أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    29-Sep-2026

الاقتصاد الوطني.. مرونة وتماسك رغم اضطراب الإقليم

 الغد-عبد الرحمن الخوالدة

 في وقت تفرض فيه التطورات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة ضغوطا متزايدة على اقتصادات الدول، تبرز مؤشرات الاقتصاد الأردني بوصفها دليلا على قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات واحتواء تداعياتها، وهو ما عززته شهادة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بأن الاقتصاد الأردني أظهر "مرونة ملحوظة" خلال النصف الأول من العام الحالي، رغم التداعيات السلبية للصراع في الشرق الأوسط واضطرابات إمدادات الطاقة والسياحة وحركة التجارة والملاحة.
 
 
وتكتسب هذه الشهادة أهمية إضافية في ضوء استمرار الاقتصاد الأردني في تسجيل معدلات نمو إيجابية، إذ بلغ النمو 2.9 % خلال الربع الأول من العام الحالي، بعد أن سجل 2.8 % في عام 2025 و2.5 % في عام 2024، بالتزامن مع بقاء الاحتياطيات الأجنبية عند مستويات مريحة، واستمرار تدفقات حوالات العاملين وتحسن عدد من المؤشرات المرتبطة بالتجارة والنشاط الاقتصادي، ما يعكس قدرة نسبية على الحفاظ على الاستقرار في بيئة إقليمية اتسمت بدرجة مرتفعة من عدم اليقين.
ويرى خبراء اقتصاديون أن توصيف البنك الأوروبي للمرونة الأردنية لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد إشادة بأداء ظرفي، وإنما كمؤشر على قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات والتكيف معها والعودة إلى مسار النمو عند تحسن الظروف، مستفيدا من تنوع قاعدته الإنتاجية ومصادر الطاقة، ومن السياسات النقدية والاقتصادية والإجراءات التي اتخذت خلال السنوات الماضية لتعزيز قدرته على مواجهة الأزمات.
وأشار هؤلاء الخبراء في تصريحات لـ"الغد" إلى أن الاقتصاد الأردني واجه خلال السنوات الماضية أزمات وتحديات متعاقبة، من تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية إلى تداعيات الحرب على غزة والتوترات الإقليمية الراهنة، ومع ذلك حافظ على قدر من الاستقرار في مؤشرات الاقتصاد الكلي، فيما ساعدت قطاعات مختلفة على تعويض التراجع في القطاعات الأكثر تأثرا بالأحداث، الأمر الذي يعزز أهمية "المرونة"، باعتبارها إحدى نقاط القوة التي يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة.
البنك الأوروبي: مرونة رغم تداعيات الحرب في المنطقة 
وأكد البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أن الاقتصاد الأردني تمتع بـ"مرونة ملحوظة" خلال النصف الأول من العام 2026 رغم التداعيات السلبية للصراع في الشرق الأوسط، وسط مواصلته النمو الاقتصادي بنسبة
 2.9 % على أساس سنوي في الربع الأول، مدفوعا بنشاط قوي في قطاعات الزراعة والصناعة التحويلية والتجارة.
وأشار البنك في  تقرير الآفاق الاقتصادية الإقليمية، الذي أصدره مؤخرا، إلى أن الاقتصاد الأردني حافظ على قدرته على الصمود رغم اضطرابات مؤقتة في إمدادات الطاقة وقطاع السياحة خلال آذار على خلفية الصراع في الشرق الأوسط.
وبين أن النشاط القوي في الزراعة والصناعة التحويلية والتجارة عوض جزئيا تباطؤ النشاط في قطاعات التعدين والإنشاءات والخدمات المرتبطة بالسياحة.
واستعرض التقرير مسار النمو الاقتصادي الأردني الذي سجل نموا بنسبة 2.8 % في عام 2025، مقارنة مع 2.5 % في عام 2024، قبل أن يتسارع النمو إلى 2.9 % على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام الحالي.
من جهة أخرى، أوضح  التقرير أن الاحتياطيات الدولية للأردن بقيت عند مستويات وصفها البنك بـ"المريحة"، إذ بلغت 26.5 مليار دولار، ما يعادل 23 مليار يورو، في تموز (يوليو) 2026، بما يغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات.
وفي ما يتعلق بالقطاع الخارجي، أشار التقرير إلى تقلص عجز الحساب الجاري في الربع الأول من العام 2026 نتيجة انخفاض الواردات وقوة تحويلات العاملين، على الرغم من تراجع صادرات السلع وإيرادات السياحة، إلا أن عجز الميزان التجاري اتسع في فترة لاحقة نتيجة إعادة تقييم الذهب وارتفاع الإنفاق على واردات الطاقة.
