"الاقتصاد الدائري".. هل يحقق المأمول منه بتحويل المخلفات الزراعية إلى منتجات بيولوجية قيمة؟
الغد-عبدالله الربيحات
في إطار تحويل المخلفات الزراعية إلى منتجات بيولوجية عالية القيمة، والاستفادة منها بيئيا واقتصاديا، جاء إطلاق مشروع "نحو الاقتصاد الدائري في القطاع الزراعي" (أورينتيت) الشهر الحالي كبداية مهمة، يتطلع القائمون عليه لأن يحقق المأمول منه.
وقد أُطلقت أعمال الاجتماع الافتتاحي للمشروع التابع للمركز الوطني للبحوث الزراعية، بالشراكة مع خمس دول هي: إيطاليا وإسبانيا والأردن وتركيا ولبنان، في مسعى منها لتطوير نظم الزراعة المستدامة والدائرية، في نطاق تعزيز الاقتصاد الدائري الزراعي بمنطقة البحر الأبيض المتوسط، بحيث سيركز على نحو خاص على تطوير ممارسات دائرية في قطاعات الحمضيات والزيتون في الأردن ودول المتوسط الأخرى، انطلاقا من الخبرات القائمة في دول أوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا.
ويعتبر المشروع جزءا من مشاريع ضمن برنامج التعاون المتوسطي، الذي يعزز المبادرات البيئية والتنموية عبر الحدود، بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي ضمن برنامج Interreg NEXT MED، وقد بلغت ميزانيته 2.5 مليون يورو، تُمول المفوضية الأوروبية 89 % منها.
تمويل ذاتي
خبراء في الزراعة قالوا إن نجاح المشروع الحقيقي سيقاس بقدرة القطاع الزراعي المحلي على توسيع نطاق عمله وأن يكون تمويله ذاتيا، وجعله جزءا من نظام ابتكار وطني يضع البحث العلمي في خدمة الاقتصاد الدائري، عبر نماذج وحلول مبتكرة تسهم بتحسين إدارة النفايات الزراعية ورفع كفاءة استغلال الموارد، تماشيا مع توصيات دراسات دولية "منظمة الأغذية والزراعة (فاو) والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة".
ولتحقيق هذا الحلم، بينوا أن المشروع يجب أن يحصل على تمويل، وهذا تحدٍ جوهري لنجاحه، إذ لا يمكن بقاؤه رهينا للمنح الخارجية، لذا يجب ابتكار حلول تمويلية وطنية مستدامة، عبر دفع المؤسسات المالية والمصرفية إلى تطوير أدوات تمويلية خضراء مبتكرة، وتشجيع الاستثمار الخاص المحلي والعربي في هذا المجال، عبر تقديم حوافز ضريبية وجمركية، وإنشاء صندوق وطني للاقتصاد الدائري يُغذى من مصادر متعددة، ليكون ركيزة لدعم الأفكار الريادية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة في هذا المضمار. وأشاروا إلى أهمية ربط مخرجات البحث العلمي الوطني بالجامعات والمراكز البحثية الوطنية؛ فالمشروع جسر مثالي لتحويل أوراق الأبحاث الجامعية والمراكز إلى تطبيقات عملية في الميدان، داعين لأن تكون هناك شراكة عضوية بين المراكز البحثية مثل "الوطني للبحوث الزراعية" والقطاع الخاص والمزارعين، لتوجيه البحث نحو حلول للمشكلات الحقيقية، وتطوير تكنولوجيات مناسبة محليا وذات تكلفة معقولة.
مفهوم الاقتصاد الدائري
الخبير الدولي في الأمن الغذائي د. فاضل الزعبي، بيَّن أنه بإطلاق مشروع "أورينتيت" أشار إلى أن الأردن يخطو نحو تبني مفهوم الاقتصاد الدائري في القطاع، بالشراكة مع خبرات أوروبية رصينة.
وبرغم تركيز المشروع الحالي على سلاسل قيمة الزيتون والحمضيات فقط، وهما قطاعان حيويان، لكن أهميته تتجاوزهما لتشير إلى مسار وطني ضروري، يجب أن نسير عليه بجدية وعزم.
