الخريجون.. حلم الوظيفة ما يزال بعيدا
الغد-محمود الطراونة
في كل عام، تدخل آلاف الوجوه الشابة إلى سوق العمل تحمل شهادات جامعية وآمالاً كبيرة ببداية مهنية مستقرة، إلا أن الواقع مختلف، فبعد سنوات من الدراسة والإنفاق، يجد عدد كبير من الخريجين أنفسهم أمام سوق عمل يعاني اختلالات هيكلية، وفجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات القطاعات الاقتصادية، الأمر الذي يجعل الحصول على وظيفة مناسبة رحلة طويلة قد تمتد لسنوات.
وتشير المؤشرات إلى أن الأردن يخرج عشرات الآلاف من الطلبة سنوياً من الجامعات الرسمية والخاصة والكليات المتوسطة، في وقت لا يواكب فيه الاقتصاد الوطني هذا التدفق الكبير وتوفير فرص العمل الكافية، ما يرفع مستويات المنافسة على عدد محدود من الفرص الوظيفية، لا سيما بالقطاعين الحكومي والخاص.
حلم الوظيفة الحكومية.. انتظار لا ينتهي
ورغم التحولات الاقتصادية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية، لا تزال الوظيفة الحكومية تمثل الخيار الأول لشريحة واسعة من الشباب، لما توفره من استقرار وظيفي وضمانات اجتماعية ومزايا تقاعدية.
لكن الواقع يؤكد أن قدرة القطاع العام على التوظيف أصبحت محدودة للغاية، في ظل سياسات ضبط الإنفاق العام وإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية، ما أدى لتقلص فرص التعيين، وازدياد أعداد المنتظرين على قوائم الدور في هيئة الخدمة والادارة العامة "ديوان الخدمة المدنية سابقاً"، وانتقال آليات التوظيف إلى الإعلان المباشر عن الشواغر.
وبذلك أصبح حلم الوظيفة الحكومية أكثر صعوبة من أي وقت مضى، الأمر الذي يفرض على الخريجين إعادة النظر في خياراتهم المهنية.
القطاع الخاص.. فرص موجودة ولكن بشروط
في المقابل، يعلن القطاع الخاص باستمرار عن فرص عمل في مجالات متعددة، إلا أن المشكلة لا تكمن دائما بعدد الوظائف، بل في طبيعتها وشروطها.
فالكثير من الشركات تبحث عن موظفين يمتلكون خبرة عملية، ومهارات رقمية، وإجادة للغات الأجنبية، والقدرة على استخدام التقنيات الحديثة، وهي متطلبات قد لا يمتلكها الخريج الجديد.
كما أن جزءاً من الوظائف المطروحة يقدم رواتب يعتبرها بعض الشباب غير متناسبة مع تكاليف المعيشة، ما يؤدي لارتفاع معدلات دوران العمالة أو عزوف البعض عن الالتحاق بها.
فجوة بين التعليم وسوق العمل
ومن أبرز التحديات بالسوق، استمرار الفجوة بين البرامج الأكاديمية واحتياجات سوق العمل ، فما تزال بعض التخصصات تخرج أعداداً تفوق الحاجة بمرات عديدة، بينما تعاني قطاعات أخرى من نقص في الكفاءات المؤهلة، لا سيما بالمجالات التقنية والهندسية المتخصصة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والمهن الصحية المتقدمة، والطاقة المتجددة.
وتبرز هذه الفجوة أيضاً في ضعف التدريب العملي أثناء الدراسة، ما يجعل كثيراً من الخريجين يدخلون سوق العمل دون امتلاك الخبرة المطلوبة.
تشبع ببعض التخصصات
كما لا تزال تخصصات مثل إدارة الأعمال، والمحاسبة، والحقوق، وبعض التخصصات الإنسانية، من أكثر المجالات التي تشهد منافسة مرتفعة نتيجة كثرة أعداد الخريجين مقارنة بحجم الطلب، وفي المقابل، تتزايد الحاجة إلى خريجي التعليم التقني والمهني، إضافة إلى التخصصات المرتبطة بالتحول الرقمي والاقتصاد الأخضر والخدمات اللوجستية والصناعات الحديثة.
