الغد-إبراهيم المبيضين
في الوقت الذي يشهد فيه العالم الرقمي تطورات متسارعة نحو ما يسمى بتكنولوجيا المستقبل مع طفرات تشهدها ريادة الأعمال، لا سيما التقنية منها، قال خبراء محليون في الاقتصاد الرقمي يوم أمس إن توجيهات سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني أول أمس تدفع لتعزيز مكانة المملكة كمركز للابتكار وريادة الأعمال في قطاع التكنولوجيا.
واعتبر الخبراء أن التوجيهات تمثل نقطة تحول إستراتيجية في مسار الاقتصاد الوطني؛ فهذه التوجيهات لا تتعلق فقط بدعم شركات ناشئة أو إطلاق مبادرات رقمية، بل تعكس رؤية أعمق لإعادة تشكيل نموذج النمو الاقتصادي، بحيث يصبح الابتكار والتكنولوجيا محركين رئيسين للإنتاجية وفرص العمل والاستثمار.
ومع تأكيدهم على أهمية ما يتميز به الأردن اليوم بموارد بشرية مؤهلة مبدعة في المجال التقني، أكد الخبراء أن تطوير منظومة البحث العلمي والابتكار وجعل الأردن حاضنة للابتكار وريادة الأعمال يتطلب تسريع وتنفيذ جملة من المقترحات، على رأسها تطوير منظومة التعليم ودفعها بسرعة للرقمنة والتعليم التفاعلي في جميع المراحل، وخصوصا أن التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي بدأت تؤثر كثيرا في القطاعات الحيوية، ومنها التعلم.
واقترح خبراء أيضا إصلاحا أكاديميا في جهة تحويل مشاريع التخرج إلى نماذج أولية (Prototypes) قابلة للاستثمار، وتوفير التمويل الذكي بربط دعم البحث العلمي بالأثر الاقتصادي وبراءات الاختراع، وتطوير التشريعات لا سيما فيما يتعلق بتبسيط إجراءات تسجيل الشركات الناشئة ومنحها أولوية في العطاءات الحكومية.
وأكد الخبراء على أهمية الاستثمار البشري عبر استقطاب العقول الأردنية المهاجرة لنقل المعرفة لليافعين وتطوير المناهج والتركيز على تقنيات المستقبل (السيارات الكهربائية، الذكاء الاصطناعي، الطاقة) لضمان مكانة في الاقتصاد العالمي الجديد.
وترأس سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد، يوم أول أمس الإثنين، اجتماعا دوريا للمجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، وجه سموه المجلس خلاله بالعمل على تطوير منظومة البحث العلمي والابتكار في الأردن، مؤكدا أهمية وضع أولويات للبحث العلمي، والاستفادة من الكفاءات والمؤسسات العلمية الأردنية لتعزيز الاستثمارات في هذا المجال المهم.
وشدد سمو ولي العهد على ضرورة الإسراع بالعمل على تهيئة البيئة المناسبة؛ لجعل المملكة حاضنة للابتكار والريادة في المجال التكنولوجي.
الريادة والابتكار من المحركات الأساسية للتنمية
المؤسس والرئيس التنفيذي لـ"نادي الإبداع - الكرك" حسام الطراونة أكد أن منظومة الإبداع والابتكار والريادة المحرك الأساسي للتنمية الاقتصادية؛ حيث يمثل الإبداع توليد الأفكار الخلاقة والجديدة، والابتكار تطبيقها عمليا إلى قيمة حقيقية كمنتج جديد أو خدمة مختلفة أو طريقة عمل أكثر كفاءة أو حتى نموذج اجتماعي جديد، بينما تتبنى ريادة الأعمال هذه الأفكار وتحويلها إلى مشاريع ناجحة ومستدامة مما يحقق قيمة اقتصادية واجتماعية.
ويرى الطراونة أن الأردن بلد محدود الموارد الطبيعية ويعاني من نسبة بطالة مرتفعة ويعتمد على رأس المال البشري، لذلك لا بد من دعم الابتكار والريادة من خلال تعليم مختلف يعتمد التفكير النقدي لا التلقين، وإدخال ريادة الأعمال في المناهج الدراسية، وكذلك دعم البحث العلمي التطبيقي في الجامعات، وبالتوازي مع كل ما ذكر لا بد من تشريعات جديدة تسهل تسجيل الشركات وحماية المستثمرين، وكذلك من الضروري إنشاء صناديق رأسمال جريء ودعم حكومي غير بيروقراطي وحوافز ضريبية.
وقال الطراونة إن نادي الإبداع-الكرك يعتبر اليوم نموذجا لحاضنة الإبداع والابتكار؛ حيث عمل منذ 15 عاما على تأهيل الطلبة ورفع مهاراتهم العلمية في مختبرات علمية متقدمة، ثم تبنى ابتكاراتهم العلمية في حاضنة الأعمال في النادي ضمن برنامج متكامل يبدأ بالمختبر وينتهي بحاضنة الأعمال.
توجهات لتكنولوجيا المستقبل
وأكد الشريك المؤسس في شركة "إيفو" الريادية التقنية ليث الخطيب أن على منظومة الريادة والاقتصاد اليوم أن تفكر وتسرع من التحول نحو تبني التوجهات العالمية، وخصوصا التقنية التي بدأت تشكل مستقبل الاقتصاد العالمي حتى نواكب ولا نبقى متأخرين، وذلك توعية للشباب وصناع القرار في المشهد، باتخاذ قرارات جريئة واستباقية في كل القطاعات.
