دافوس .. وشكل الاقتصاد العالمي*حسام عايش
الدستور
لا ينظر لمنتدى دافوس، ومنذ تأسيسه في 1971، باعتباره تجمعا سنويا للنخب الاقتصادية والسياسية فقط، بل كمنصة لطرح الافكار الاقتصادية والتكنولوجية والمعرفية والاستثمارية والتجارية والسياسية، حيث تعقد الصفقات وتبنى التحالفات وبالذات غير المعلنة.
كما أن كثيرا من السياسات العابرة للحدود ولدت على هامش جلساته، وكثير من التحولات في توجهات الأسواق والقطاعات الصناعية سبقتها إشارات خفية في جلساته الحوارية، وكلمات المتحدثين فيه، ما جعله آداة غير رسمية لتوجيه الاقتصاد العالمي، ومختبرا للأفكار والمصطلحات التي عادة ما تسعر المخاطر القائمة والمحتملة، وتصيغ التصورات الجديدة لمستقبل الاقتصاد العالمي بانتقالها من مستوى النخبة إلى السياسات العامة للدول، أو المؤسسات المالية الدولية ومنها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما .
في السنوات الأخيرة، تعزز، هذا الدور، مع تصاعد الثورة الصناعية الرابعة- انتقلت البشرية من الميكنة المعتمدة على البخار في الثورة الأولى، إلى الإنتاج الضخم المعتمد على الكهرباء في الثانية، وإلى الرقمنة المعتمدة على الحواسيب والانترنت في الثالثة، وإلى الذكاء الاصطناعي والانظمة الذكية والبيانات التي تدمج العالمين الرقمي مع المادي والبيولوجي في الرابعة - وما حملته من تحولات جذرية في بنية الإنتاج والعمل والقيمة وكثافة استخدام المعرفة عوض كثافة استخدام العمالة كما في الثورات السابقة لها؛ ما جعل من موضوعاتها التقنية والرقمية والذكية قضايا اقتصادية وأمنية سيادية.
الحالة العالمية الجديدة هذه، حولت دافوس إلى منصة تفاوض ضمني حول من يملك هذه التكنولوجيا، ومن يتحكم بسلاسلها، وهو تفاوض يدور بين الأقوياء بأشكال مختلفة، لكن في الوقت عينه كان متفقا عليه من يدفع الكلفة، حيث بينت تقارير اوكسفام وغيرها أن نحو 3000 ملياردير يمتلكون ثروة مجمعة تبلغ حوالي 18.3 تريليون دولار، بارتفاع زاد عن 80 ٪ منذ 2020، وان ما يقرب من نصف سكان العالم يعيشون في الفقر، فافقر 50 ٪ من هؤلاء يمتلكون حوالي 2 ٪ فقط من إجمالي الثروة العالمية، في حين يسيطر اغنى 10 ٪ على اكثر من ثلاثة أرباعها .
هذا التفاوض يتجلى بمنتدى 2026 –يعقد تحت شعار روح الحوار بما فيه من تعاون ونمو وابتكار وازدهار، بمشاركة نحو 3000 مشارك من أكثر من 130 دولة بينهم 64 رئيس دولة وحكومة وأكثر من 1700 من كبار قادة الأعمال ورواد التكنولوجيا، ونحو 33 وزير خارجية، و34 وزير تجارة وصناعة، و11 محافظ بنك مركزي، وغيرهم-الذي ترى فيه الولايات المتحدة فرصة لتكريس التفاوت على مشهد من الجميع.
لذلك، كل المعطيات تشير، إلى أن دافوس، سينتقل من كونه منصة تعاون إلى منصة لإعادة صياغة العالم القائم على القواعد إلى عالم قائم على الصفقات أي من صيغة نحن إلى صيغة أنا.
هذا التحول، يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة المنتدى ودوره المستقبلي. فبينما يفترض أن يكون مساحة لعرض الاختلاف، واحترام الرأي الآخر، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وتيسير التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والمناخية والذكية الكبرى، فانه يميل وبشكل وأضح للتعبير عن مصالح النخب وأصحاب رؤوس المال، حيث مراكز القرار الفعلية باتت محكومة بمنطق القوة والهيمنة، والقدرة على التحكم بالتكنولوجيا والأسواق.
والأخطر، أن يتحول هو وغيره ، من أدوات لتقليص الفجوات، إلى أدوات لإعادة إنتاجها. فالحمائية الاقتصادية التي تتغلف بلغة الأمن القومي، والتحول الأخضر، والسيادة الرقمية والذكية، ستؤدي إلى تهميش الدول الضعيفة والصغيرة والنامية وحتى الناشئة، وحرمانها وشعوبها من فرص النمو.
كما أن تسليع المخاطر، وتسعير الأزمات، قد يجعل من عدم الاستقرار نفسه فرصة استثمارية للنخبة على حساب الاستقرار الاجتماعي للدول والشعوب.
لعل، السؤال، ليس ما الذي سيناقش في دافوس2026، بل أي عالم سيخرج من هذه النقاشات حيث دافوس في جوهره مرآة مكبرة تكشف الاتجاهات قبل أن تتجسد سياسيا واقتصاديا وتكنولوجيا، هل سيكون نظام دولي عادل ومتوازن، ام عالم تكريس الهيمنة عبر صياغتها بقوالب جديدة تكنولوجية ومالية وذكية؟ الإجابات ستحدد ليس فقط مستقبل المنتدى؛ بل شكل الاقتصاد العالمي في السنوات القادمة.