التأمين السياحي.. الحلقة المفقودة في تنافسية القطاع السياحي الأردني*أ. د. ابراهيم الكردي
الراي
في ظل التعافي المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة العالمي في الوقت الراهن وتنامي دوره في دعم الاقتصاد العالمي، بات التأمين السياحي أحد المرتكزات الأساسية في بناء منظومة سياحية مستدامة، تقوم على إدارة المخاطر وتعزيز ثقة السائح وتحسين جودة التجربة السياحية. وتشير بيانات منظمة السياحة العالمية إلى أن حجم الإنفاق السياحي الدولي بلغ نحو 1.9 تريليون دولار في عام 2024، فيما تجاوز الإنفاق السياحي المحلي عالميًا 5.3 تريليون دولار، ما يعكس الأهمية المتزايدة لهذا القطاع وحساسيته تجاه عوامل الأمن والسلامة والاستقرار.
وعلى الرغم من المكانة السياحية المتقدمة التي يتمتع بها الأردن، وما يملكه من مقومات فريدة تشمل السياحة الثقافية، والدينية، والعلاجية، والمغامرات، وسياحة المؤتمرات، إلا أن التأمين السياحي لا يزال الحلقة الأضعف في منظومة التنافسية السياحية الوطنية. فثقافة التأمين لدى السائح المحلي محدودة، كما أن دمج وثيقة التأمين ضمن حزم البرامج السياحية الوافدة لا يزال يتم بصورة جزئية، الأمر الذي يُبقي القطاع مكشوفًا أمام المخاطر الصحية والقانونية والمالية.
على المستوى العالمي، يشهد سوق التأمين السياحي نموًا متسارعًا، إذ تشير التقديرات إلى أن حجمه ارتفع إلى نحو 30.8 مليار دولار عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى قرابة 77 مليار دولار بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 12%، مدفوعًا بازدياد حركة السفر الدولي، وتنامي الوعي بالمخاطر الصحية، وحالات إلغاء الرحلات، والاضطرابات الجوية، والحوادث، إضافة إلى تداعيات الأزمات الجيوسياسية والأوبئة.
وفي المقابل، تكشف استطلاعات دولية حديثة أن أكثر من 20% من المسافرين حول العالم يسافرون دون أي تغطية تأمينية، فيما يلجأ نحو 30% إلى شراء أقل الباقات التأمينية تكلفة دون الاكتراث بجودة التغطية، ما يعكس فجوة معرفية وثقافية لا تزال قائمة حتى في بعض الأسواق المتقدمة. هذه المؤشرات تؤكد أن التأمين السياحي لم يعد ترفًا، بل ضرورة استراتيجية لحماية السائح وضمان استمرارية القطاع وتقليل خسائره غير المتوقعة.
وفي التجارب الدولية الرائدة، ولا سيما في دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، لم يُترك موضوع التأمين لاجتهاد الأفراد أو الشركات، بل أُدرج ضمن السياسات السياحية والتنظيمية الملزمة. إذ تُلزم شركات السياحة ومنظمو الرحلات السياحية، خاصة عند تسيير المجموعات السياحية المنظمة إلى خارج بلدانهم، باختيار وجهات ومواقع سياحية تتوافر فيها أنظمة تأمين معتمدة تغطي المخاطر الصحية، وحوادث النقل، والسلامة العامة، والمسؤولية المدنية. وفي كثير من الحالات، يُشترط وجود تأمين شامل كجزء من متطلبات الترخيص والتعاقد، حمايةً للسائح، وتقليلًا للمخاطر القانونية والمالية، وصونًا لسمعة القطاع السياحي الوطني. وقد أسهم هذا النهج في رفع مستوى الثقة بالوجهات السياحية وتحسين جودة المنتج السياحي، وهو نموذج جدير بالتطبيق في الأردن.
أما على المستوى المحلي، فتشير البيانات الرسمية إلى أن القطاع السياحي يسهم بما يزيد على 14% من الناتج المحلي الإجمالي بشكل مباشر وغير مباشر، ويوفر فرص العمل، ويعد من أبرز مصادر العملات الأجنبية. ورغم هذه الأهمية الاقتصادية البالغة، لا يزال التأمين السياحي غائبًا عن صلب الاستراتيجية الوطنية للسياحة، سواء من حيث التشريعات الناظمة، أو السياسات التحفيزية، أو البرامج التوعوية الموجهة للسائح المحلي والوافد.
إن غياب منظومة تأمين سياحي متكاملة يضع الأردن أمام تحديات متعددة، خاصة في مواقع السياحة عالية الحساسية مثل البتراء، ووادي رم، ومواقع المغامرات، والسياحة العلاجية، والدينية وسياحة الغوص في العقبة، حيث تتضاعف المخاطر المحتملة، وتتطلب إجراءات وقائية وتأمينية صارمة. كما أن أي حادثة غير مغطاة تأمينيًا قد تتحول بسرعة إلى أزمة إعلامية تؤثر سلبًا على الصورة الذهنية للوجهة السياحية الأردنية.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير سياسة وطنية شاملة للتأمين السياحي بات ضرورة ملحّة، تقوم على عدة مرتكزات، أبرزها: إدماج التأمين ضمن الحزم السياحية الإلزامية، وتحفيز شركات التأمين على تطوير منتجات مرنة وميسّرة للسياح، وإطلاق برامج توعوية وطنية، إلى جانب ربط التراخيص السياحية بوجود تغطية تأمينية معتمدة، خاصة في الأنشطة ذات المخاطر المرتفعة.
إن التحول نحو هذا النموذج لن يسهم فقط في حماية السائح، بل سيعزز من تنافسية الأردن السياحية عالميًا، ويرفع من جودة المنتج السياحي، ويحد من الخسائر غير المباشرة، ويجذب المزيد من الاستثمارات النوعية في القطاع. فالتأمين السياحي لم يعد مجرد وثيقة، بل أداة استراتيجية لإدارة المخاطر، ورافعة تنموية حقيقية نحو سياحة أكثر استدامة وأمانًا.