
الغد-الدّول العظمى التي تزهو بإنجازها العلميّ وبنظامها الديمقراطيّ لن يعصمها من الانهيارلا هذا ولا ذاك مادام اقتصادها قاعداً على نكشة، كما يُقال. فعندما ينهار الاقتصاد يصبح المجتمع كلّه، بما فيه مجتمع العلم والسياسة، عارياً أمام ريح تعصف. وقد يتمكّن –وهو حتى الآن يفعل- من أن يقف على قدميه من جديد بسبب حيويّته الذاتيّة، والآليّات الديمقراطيّة التي تسمح لجميع الطّاقات والقدرات أن تساهم في البناء والمشاركة، لا في انتظار المنّ وتلقّي الأعطيات! مع العلم أنّ هذه الدّول العظمى لن يصيبها مكروه ضار عندما يقع اقتصادها أرضاً، لأنّ دولاً غنيّة من بنات جلدتنا جاهزة لتضخّ المليارات في أسواقِها، كما صُرّح مؤخّراً. ولن تُغرينا مقارنة حالنا كدول حافية وجارة وشقيقة بحال أباطرة الكون الغربيين وسادته الحاصلين على عبيد السُّخرة مقابل الرضى ليس غير! فذلك مني سيكون هوجاً ورعونةً! ولهذا حديثٌ آخر!فإذا كانت الدّول العظمى مهدّدةً في عقر بيتها الديمقراطيّ المتين بالانهيار، فما حالنا نحن وقد عصفت بنا الحاجة الاقتصاديّة حتى بتنا لا ندري ما يُضمرُ الغد من أنباء للشّعب الذي بات حرفيّاً ودون أيّ تزويق بلاغيّ، يتضوّر؟ وما هي الآمال التي سيبني عليها هذا الشّعب، مادام قد خبرها رمالاً متحرّكة تبلع لا تسند؟ولذا فيبدو جدّ غريب أنّ حكومة إثر حكومة تنهمك في ترقيع الثّوب بدل النّظر في الجسد المريض الذي يحاول القميص المهترئ أن يستره! فلم يعد ليخفى على عاقل أو عاقلة، ولا حتى على مأفون، أنّ جميع السياسات الاقتصادية التي سنّتها كلّ الحكومات في السنوات الأخيرة، وبلا أدنى استثناء، إنما هي سياسات عقيمة لم تنتج إلا مزيداً من التّراجع والفقر المُمِضّ! فماذا نفعل؟لست مختصّة لأطرح حلاً، فأهل الاقتصاد رفعت (اسم الجمع مؤنّث كالجموع في العربية وعندي) عقائرها، لا بالغناء والتغنّي، بل بالتّنديد والاقتراح. ولا يبدو من صدى بيّن لهذه الأصوات العليمة، لأنّ الحكومات، واحدة إثر الأخرى، تؤمن إيماناً لا رجعة عنه بمنطق النّملة بدل الهجوم على المشكلات كالعُقاب. وهي إذ تنفق الوقت بسخاء برميل نفط، تبدو وكأنّها تتسلّى إلى حين تُلفّظُ أنفاسها على وسادة مريحة من جاه سريع ومعاش تقاعد يمنع عن أفرادها ذُلّ الحاجة التي يسرح أبناءُ الشّعب وبناته في مائها العادمة!مهما طالت المناورات مع "الإخوان" وقصرت، ومهما كان قانونا الانتخاب والمطبوعات من الأهميّة الاستراتيجيّة، فإنّ "الاقتصاد أولاً" ينبغي أن يكون شعار هذه الحكومة (التي جاءت لإجراء الانتخابات أولاً!)، بحيث يُفضي ذلك إلى ابتكار حلول غير تقليديّة (أي طلب المعونات وما شابه)، تقوم على خلق مناخ صحيّ جاذب للاستثمار، تُراجع من أجله جميع البنى التحتية للتّشريعات والممارسات التي تتعلّق بالحريات والعدالة وانعدام التوتّر الشّعبيّ، وعندئذٍ يكون قانونا الانتخاب والمطبوعات ولعبة الإخوان في السّياق الطبيعيّ الذي يريد النهوض بالاقتصاد، بدل التّغاضي عن تدمير منابعه! فليس من المعقول أو المقبول أن يؤجِّل الشعب حاجاته الملحّة لبينما تتمّ اللعبة البرلمانيّة، أو حتى يُغارَ على المستقبل القريب لا البعيد، ويُساقَ مخفوراً بسلاسل البؤس وأخيه الفقر المدقع!دعونا فعلاً لا نفقد الأمل!zulauka.abureesheh@alghad.jo