أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    26-Jul-2026

«كماشة المضائق»*لما جمال العبسه

 الدستور

دخول مضيق باب المندب إلى قلب الصراع في الشرق الأوسط لم يعد مجرد تفصيل جغرافي، بل تحوّل إلى عنصر يؤكد على اهمية إعادة صياغة قواعد اللعبة بأكملها، فالممر الذي كان يُنظر إليه تاريخياً كطريق ثانوي للتجارة العالمية أصبح اليوم جزءاً من شبكة ضغط إستراتيجية، حيث يتقاطع مع اضطرابات مضيق هرمز ليشكّل ما يمكن وصفه بـ«كماشة المضايق» التي تضرب شريان الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة في آن واحد، هذا التطور يعني أن المواجهة لم تعد محصورة في ساحات برية محلية، بل تحولت إلى حرب ممرات مائية دولية، تُدار على مستوى عابر للحدود وتستدعي تدخل القوى الكبرى.
 
بعد تفكيك المشهد، نجد ان إيران نجحت عبر أدواتها المباشرة في مضيق هرمز وغير المباشرة في باب المندب في بناء نموذج ردع متباين يقوم على تعطيل سلاسل الإمداد ورفع الكلفة الاقتصادية على خصومها، دون الحاجة إلى التفوق العسكري التقليدي، فهي توظف الحوثيين في اليمن كذراع ضغط منخفض التكلفة في البحر الأحمر لكنه عالي الأثر، بينما تحتفظ بقدرتها على تهديد إمدادات الطاقة العالمية عبر هرمز، وهذا التوزيع الذكي لنقاط الضغط يجعل أي محاولة لعزل إيران أو ضربها مكلفة ليس فقط للخصوم بل للاقتصاد العالمي بأسره.
 
في المقابل، هناك الدور الأمريكي - الصهيوني الذي يتجلى في عسكرة البحر الأحمر تحت شعار حماية الملاحة الدولية، لتستغلا التهديد الحوثي لتوسيع وجودهما البحري، وبناء تحالفات دولية جديدة تضع الممرات البحرية تحت إشراف مباشر، وهذا الدور لا يقتصر على حماية السفن، بل يهدف إلى إعادة تشكيل أمن المضائق بما يخدم مصالحهما الإستراتيجية، وهنا لا بد ان نشير الى ان الكيان الصهيوني على وجه الخصوص يرى في عسكرة البحر الأحمر فرصة لتثبيت حضوره العسكري في منطقة كانت بعيدة عن نفوذه المباشر حتى بعد الاعتراف المتبادل مع ما عُرف بدولة ارض الصومال لمحاولة سيطرته عبر موانئها على البحر الاحمر وفشل، بينما امريكا توزع قواتها بين الخليج العربي والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، في محاولة لإدارة التهديدات المتزامنة.
 
النتيجة هي مشهد جيوسياسي شديد التعقيد.. أسعار النفط مرشحة للارتفاع إلى مستويات قياسية، اضطرار شركات الشحن إلى الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، قفزات حادة في كلف التأمين والشحن، وتأخير الإمدادات بما يرفع التضخم العالمي، كل هذه التداعيات الاقتصادية ليست مجرد انعكاس جانبي، بل جزء من معادلة الردع الجديدة التي تجعل المضائق البحرية نقاط ضعف عالمية، يمكن لأي تعطيل محدود فيها أن يتردد صداه في النظام الاقتصادي الدولي بأسره.
 
ومن هنا، يصبح دخول باب المندب إلى الصراع ليس مجرد إضافة جبهة جديدة، بل إعادة تعريف لمفهوم التهديد ذاته، والاكيد انه لم يعد بالإمكان احتواء الأزمة عبر تعزيز الدفاعات في جبهة واحدة، لأن التهديدات باتت متعددة الاتجاهات، متداخلة بين دول وجهات غير حكومية، ومتصلة مباشرة بمصير التجارة العالمية.
 
هذا الواقع يفرض على الدول العربية الانتقال من نموذج الاعتماد المفرط على المظلة الأمنية الخارجية إلى صياغة عقيدة بحرية عربية شاملة، تربط أمن هرمز وباب المندب وقناة السويس في سلسلة واحدة، وتوازن بين الاستفادة من القدرات الدولية والحفاظ على الاستقلالية الإستراتيجية.
 
إن دخول باب المندب إلى قلب الأزمة يرسّخ حقيقة أن الجغرافيا لم تعد إطاراً ثابتاً للصراع، بل تحولت إلى سلاح في حد ذاته، ومع كل جولة تصعيد يتضح أن الممرات البحرية لم تعد محايدة، بل أصبحت أدوات ضغط إستراتيجي عالمي، تُستخدم لإعادة تشكيل موازين القوى، وتضع المنطقة أمام خيار مصيري.. إما أن تبقى رهينة لعسكرة الخارج، أو أن تبني مشروعاً عربياً مستقلاً يربط حماية المضائق بالتنمية والسيادة.