الشمول المالي.. تحسن ملموس رغم استمرار الفجوة الجندرية
الغد-عبدالرحمن الخوالدة
أكد خبراء اقتصاديون أن الشمول المالي في الأردن شهد تحسنًا ملموسًا خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس تقدمًا إيجابيًا في دمج شرائح واسعة من المجتمع ضمن المنظومة المالية الرسمية، خاصة مع التوسع في استخدام الحسابات البنكية والخدمات الرقمية.
وأشار الخبراء إلى أن هذا التحسن يسهم في تنشيط الاقتصاد، وزيادة معدلات الادخار والاستثمار، وتسهيل وصول الأفراد والمؤسسات الصغيرة إلى أدوات التمويل، بما يرفع من الإنتاجية ويقلل الاعتماد على الإعانات، لا سيما لدى الفئات المهمشة.
وفي المقابل، نبّه الخبراء إلى استمرار الفجوة الجندرية في الشمول المالي، حيث ما تزال النساء أقل وصولًا إلى الحسابات المصرفية والخدمات المالية مقارنة بالرجال، رغم التقدم التكنولوجي وتوفر الوسائل الرقمية، مرجعين ذلك إلى ضعف مشاركة المرأة الاقتصادية وارتفاع البطالة بين الإناث، إضافة إلى العوامل الاجتماعية والثقافية المقيدة.
ودعوا إلى إطلاق برامج واسعة للتثقيف المالي، وتعزيز الشمول المالي للنساء من خلال التمكين الاقتصادي، وتوسيع الخدمات الرقمية، وتطوير سياسات مصرفية تراعي الفروقات الجندرية والاجتماعية، لضمان عدالة الوصول إلى الخدمات المالية.
ويُقصد بالشمول المالي تمكين الأفراد وقطاع الأعمال من الوصول إلى الخدمات والمنتجات المالية (مثل الدفع، الادخار، الائتمان، التحويل المالي، التأمين) بكلفة مناسبة وبطريقة تلبي احتياجاتهم وتساهم في تحسين مستوى معيشتهم بأمان واستدامة.
تحسن واضح في المؤشرات
ووفق تقرير "المؤشر العالمي للشمول المالي - Global Findex" الصادر عن مجموعة البنك الدولي، فقد ارتفعت نسبة امتلاك الحسابات البنكية في الأردن إلى ما بين 42 % و45 % من البالغين، مقارنة بـ25 % فقط في عام 2011، حيث لم تتجاوز النسبة حينها بين النساء 20 %.
ورغم تحسن المؤشرات بين النساء لتصل إلى 30-35 % في عام 2024، إلا أن التقرير أكد أن الرجال ما يزالون أكثر استفادة، ما يعكس فجوة جندرية واضحة.
وتزامن صدور التقرير مع تصريحات محافظ البنك المركزي الأردني د. عادل شركس، الذي أشار إلى أن نسبة الشمول المالي بلغت 43.1 % عام 2022، فيما انخفضت الفجوة الجندرية من 53 % إلى 22 %. كما أضاف أن البنك المركزي يهدف إلى رفع الشمول المالي إلى 65 % وتخفيض الفجوة الجندرية إلى 12 % بحلول عام 2028، ضمن الاستراتيجية الوطنية للاشتمال المالي 2023–2028، الداعمة لرؤية التحديث الاقتصادي.
عايش: الشمول المالي يعزز الاقتصاد ويقلل الاعتماد
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش، إن الأردن شهد تحسنًا ملحوظًا في الشمول المالي عامًا بعد عام، تجلّى في ارتفاع نسب امتلاك الحسابات البنكية بين الذكور والإناث، وتوسع أدوات الدفع الرقمي من خلال المحافظ الإلكترونية والخدمات البنكية الرقمية.
وأكد عايش أن هذا التحسن ينعكس إيجابيًا على النشاط الاقتصادي، إذ يساهم في رفع الاستهلاك والاستثمار، ودمج الفئات المهمشة ضمن النظام المالي، ما يقلل من الاعتماد على الدعم ويزيد من الإنفاق الكلي. كما يعزز الشمول المالي من تمكين المرأة اقتصاديًا، ويدعم الوصول إلى التمويل للمؤسسات الصغيرة والشباب.
وأشار إلى أن نسبة الدفع الإلكتروني من إجمالي المعاملات في الأردن بلغت نحو 84 % عام 2024، مقابل 16 % للمعاملات النقدية، ما يعكس تحولًا فعليًا نحو اقتصاد رقمي أكثر كفاءة وشفافية.
الفجوة الجندرية باقية رغم الأدوات المتاحة
وحول الفجوة الجندرية، قال عايش إن استمرارها رغم الأدوات الرقمية المتاحة يُعزى إلى تدني مشاركة المرأة الاقتصادية التي لا تتجاوز 14-15 %، مقابل 52-53 % للذكور، إضافة إلى بطالة مرتفعة بين النساء تصل إلى 33 %.
واعتبر أن الحيز المالي المحدود المتاح للنساء يقيّد تفاعلهن مع النظام المالي الرسمي، مرجّحًا أن تكون الفجوة الجندرية أقل في عام 2011 مما هي عليه اليوم بسبب تغير التركيبة الاجتماعية وتنامي التحديات الاقتصادية.
ودعا عايش إلى استثمار الزخم الرقمي لتحسين العدالة في الشمول المالي، عبر دعم ريادة الأعمال النسائية، وتسهيل أدوات الوصول البنكي، وتوسيع انتشار المحافظ الإلكترونية، بالإضافة إلى تطوير برامج التثقيف المالي في المناطق الريفية والمجتمعات المحافظة.
زوانة: نجاح البنك المركزي في ترسيخ الشمول المالي
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي زيان زوانة أن تقرير البنك الدولي الأخير يعكس نجاح الاستراتيجية التي يقودها البنك المركزي الأردني، ليس فقط من الناحية المصرفية، بل أيضًا من حيث البعد الاجتماعي والجغرافي، في إطار ضبط العلاقة بين المواطن والنظام المالي والمصرفي.
وأشار إلى أن تعزيز الشمول المالي يساهم في عدالة توزيع الخدمات المصرفية، وفي تحقيق الاستقرار الاقتصادي على مستويات متعددة.
الحموري: توقعات بتجاوز حاجز 50 %
أما أستاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك د. قاسم الحموري، فرأى أن تحسن الشمول المالي هو نتيجة طبيعية لتطور المجتمع الأردني، لكنه اعتبر أن الأردن ما يزال متأخرًا في هذا المجال، مشيرًا إلى أن النسبة لم تتجاوز بعد 50 %.
وتوقع الحموري أن تصل نسبة الشمول المالي إلى نحو 80 % خلال السنوات السبع المقبلة، في ظل التطورات المستمرة في الأنظمة والأساليب النقدية محليًا وعالميًا.
وأكد أن تعزيز الشمول المالي يرفع من الثقافة المالية للأفراد، ويحسّن قدرتهم على إدارة مواردهم المالية، ويعزز الاستقلالية المالية ويزيد الأمان في التبادلات، ما ينعكس إيجابيًا على الأداء الاقتصادي الوطني.