دمج القطاع الخاص بتطوير مشاريع الطاقة.. خطوة إستراتيجية نحو الاستدامة
الغد-رهام زيدان
أكد خبراء أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه القطاع الخاص في تطوير مشاريع الطاقة في إطار رؤية التحديث الاقتصادي باعتباره مشغلا رئيسيا لمحطات التوليد في الأردن.
وأوضح الخبراء أن قطاع الطاقة يعد في الأصل أحد أكثر القطاعات ارتباطا بأهداف النمو والاستدامة وجذب الاستثمار، إذ تكمن أهمية تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص خصوصا في القطاعات كثيفة الاستثمار مثل الطاقة.
الاستثمار الخاص ودوره في تطور النظام الكهربائي
قال المدير العام الأسبق لشركة الكهرباء الوطنية عبد الفتاح الدرادكة "لا يمكن الحديث عن تطور النظام الكهربائي الأردني دون التوقف عند حجم وأهمية الاستثمارات الخاصة، سواء في مشاريع الطاقة التقليدية أو المتجددة".
وأوضح الدرادكة أن القطاع الخاص سواء المحلي أو الدولي يعد اليوم المشغل الرئيسي لمحطات التوليد التقليدية محليا، بقدرة تتجاوز 2500 ميجاواط، أقيمت جميعها وفق نموذج البناء والتملك والتشغيل (BOO) لفترات تمتد عادة إلى 26 عاما. وأشار إلى أن هذا النموذج لم يكن مجرد شراكة مالية، بل كان شراكة في إدارة النظام الكهربائي ذاته، إذ إن جاهزية محطات التوليد الخاصة تُعد جزءا أساسيا في ضمان عدم حدوث انقطاعات كهربائية، وهي مسؤولية مشتركة بين المستثمر والحكومة، يُنظمها إطار تعاقدي واضح يحدد الالتزامات الفنية والتشغيلية.
وقال الدرادكة إن "هذه المشاريع ساهمت في رفع كفاءة النظام الكهربائي إلى مستويات غير مسبوقة إقليميا، وأصبحت الأردن من الدول القليلة التي حققت استقرارا كهربائيا رغم التحديات الاقتصادية والموارد المحدودة".
ريادة الأردن في التحول نحو الطاقة المتجددة
ومع دخول العالم في مرحلة التحولات في الطاقة ومشاركة الطاقات المتجددة في الأنظمة الكهربائية، كان للأردن السبق في المنطقة بحسب الدرادكة، الذي بين أن المملكة فتحت باب الاستثمار أمام مشاريع الرياح والطاقة الشمسية، وجذبت شركات عالمية طموحة نقلت معها الخبرات والتقنيات، وأسهمت في بناء محطات متطورة باتت تُعد نماذج يحتذى بها على مستوى الإقليم.
كما أكد الدرادكة على أن إدخال القطاع الخاص الأردني، بمرونته وقدرته على الابتكار في تمويل وإدارة مشاريع التوليد، سيشكل مخرجا استراتيجيا ليس فقط لقطاع الكهرباء، بل للاقتصاد الوطني ككل، علما أن رؤية التحديث الاقتصادي أولت هذا القطاع أهمية وأولوية من خلال المشاركة الفعالة للقطاع الخاص في ورش وبرامج عملها.
وقال "إذا ما تحقق ذلك، فإن الأردن سيكون قادرا على الجمع بين كفاءة الإدارة الخاصة، واستدامة التمويل المحلي، واستقرار المنظومة الاقتصادية".
القطاع الخاص شريك أساسي في رؤية التحديث الاقتصادي
من جهته، قال الخبير والمستثمر في قطاع الطاقة د.فراس بلاسمة إن "القطاع الخاص كان شريكا أساسيا، وليس مكملا في تنفيذ مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي، ولا سيما في قطاع الطاقة، إذ شكل خلال العقد الماضي المحرك الرئيس للتوسع في التوليد الكهربائي، وبخاصة في مشاريع الطاقة المتجددة".
وأوضح أن هذا القطاع نجح في إستقطاب التمويل وتنفيذ المشاريع بكفاءة، ما أسهم في رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى ما يقارب ربع مزيج التوليد الكهربائي الوطني، مستفيدا من أطر تشريعية وتنظيمية أتاحت نماذج التوليد المستقل والشراكات طويلة الأجل.
تحديات المنظومة الكهربائية
وأشار بلاسمة إلى أن هذا الدور، على أهميته، اصطدم بحدود المنظومة المؤسسية والسوقية القائمة، وليس بقدرات القطاع الخاص نفسه، إذ لم تكن التحديات الأساسية مرتبطة بإنشاء محطات توليد جديدة، بقدر ما تعلقت بقدرة النظام الكهربائي على الاستيعاب والتشغيل المستدام، بما يشمل مرونة الشبكة، وإدارة الأحمال، والحوكمة المالية، وآليات النفاذ العادل إلى السوق.
وبين أن القطاع الخاص أدى دوره في مرحلة البناء، فيما تأخر استكمال دور الدولة في إعادة هندسة المنظومة بما يضمن استدامة الاستثمار دون تحميل المالية العامة مخاطر إضافية، لافتا إلى أن رؤية التحديث الاقتصادي قامت على إعادة تعريف وظيفة الدولة من منفذ مباشر إلى منظم ومُمكن، وعلى إعتبار القطاع الخاص أداة النمو الرئيسية.
نماذج التوليد المستقل
وفي قطاع الطاقة، ظهر ذلك وفقا لبلاسمة عبر تبني نماذج التوليد المستقل، والشراكات طويلة الأجل، وتمويل المشاريع خارج الموازنة العامة، إلى جانب نقل المخاطر الفنية والتمويلية إلى المستثمرين، الأمر الذي أسهم في تخفيف الأعباء عن الخزينة وتحسين كفاءة تنفيذ المشاريع.