وبالانتقال إلى الأسعار، بين تقرير البنك أن ارتفاع أسعار الوقود دفع التضخم إلى ذروة بلغت 2.8 % في أيار، قبل أن يتراجع إلى 2.7 % في تموز(يوليو) الماضي. 
وعلى المستوى الإقليمي، أشار البنك إلى تباين أداء اقتصادات جنوب وشرق المتوسط، إذ أظهر الأردن ومصر مرونة ملحوظة في النصف الأول من العام رغم التداعيات السلبية للصراع في الشرق الأوسط.
وفي المقابل، قال التقرير إن لبنان تضرر بشدة من الحروب داخله وفي أنحاء المنطقة، ما تسبب بمزيد من الأضرار للبنية التحتية، فيما استمرت صادرات النفط العراقية في التأثر بإغلاق مضيق هرمز في ظل غياب بدائل قابلة للتطبيق على المدى القصير.
وقال الخبير الاقتصادي، حسام عايش، إن الشهادات الدولية حول أداء الاقتصاد الأردني تأتي بصورة متناغمة، وتؤكد قدرة الاقتصاد على استيعاب التداعيات والصدمات، ومرونته في الاستجابة للتحديات المختلفة، بما يوفر أرضية لعودة النشاط الاقتصادي سريعا إلى مساره الطبيعي بعد انتهاء التداعيات أو تراجع حدتها. وأضاف عايش، إن الرهان يبقى على تحقيق أداء اقتصادي أفضل ونمو أكبر وزيادة وتيرة الفاعلية الاقتصادية، خصوصا مع عودة الأوضاع إلى طبيعتها، مشيرا إلى أن الاقتصاد الأردني أثبت خلال السنوات الماضية، في مواجهة تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والحرب على غزة، وكذلك التطورات الحالية المرتبطة بالتوترات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، قدرة على التعامل مع الصدمات واستعادة نشاطه.
وأوضح أن هذه المرونة تكتسب أهمية أكبر في ظل حالة عدم اليقين والضبابية التي تفرضها التطورات الجيوسياسية والجيو-اقتصادية، إذ يرى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أن الاقتصاد الأردني يواصل التطور حتى في ظروف عدم اليقين، وبمؤشرات تعكس قدرته على تجاوز الصعوبات وتحقيق نتائج نمو لافتة، لافتا إلى أن نمو الاقتصاد بنسبة 2.9 % في الربع الأول من العام الحالي يتجاوز مستويات النمو المسجلة في العامين السابقين.
وأشار عايش إلى أن قراءة أداء الاقتصاد الأردني لا ينبغي أن تقتصر على أثر الأحداث الإقليمية الآنية، وإنما يجب أن تشمل قدرته على استيعاب التداعيات والعودة السريعة إلى مستويات أفضل من النمو والأداء مع تحسن الظروف الإقليمية، مبينا أن حوالات العاملين في الخارج، إلى جانب مؤشرات أخرى، أسهمت في دعم ميزان المدفوعات والتعويض جزئيا عن تراجع إيرادات السياحة، التي تعد من القطاعات الأكثر تأثرا بحالات عدم اليقين والاضطرابات الإقليمية.
واعتبر أن شهادة البنك الأوروبي تحمل أهمية خاصة في هذا التوقيت، باعتبارها رسالة إيجابية غير مباشرة للمستثمرين ورؤساء الشركات والأعمال الأوروبيين المشاركين في مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي المقرر عقده في تشرين الثاني المقبل، مفادها أن تقييم الاقتصاد الأردني لا ينبغي أن يرتبط فقط بالظروف الاستثنائية والاضطرابات الإقليمية، وإنما بقدرته الأساسية على الصمود والتعافي واستعادة النمو.
التعامل مع الأزمات الاقتصادية والجيوساسية.. خبرة أردنية متراكمة
وبدوره، يرى الخبير الاقتصادي منير دية أن تراكم خبرة الاقتصاد الأردني في التعامل مع أزمات اقتصادية وصحية وسياسية متعاقبة خلال السنوات الماضية أكسبه قدرة أكبر على التأقلم مع الصدمات، إلى جانب وجود احتياطيات أجنبية ومخزونات من السلع الأساسية توفر هامش أمان لفترات عدة وتحد من احتمالات حدوث نقص في الأسواق، وهو ما يفسر شهادة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بتمتع الاقتصاد الأردني بـ"المرونة الملحوظة" خلال الأزمة الحالية في الشرق الأوسط.
وأشار دية إلى أن معدلات النمو الاقتصادي بقيت عند مستويات تقارب 2.8 %، فيما تجاوزت الاحتياطيات الأجنبية 26 مليار دولار، إلى جانب ارتفاع قيمة الصادرات الوطنية وانخفاض العجز في الميزان التجاري، واستقرار معدلات التضخم ضمن مستويات تقارب 2.5 %، فضلا عن تحسن مؤشرات الدخل السياحي وحوالات العاملين في الخارج وانخفاض معدلات البطالة.