وأضاف الزعبي، إن تحويل مخلفات هذين القطاعين، مثل جفت الزيتون وقشور الحمضيات، من عبء بيئي واقتصادي إلى منتجات عالية القيمة، يثبت جدوى النموذج الدائري وقدرته على خلق فرص اقتصادية وبيئية حقيقية، مبينا أن هذه التجربة الناجحة يجب أن تكون مشعل انطلاق لتعميم المبدأ على كامل سلسلة القيمة الزراعية الأردنية، فلدينا مخلفات هائلة من الخضراوات والفواكه والدواجن وغيرها، تذهب هدرا أو تتحول إلى ملوث، بينما يمكن أن تكون مصدرا للطاقة الحيوية والأسمدة العضوية والمواد الخام لصناعات واعدة.
وبيَّن أن تعميم هذا النموذج سيعزز قدرة القطاع على الصمود، ويرفع من دخول المزارعين، ويخلق صناعات محلية متجددة، ويحمي بيئتنا الهشة، مضيفا أن تحقيق ذلك يتطلب تمويلا بعيدا عن الارتهان للمنح الخارجية، وإنشاء صندوق وطني للاقتصاد الدائري، يُغذَّى من مصادر متعددة، ليكون ركيزة لدعم الأفكار الريادية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة في هذا المضمار.
وأشار الزعبي إلى أن النقطة المحورية التي يجب التركيز عليها تكمن في ربط مخرجات البحث العلمي الوطني بمثل هذا النشاط التطبيقي؛ فجامعاتنا ومراكزنا البحثية تنتج دراسات وأبحاثا قيِّمة في مجالات الكيمياء الحيوية والهندسة والزراعة، مؤكدا أن المشروع جسر مثالي لتحويل هذه الأبحاث من أوراق علمية إلى تطبيقات عملية في الميدان، وخلق شراكة عضوية بين المراكز البحثية كالمركز الوطني للبحوث الزراعية والقطاع الخاص والمزارعين، لتوجيه البحث إلى حل المشكلات الحقيقية وتطوير تكنولوجيات مناسبة محليا وذات تكلفة معقولة.
بقايا المنتجات الزراعية
من جهته قال المستشار الدولي ووزير الزراعة الأسبق محمود الدويري، إن هذه المشاريع تتعامل على نحو متكامل مع المحاصيل الزراعية وبقاياها، بحيث يكون الهدف تقليل الفاقد من المدخلات الزراعية وبقايا المنتجات الزراعية، مضيفا أن الأردن عانى سابقا من التأثير البيئي للمخلفات الزراعية الضارة بخاصة البلاستيكية، مبينا أن التوجه البيئي في هذا النطاق يهدف إلى التقليل من الفاقد في المحصول والمدخلات الزراعية، أكانت أسمدة أو مبيدات، يضاف إليها عنصر مهم وهو الماء.
وبين الدويري أن استعمال الوسائل العلمية الحديثة يقلل من الهدر والتوجه للاستفادة من نواتج كانت تذهب هدرا، لافتا إلى أن المركز الوطني ومراكز البحوث في الجامعات وكليات الزراعة، وزيادة الوعي البيئي، عوامل تساعد على استدامة الزراعة وتقليص الفاقد من المنتجات الزراعية.
وبدوره بين الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. نبيل بني هاني، المشروع خطوة نوعية في مسار تحديث القطاع لتبنيه مفهوم الزراعة الدائرية كأحد الحلول العملية لمواجهة التحديات البيئية والاقتصادية المتراكمة، مشيرا إلى أنه يهدف لإنهاء نمط هدر الموارد الزراعية بتحويل المخلفات العضوية كجفت الزيتون وقشور الحمضيات ومخلفات المحاصيل لمنتجات حيوية ذات قيمة مضافة تشمل أسمدة عضوية وأعلاف ومنتجات بيولوجية صديقة للبيئة.