وبين بلاسمة أن مساهمة القطاع الخاص انعكست عبر مؤشرات ملموسة، أبرزها التوسع السريع في القدرة المركبة لمشاريع الطاقة الشمسية والرياح خلال فترة زمنية قصيرة، وارتفاع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج التوليد إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيا في الأردن.
وبين بلاسمة أن البرنامج التنفيذي 2026–2029 في قطاع الطاقة ركز على توسيع مشاريع الطاقة المتجددة والتوليد اللامركزي، مع افتراض دور محوري للقطاع الخاص، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في جاهزية الاستثمار أو توفر التمويل، بل في فجوة تشريعية وتنظيمية تعيق مشاركة طويلة الأجل منخفضة المخاطر.
وقال بلاسمة "فيما يشمل البرنامج تحديث شبكات النقل والتوزيع، والتخزين الكهربائي، وإدارة الطلب، وكفاءة الطاقة، تبقى مشاركة القطاع الخاص محدودة بسبب غياب نماذج عائد واضحة وارتفاع المخاطر التنظيمية. فالشبكة ما تزال تُدار كمرفق حكومي مغلق، والتخزين يفتقر لتعريف قانوني صريح، ما يضع الاستثمارات في دائرة الغموض".
وعليه، قال بلاسمة إن "التدخل التشريعي أصبح ضرورة عبر استحداث إطار شراكة حقيقي للبنية التحتية الكهربائية، تنظيم سوق الخدمات المساندة والتخزين، وتمكين عقود المرونة وكفاءة الطاقة، بما يعيد ضبط دور القطاع الخاص كشريك استثماري فعلي لا مجرد منفذ للمشاريع".
مستهدفات استثمارية حتى عام 2033
إلى ذلك، قالت الخبيرة في مجال الاقتصاد الأخضر والتغير المناخي والاستدامة م.شدى الشريف إن "من أبرز مستهدفات محور التحليل الاقتصادي يتمثل في استهداف استثمارات تُقدر بنحو 1.4 مليار دينار حتى عام 2033، على أن يأتي الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات عبر شراكة فاعلة مع القطاع الخاص، إلى جانب الاستثمار الحكومي". وأوضحت الشريف أن هذا التوجه يعكس أحد الأهداف الرئيسية لرؤية التحديث الاقتصادي، والمتمثل في إشراك القطاع الخاص في مختلف المجالات والقطاعات، سواء من خلال الاستثمار المباشر أو عبر مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وأضافت "الأردن يمتلك قصة نجاح يمكن البناء عليها، لا سيما في قطاع الطاقة" مشيرة إلى أن صدور تشريعات الطاقة المتجددة عام 2012 أسهم في فتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية والدولية والمحلية في مشاريع الطاقة المتجددة، التي استقطبت مئات الملايين من الدنانير، لتتجاوز قيمتها لاحقا مليار دينار.
وأكدت أن الوضوح التشريعي يعد عاملا حاسما في جذب استثمارات القطاع الخاص، لما يوفره من تطمينات وثقة للاستثمار في قطاعات محددة، لافتة إلى أن تجربة الطاقة المتجددة يمكن تكرارها في قطاعات أخرى، استنادا إلى النجاح الذي حققه الأردن، والذي أوصله إلى مصاف الدول الرائدة في هذا المجال، مع وصول مساهمة الطاقة المتجددة إلى نحو 27 % من مزيج الكهرباء.
تشريعات الطاقة المتجددة كنقطة تحول
وأضافت الشريف "رؤية التحديث الاقتصادي وبرنامجها التنفيذي الجديد يتضمنان عددا من الاستثمارات الرئيسية في عدة قطاعات، من بينها قطاع الطاقة، الذي يشمل استثمارات متوقعة في مجالات الهيدروجين الأخضر، وتوليد الطاقة، وكفاءة الطاقة، إلى جانب النقل الكهربائي، ومشاريع إدارة النفايات في قطاعات المياه والزراعة" مؤكدة أن الفرص الاستثمارية في هذه المجالات لا تزال قائمة وواعدة.
وأعلنت الحكومة الأسبوع الماضي، عن تفاصيل البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026 – 2029، مؤكدة في ذلك الوقت، أنه تم تحديد جميع تفاصيل وبنود البرنامج التنفيذي للحكومة.
ويتضمن البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026 – 2029 محاور اقتصادية عدة، من ضمنها محور الموارد المستدامة الذي تقدر كلفته التأشيرية بحسب البرنامج بـ1.8 مليار دينار، منها إنشاء محطتين لتوليد الطاقة الكهربائية بنظام الدورة المركبة باستطاعة 700 ميجاواط لكل محطة، وتنفيذ مشاريع للطاقة المتجددة باستطاعة 300 ميجاواط، ومشاريع تخزين الطاقة بواسطة البطاريات باستطاعة 400 ميجاواط/الساعة، علما أن هذا المحور يشمل أيضا مشاريعا تتعلق بقطاع المياه.
وخصصت موازنة العام الحالي ما يقارب 57.5 مليون دينار للنفقات الرأسمالية في وزارة الطاقة والثروة المعدنية مقارنة، مع 17 مليون دينار المعاد تقديرها للعام الماضي، إذ ارتفعت مخصصات المشاريع الرأسمالية بنسبة 238 % وتم توجيه جميع المخصصات التي بلغت 57.5 مليون لاستكمال تنفيذ 20 مشروعا العام المقبل.