الأجنبي ويخفف الضغط على ميزان المدفوعات، إلى جانب توفيره عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، خاصة للشباب والنساء.
وأضاف أن السياحة ترتبط ارتباطا وثيقا بعدد كبير من القطاعات الاقتصادية المساندة، مثل النقل والطيران والمطاعم والتجارة والحرف التقليدية والخدمات المالية، فضلا عن مساهمتها في تنمية المحافظات والمجتمعات المحلية، ولا سيما المناطق التي تعتمد بصورة كبيرة على النشاط السياحي، مثل البترا ووادي رم والعقبة.
كما تسهم في تعزيز الإيرادات الحكومية من خلال الضرائب والرسوم، وترفع مساهمة قطاع الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي.
وبحسب المخامرة، فإن الأثر الاقتصادي المتوقع لهذه القرارات يتمثل في الحفاظ على فرص العمل والحد من فقدان الوظائف، بما يحافظ على الخبرات المتخصصة في القطاع السياحي، إلى جانب تحسين السيولة لدى المنشآت، إذ إن تأجيل أقساط القروض، وإعادة جدولة الضرائب، ومستحقات الكهرباء والمياه، وتحمل الحكومة كلفة الفوائد، يوفر متنفسا ماليا يساعد المنشآت على مواصلة أعمالها بدلا من الإغلاق أو تقليص نشاطها.
وأضاف أن الحزمة ستحد أيضا من حالات التعثر والإفلاس، من خلال تعزيز قدرة المنشآت على الوفاء بالتزاماتها التشغيلية، وتقليل المخاطر التي قد تمتد إلى القطاع المصرفي والموردين، فضلا عن تنشيط الاقتصاد المحلي في مدينة البترا، نظرا لارتباط السياحة بعشرات الأنشطة الاقتصادية، مثل النقل والمطاعم والحرف اليدوية والأسواق التجارية وشركات السياحة.
وأشار المخامرة إلى أن هذه القرارات ستسهم كذلك في تعزيز تنافسية مدينة البترا، إذ إن إطلاق برامج سياحية جديدة وتنويع الأسواق المستهدفة من شأنه زيادة مدة إقامة السائح ومتوسط إنفاقه، بما يرفع العائد الاقتصادي من كل زائر، بدلا من التركيز على زيادة أعداد السياح فقط.
وفي الوقت ذاته، أكد المخامرة أن الحزمة، رغم أهميتها وسرعة إقرارها، تعالج جانب العرض أكثر من جانب الطلب، مشيرا إلى أن استدامة التعافي ستظل مرتبطة بعودة الحركة السياحية الإقليمية والدولية، واستقرار الأوضاع الجيوسياسية، وتعزيز حملات الترويج السياحي، وفتح أسواق جديدة، وزيادة الرحلات الجوية منخفضة الكلفة.