نهج اقتصادي متكامل
وأشار بني هاني، إلى أن المشروع يعزز مفهوم الزراعة الدائرية، بوصفه نهجا اقتصاديا متكاملا، لا يقتصر على إدارة المخلفات، بل يعيد إدخالها لتعزيز الإنتاج الزراعي كما ونوعا كمدخل آمن بيئيا، بما يدعم التحول نحو اقتصاد أخضر منخفض الكلفة وعالي الكفاءة.
ويتوقع أن تسهم التقنيات الحيوية المعتمدة ضمن المشروع بتحسين خصوبة التربة، وتقليل الاعتماد على الأسمدة المستوردة، والحد من تلوث التربة والمياه الجوفية، مما ينعكس إيجابا على المنتج الزراعي وجودته.
وقال إن المشروع يأتي ترجمة عملية للتوجهات الوطنية نحو الاقتصاد الدائري والاستدامة، إذ يعيد تعريف المخلفات الزراعية من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي منتج. فعبر إدخال حلول تكنولوجية مبتكرة لمعالجة المخلفات العضوية، يسهم بخفض كلف الإنتاج الزراعي ويقلل من الاعتماد على المدخلات المستوردة، ويعزز تنافسية المنتج الزراعي الأردني في الأسواق المحلية والإقليمية، بخاصة في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج عالميا.
وأضاف، إن انعكاسات المشروع لا تقتصر على البعد الاقتصادي حسب، بل تمتد لتشمل الأثر الاجتماعي والتنموي في المناطق الريفية، بخلق فرص عمل خضراء وتحفيز للمشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بسلاسل التدوير والإنتاج الحيوي، وتوفير منصة عملية لنقل المعرفة وبناء قدرات المزارعين والمهندسين الزراعيين، عن طريق برامج تدريبية وتطبيقات وتجارب حقلية، ترسخ ثقافة الابتكار وتتبنى ممارسات زراعية أكثر كفاءة واستدامة.
وأشار إلى أن المشروع سيسهم بتدريب المزارعين، ويشركهم في عمليات التجميع والمعالجة والإنتاج، ويرتقي بدورهم في سلاسل القيمة الجديدة، ويرسي استقرار المجتمعات الزراعية المعيشية.
وعلى صعيد الاستدامة طويلة الأمد، قال بني هاني، إن المشروع يركز على بناء نموذج تشاركي بين القطاعين العام والخاص، بحيث يضمن الاستمرارية في ضوء النتائج التي ستنبثق عنه بعد انتهاء برامج التمويل والدعم الدولي.
يُشار إلى أنه يتوقع أن يستفيد من المشروع أكثر من 400 مزارع ومشغل زراعي ومشروع صناعي غذائي في المناطق المعنية؛ بحيث سيكتسب المزارعون مهارات لتحويل مخلفاتهم الزراعية (كزيوت الزيتون وقشور الفواكه والقصبات النباتية) إلى منتجات ثانوية ذات قيمة عالية، مما يزيد من دخولهم ويحسن كفاءة استخدام الموارد. كما ستستفيد مصانع الأعلاف والصناعات الغذائية من نقل التكنولوجيا وفرص الابتكار لتعزيز تنافسيتها والتوسع في منتجاتها الصديقة للبيئة، وستنعكس آثار بيئية إيجابية على المجتمعات المحلية جراء ذلك، بتقليل المخلفات ونسبة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان، وتوفير منتجات حيوية محلية جديدة، وخلق فرص عمل خضراء متخصصة.
ويشارك في فعاليات المشروع ممثلون عن 10 مشاريع أخرى مموّلة من الاتحاد الأوروبي (مثل MedRESOURCE وC’est la Vie وLIFE OLEA REGENERA وغيرها)، لتبادل الاستراتيجيات والخبرات حول الاقتصاد الدائري في الزراعة.
كذلك سيتضمن أنشطة ميدانية متعددة كالدورات التدريبية والورش الميدانية واختبارات النماذج على أرض الواقع، بالإضافة لبرامج تبادل الخبرات والزيارات المهنية بين الشركاء، لضمان تعميم الممارسات الدائرية وتقديم الدعم السياسي والمؤسسي لانتشارها في الزراعة.