ويرى أن تتابع هذه المؤشرات عزز ثقة المؤسسات الدولية بالاقتصاد الأردني، سواء البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أو البنك الدولي أو وكالات التصنيف الائتماني، وأكد قدرته على الصمود وإظهار المرونة وامتصاص تداعيات الأزمات، بما في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد والتوريد والشحن، وتأثر حركة الملاحة والطيران وانعكاسات ذلك على قطاعات السياحة والنقل وغيرها.
ويعزو دية هذه القدرة، إلى حد كبير، إلى السياسات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة منذ بداية الأزمة، إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية المنبثقة عن رؤية التحديث الاقتصادي، والتي أسهمت في تعزيز تنوع الاقتصاد الأردني ورفع قدرته على التعامل مع الصدمات.
وبين أن تنوع مصادر الطاقة، بما في ذلك المصادر المحلية والمستوردة، ساعد على استمرار إمدادات الطاقة دون انقطاعات مؤثرة، فيما واصلت القطاعات الاقتصادية المختلفة، من الصناعات الغذائية والتحويلية والزراعة إلى الخدمات والتجارة والنقل، أداءها، الأمر الذي أتاح تعويض جزء من التراجع في القطاعات الأكثر تأثرا بالتداعيات الإقليمية.
وأكد أن هذا التنوع في القطاعات الاقتصادية ومصادر الدخل والطاقة يمثل أحد عناصر قوة الاقتصاد الأردني، إذ يتيح للقطاعات الأقل تأثرا تعويض جزء من الانخفاض الذي قد يصيب القطاعات المتضررة، مشيرا إلى أن الإجراءات الحكومية المتعلقة بتسهيل تدفق السلع وتقليل أعباء الشحن، إلى جانب استمرار عمل ميناء العقبة على مدار الساعة، أسهمت في الحد من آثار اضطرابات حركة التجارة والملاحة. ولفت دية إلى أن حركة الترانزيت سجلت نموا كبيرا، بالتزامن مع تعزيز انفتاح الأسواق المجاورة، ولا سيما العراق وسورية ودول الخليج، والاستفادة من ميناء العقبة في نقل الحاويات إلى هذه الأسواق، ما عزز موقع الأردن كمركز لوجستي، وحافظ على حركة التجارة الإقليمية في ظل التحديات التي تواجه الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.
العوامل المساهمة  في  تجاوز الاقتصاد الأردني التحديات الإقليمية
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي موسى الساكت أن شهادة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بشأن أداء الاقتصاد الأردني خلال النصف الأول من العام الحالي مهمة، كونها تؤكد أن الاقتصاد أظهر قدرة واضحة على الصمود والمرونة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وأشار الساكت إلى أن تسجيل الاقتصاد نموا بنسبة 2.9 % في الربع الأول من العام الحالي، رغم اضطرابات مصادر الطاقة وتراجع الإيرادات في قطاع السياحة، يمثل مؤشرا إيجابيا على امتلاك الاقتصاد مقومات حقيقية للاستقرار والقدرة على مواصلة النشاط في مواجهة الصدمات الخارجية.
وأوضح أن الدلالة الأبرز لهذه الشهادة تتمثل في قدرة الاقتصاد الأردني على امتصاص التداعيات الخارجية، لافتا إلى أن وجود احتياطيات أجنبية تبلغ نحو 26.5 مليار دولار وتغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، إلى جانب الاستقرار النسبي في معدلات التضخم وتحسن الحساب الجاري، يوفر هوامش أمان مهمة للاقتصاد الوطني.
وبين أن عدة عوامل أسهمت في تجاوز الاقتصاد الأردني للتحديات الإقليمية، في مقدمتها تنوع هيكله وعدم اعتماده على قطاع اقتصادي واحد، إذ عوض نمو قطاعات الزراعة والصناعة التحويلية والتجارة جزءا من التراجع في التعدين والإنشاءات والخدمات المرتبطة بالسياحة.
وأضاف، إن قوة الاحتياطيات والتحويلات المالية ومرونة القطاع المالي، إلى جانب وجود بنية اقتصادية ومؤسسية مستقرة واستمرار الإصلاحات الاقتصادية، شكلت مجتمعة عوامل ساعدت الاقتصاد على امتصاص تداعيات الصدمات الإقليمية والحفاظ على استقراره.
وشدد الساكت على أن هذه المرونة يجب ألا تكون مدعاة للاكتفاء بما تحقق، وإنما فرصة للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى استثمار الفرص، خصوصا في مجالات الصناعة والتصدير والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والاستثمار، بما يتيح تحويل موقع الأردن واستقراره إلى محرك أكبر للنمو وخلق فرص العمل، وهو ما دعا إليه جلالة الملك من على منبر الأمم المتحدة في خطابه الأخير.