هذا بدوره يعكس أهمية توجيه الطلبة منذ المرحلة الثانوية نحو التخصصات التي تمتلك فرص تشغيل مستقبلية أفضل.
هل تغير مفهوم الوظيفة؟
لم تعد الوظيفة التقليدية هي الخيار الوحيد أمام الخريجين كما كان الحال قبل عقدين، فقد فرض الاقتصاد الرقمي أنماطا جديدة من العمل، مثل العمل الحر عبر الإنترنت، والعمل عن بعد، وريادة الأعمال، وإنشاء المشاريع الصغيرة، والعمل مع شركات خارج الأردن دون الحاجة إلى مغادرة البلاد.
ورغم أن هذه الخيارات لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالتمويل والتدريب والثقافة المجتمعية، فإنها أصبحت تمثل مساراً حقيقياً لعدد متزايد من الشباب.
أصحاب العمل.. ماذا يريدون؟
وتشير اتجاهات التوظيف إلى أن أصحاب العمل لم يعودوا ينظرون إلى المعدل الجامعي وحده، بل أصبحوا يركزون على مجموعة من المهارات من بينها مهارات الاتصال والتواصل والعمل ضمن فريق والتفكير النقدي وحل المشكلات واستخدام التطبيقات الرقمية واللغة الإنجليزية وسرعة التعلم والتكيف إضافة إلى القدرة على الابتكار.
وبالتالي، فإن امتلاك هذه المهارات قد يمنح الخريج أفضلية حتى في حال تساوي المؤهلات الأكاديمية.
ولا تقتصر التحديات على محدودية الوظائف فقط، بل تمتد إلى عوامل أخرى، مثل التغير السريع في التكنولوجيا وتأثير الذكاء الاصطناعي على بعض المهن التقليدية فضلا عن تفاوت فرص العمل بين المحافظات وارتفاع تكاليف الانتقال والسكن اضافة إلى محدودية التدريب أثناء الدراسة والمنافسة المتزايدة بين الخريجين.
كما أن بعض القطاعات تشهد تغيراً متسارعاً في طبيعة الوظائف المطلوبة، ما يجعل التعلم المستمر ضرورة وليس خياراً.
ماذا ينتظر الخريجون؟
من المتوقع أن يستمر سوق العمل خلال السنوات المقبلة في التركيز على الوظائف المرتبطة بالتحول الرقمي، والاقتصاد الأخضر، والتكنولوجيا المالية، والخدمات الصحية، والطاقة، والتجارة الإلكترونية، إضافة إلى المهن التقنية والمهنية.
وبالمقابل، تزداد المنافسة في التخصصات التقليدية، الأمر الذي يجعل تطوير المهارات واكتساب الخبرة العملية عاملاً حاسماً في الحصول على فرصة عمل.
وستزداد أهمية التدريب أثناء الدراسة، والحصول على الشهادات المهنية، وبناء السيرة الذاتية من خلال العمل التطوعي أو التدريب الميداني، باعتبارها عناصر تعزز فرص التوظيف.
وعموما يبقى حلم الوظيفة قائماً لدى آلاف الخريجين، لكنه لم يعد يعتمد على الشهادة الجامعية وحدها. فالمعادلة تغيرت، وأصبحت تتطلب مزيجاً من المعرفة والمهارات والخبرة والمرونة والقدرة على مواكبة المتغيرات.
ورغم أن التحديات لا تزال كبيرة، فإن الفرص ليست غائبة، لكنها أصبحت أكثر ارتباطاً بالاستعداد المستمر للتعلم، والانفتاح على أنماط العمل الجديدة، والقدرة على التكيف مع اقتصاد سريع التغير.
ويبقى التحدي الأكبر أمام منظومة التعليم وسوق العمل في الأردن هو الوصول إلى معادلة تحقق التوازن بين أعداد الخريجين واحتياجات الاقتصاد الوطني، بما يضمن تحويل الشهادة الجامعية من مجرد وثيقة أكاديمية إلى بوابة حقيقية نحو مستقبل مهني مستدام.