أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    14-Jul-2026

النمو الاقتصادي ليس كافيا لقياس نجاح الاقتصادات*أحمد عوض

 الغد

كان مؤشر النمو الاقتصادي، وما يزال، موضع نقاش واسع في الأوساط الاقتصادية حول العالم، ليس بشأن أهميته فحسب، بل أيضاً بشأن حدوده في تقييم أداء الاقتصادات ونجاح السياسات العامة. فعلى الرغم من الاعتماد الكبير على معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بوصفه مؤشراً رئيسياً للتقدم الاقتصادي، فإنه لا يكشف، بمفرده، عن كيفية توزيع ثمار النمو، أو نوعية فرص العمل التي يولدها، أو أثره الفعلي في مستويات المعيشة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
 
 
ولا شك في أن النمو الاقتصادي ضروري لتوسيع الموارد المتاحة، وزيادة القدرة الإنتاجية، وخلق فرص اقتصادية جديدة. غير أن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي لا يؤدي تلقائياً إلى تحسين حياة غالبية السكان، ولا سيما في البلدان التي تعاني من ارتفاع معدلات البطالة والفقر وعدم المساواة. فقد ينمو الاقتصاد في الوقت الذي تتراجع فيه الأجور الحقيقية، وتتسع الفجوات بين الدخول، وترتفع تكاليف التعليم والصحة والسكن والنقل، وتظل فرص العمل اللائق محدودة.
وفي هذا السياق، يشكل تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر وحقوق الإنسان، الصادر في حزيران 2026، دليلاً إضافياً يدعم هذا الاتجاه في التفكير. إذ يوضح التقرير أن زيادة معدلات النمو الاقتصادي لا تترجم بالضرورة إلى خفض الفقر أو تحسين التمتع بالحقوق، ما لم تقترن بسياسات تضمن توزيعاً أكثر عدالة للموارد، وتعزز العمل اللائق، وتطور الخدمات العامة، وتوسع مظلة الحماية الاجتماعية.
فالأرقام الاقتصادية الكلية قد تخفي تفاوتاً كبيراً في توزيع عوائد النشاط الاقتصادي. وقد يتركز النمو في قطاعات كثيفة رأس المال أو محدودة القدرة على التشغيل، فلا يولد أعداداً كافية من فرص العمل. كما قد تذهب الحصة الكبرى من عوائده إلى شركات وفئات اجتماعية محدودة، بينما تواصل الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط مواجهة ضغوط ارتفاع الأسعار، وضعف الأجور، وتراجع جودة الخدمات العامة.
ومن هنا، لا يمكن تقييم أداء الاقتصاد من خلال معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي وحده. فالتقييم الأكثر دقة يتطلب اعتماد منظومة أوسع من المؤشرات، تشمل معدلات البطالة والفقر، ومستويات الأجور الحقيقية، ومدى شمول الحماية الاجتماعية وكفايتها، وجودة خدمات التعليم والصحة والسكن والنقل، فضلاً عن قياس الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين الفئات والمناطق المختلفة.
كما أن نوعية النمو لا تقل أهمية عن معدله. فالنمو القائم على الأجور المنخفضة، والعمل غير المنظم، وضعف الحماية الاجتماعية والعمالية، واستنزاف الموارد الطبيعية، قد يحقق نتائج رقمية مؤقتة، لكنه يراكم اختلالات اقتصادية واجتماعية يصعب معالجتها على المدى الطويل. أما النمو المستدام والعادل، فينبغي أن يقوم على تطوير القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة، وتوفير فرص العمل اللائق، وبناء نظام ضريبي أكثر عدالة، وتعزيز الخدمات العامة، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية.
ولا تتمثل القضية، إذن، في التقليل من أهمية النمو الاقتصادي أو الدعوة إلى التخلي عنه، بل في إعادة تحديد موقعه ضمن منظومة أوسع من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية. فالنمو ليس غاية مستقلة، بل وسيلة لتحسين حياة الناس، وتوسيع خياراتهم، وتعزيز أمنهم الاقتصادي والاجتماعي.
وعليه، تقاس السياسة الاقتصادية الناجحة بقدرتها على تحويل النمو إلى دخول أفضل، ووظائف أكثر استقراراً، وخدمات عامة أعلى جودة، وحماية اجتماعية أوسع، ومستويات أقل من الفقر وعدم المساواة. أما ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي من دون تحسن ملموس في حياة غالبية السكان، فيظل إنجازاً رقمياً محدود الدلالة الاقتصادية والاجتماعية.