الغد
اين يتجه الاقتصاد العالمي ونحن مانزال على أعتاب العام 2026 فالذهب في صعود متسارع اقتربت فيه أسعاره لغاية كتابة هذه السطور من 5600 دولار للأونصة تليه الفضة بحدود الـ120 دولارا للأونصة حيث يعتبر هذا الصعود تاريخيا وغير مسبوق، في الوقت الذي يواجه فيه الدولار الأميركي تراجعا لم يشهده منذ أربعة أعوام، وقد تكون هذه بداية لسلسلة تراجعات للدولار في الوقت الذي يرى فيه المحللون الماليون أن الاقتصاد الأميركي هو الذي يمنح الدولار قوته في التعاملات المالية، وهذا ما يفسر صعود أسعار الذهب إلى مستويات تاريخية وهذا يحصل عندما تضعف الثقة بالعملات الورقية كما هو حال الدولار اليوم وهذا يدفع بالمستثمرين للبحث عن أصول مادية كملاذات آمنة مثل الذهب والفضة وهذا ما أفقد الدولار جاذبيته بالنسبة للمستثمرين وزاد من ازمته وتراجعه أمام الضغط بزيادة الطلب على معدني الذهب والفضة، رغم وجود بعض الأصوات ومنها الرئيس الأميركي والذي يبدو بأنه غير مبال بتراجع قيمة الدولار لرغبته في أن يعزز هذا التراجع في قيمة الدولار الصادرات الأميركية التي أربكها قرارات ترامب برفع الرسوم الجمركية على العديد من دول العالم اضف لذلك ديونها التي تقترب من الـ40 ترليون دولار، أضف لذلك أن تراجع سعر صرف الدولار يؤثر على سيولة الأسواق المالية العالمية خاصة أسواق العملات، كما يؤثر على أسعار السلع والخدمات بشكل عام، وعلى تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة، وبالتالي تراجع أرباح الشركات والمنتجين لكون تدفقات رأس المال تؤثر على النتائج الاقتصادية الكلية على مستوى النظام العالمي بأسره، فأسعار الذهب والفضة بالشكل الذي تشهده اليوم لا يمثل تحولا عابرا في هيكلة النظام المالي العالمي بل هو تحولا جذريا في بنية هذا النظام وإعادة اعتبار للنظام النقدي المرتبك والمعتمد على نظام نقدي ذي القطب الواحد وهذا ما تخبئ تفاصيله وارتداداته لنا هذه التحولات المقترنة بالعام 2026.
فعودة إلى قرار البنك الفدرالي الأميركي للإبقاء على سعر الفائدة فالتأثير الذي يتركه هذا القرار قد يتجاوز حدود الولايات المتحدة حيث يؤثر على المشهد الاقتصادي العالمي بدءا من تكاليف الإقراض إلى تدفقات الاستثمار وأسعار صرف العملات مقابل الدولار والاهم كذلك هو التأثير على الأسواق المالية العالمية ثم التأثير المباشر على قرار الاستثمار للمستثمرين الذين يبحثون عن الأمان لاستثماراتهم، وبناء على ذلك فإن البنوك المركزية وكبار المستثمرين والمؤسسات المالية الكبرى جميعها تراقب قرارات البنك الفدرالي الأميركي وعلى ذلك يتم إعادة النظر بسياساتهم النقدية تماشيا مع الرغبة في المحافظة على الاستقرار النقدي العالمي بالحدود التي تحفظ عملية التوازن المالي العالمي، ورغم الثبات في سعر الفائدة من قبل البنك الفيدرالي الأميركي إلا أن مستوى التضخم في الاقتصاد الأميركي ما يزال عند مستويات مرتفعة مع تراجع للقدرة الشرائية للأفراد مما يوحي بأن الاقتصاد على وشك أن يدخل في مرحلة تباطؤ قبل نهاية العام الحالي 2026 وان معدلات البطالة كذلك مرشحة للارتفاع وقد يصل إلى مرحلة الانكماش في ظل هذه الأوضاع.
لهذا فإن سعر الفائدة التي يعتمدها البنك الفدرالي الأميركي يعتبر من أهم المؤشرات الاقتصادية على مستوى العالم، فهو يؤثر مباشرة إلى معظم الأسواق المالية العالمية وأسعار النفط والذهب والعملات المشفرة إضافة إلى اعتماد العديد من البنوك المركزية في دول العالم عليها لتحديد اتجاهات السياسة النقدية لبلدانهم.
ما يعنينا نحن العرب، هناك العديد من العملات العربية ترتبط بالدولار ثم أن الصادرات العربية إلى العالم الخارجي خاصة مادة النفط تقيم وتدفع بالدولار الأميركي لهذا فهي تتأثر بكل التطورات التي تطرأ على الدولار،هذا إذا علمنا أن صادرات الدول العربية إلى العالم الخارجي تقارب الـ تريليون دولار أي ما يمثل 5 % من حجم الصادرات العالمية، ونسبة الواردات تقارب الـ 4.5 % من حجم الواردات عالميًا، وأمام هذا الواقع فهناك مسؤولية تقع على كاهل القطاع المصرفي العربي بشقيه الإسلامي والتقليدي للاستعداد لأي تطورات يشهدها الاقتصادي العالمي لحماية اقتصادياتنا من أي تداعيات قد تطرأ على النظام النقدي العالمي.