وقال الخطيب: إن الشباب الأردني متميز وقد أثبت وجوده بقوة على مستوى المنطقة والعالم في الريادة والتقنية والاقتصاد، وأسهم في بناء قطاعات حيوية في دول مجاورة، وعلينا، ومن حقهم، الدعم واستقطابهم للبناء ونقل التجارب إلى الأجيال القادمة، لافتا في الوقت ذاته إلى أن منظومة التعليم بحاجة اليوم إلى التسريع في دخول عوالم التقنية والذكاء الاصطناعي بشكل أكبر وتبني هذه التقنيات إلى جانب تطبيق مفاهيم التعليم التقني والتفاعلي، والابتعاد عن أساليب التعليم التقليدية.
وأشار الخطيب إلى أن كل التوجهات اليوم تفيد بأهمية تبني الحكومات والجهات المعنية في القطاع الحيوي مبدأ "اللامركزية" عبر تبني وتسريع التحول الرقمي واعتماد التطبيقات الذكية وتبني الذكاء الاصطناعي التي من شأنها أن تدخلنا في مسار المنافسة وتحسين الاقتصاد وتحقيق التنمية، وشبابنا جاهزون لهذه المراحل والأفكار الريادية والابتكارية موجودة.
ونصح الشباب بالمبادرة لتنفيذ أفكارهم الابتكارية رغم محدودية التمويل في كثير من الأحيان، فإنه شدد على أن التمويل ليس كل شيء في ريادة الأعمال، وبالعمل والجد والتواصل، مع أهمية توفير منظومة داعمة للريادة، سنحقق تقدما في مجال الريادة والابتكار.
تحويل المعرفة إلى قيمة
الخبير في مضمار الأعمال الإلكترونية الأستاذ الدكتور أحمد غندور ينظر إلى الابتكار على أنه: "تحويل المعرفة إلى قيمة؛ قيمة اقتصادية أو اجتماعية أو خدمية"، مبينا أن الابتكار لا يبدأ بفكرة فقط، بل يبدأ بمشكلة حقيقية ثم تطوير حل قابل للتطبيق والتوسع.
وأضاف غندور أنه في السياق الأردني يجب أن ننظر إلى الابتكار كعملية وطنية مترابطة بين الجامعة والسوق والسياسات العامة. الدول التي نجحت لم تعتمد على الإبداع الفردي فقط، بل بنت أنظمة تدعم التجربة السريعة وتمول المخاطرة وتحمي الملكية الفكرية وتربط البحث بالصناعة.
تغيير منطق العمل
وأشار غندور إلى أن تطوير الابتكار في الأردن يحتاج تغيير منطق العمل. الجامعات تنتج أبحاثا كثيرة لكن جزءا محدودا يتحول إلى منتجات أو شركات. المطلوب ربط تمويل البحث بمخرجات واضحة مثل براءات اختراع أو شركات ناشئة أو حلول حكومية قابلة للتطبيق.
تجربة دول مثل سنغافورة وإستونيا أظهرت أن ربط الحكومة بالجامعات والقطاع الخاص ضمن مشاريع مشتركة يرفع أثر البحث العلمي بشكل واضح.
الدراسات الحديثة في تقارير OECD حول سياسات الابتكار تؤكد أن الأنظمة الصغيرة اقتصاديا تنجح عندما تركز على مجالات تخصص محددة بدلا من التوسع غير المنظم.
تسهيل تسجيل الشركات الرقمية
ويرى غندور أنه بالنسبة لبيئة ريادة الأعمال فهي "تتطور عندما يشعر الريادي أن الفشل ليس نهاية"، لافتا إلى أن الأردن يملك طاقات بشرية قوية لكنه يعاني من فجوة التمويل في المراحل المبكرة ومن بيئة تنظيمية معقدة أحيانا.
وقال تحسين البيئة يبدأ بتسهيل تسجيل الشركات الرقمية وتقليل كلفة الامتثال القانوني وتوسيع صناديق الاستثمار الجريء. كذلك تحتاج الجامعات إلى تحويل حاضنات الأعمال من نشاط شكلي إلى مسار تطوير منتج حقيقي يعتمد على بيانات السوق.
وقال إن جعل المملكة حاضنة للابتكار التكنولوجي يتطلب رؤية عملية.
أولا، بناء بنية رقمية قوية تربط الهوية الرقمية والخدمات الحكومية والتوقيع الرقمي بمنظومة أعمال موحدة.
ثانيا، تحويل الحكومة إلى أول عميل للابتكار المحلي عبر شراء الحلول التقنية من الشركات الأردنية الناشئة.
ثالثا، استقطاب المواهب العالمية عبر سياسات مرنة للعمل الرقمي والإقامة التقنية. تجارب دبي وإيرلندا أظهرت أن بيئة تشريعية مرنة تجذب شركات التكنولوجيا بسرعة.
تعزيز البحث العلمي يبدأ بإعادة تعريف دور الجامعة
وأشار الغندور إلى أن تعزيز البحث العلمي والابتكار يبدأ بإعادة تعريف دور الجامعة. ويجب أن يرى الباحث مسارا واضحا لتحويل فكرته إلى منتج. وينبغي أن يكون التمويل تنافسيا ويرتبط بالأثر الاقتصادي. كما أن إنشاء مراكز بحث مشتركة بين القطاع الصناعي والجامعات يمكن أن يرفع من جودة البحث.
وتساعد قاعدة بيانات وطنية موحدة للأبحاث والمشاريع على تجنب التكرار وتعزز التعاون.
التحديات التي تواجه البحث العلمي والابتكار في الأردن
ورغم توفر الكفاءات البشرية المتميزة، يواجه البحث العلمي في الأردن عدة تحديات، على ما يؤكد الخبير في مضمار التحول الرقمي وريادة الأعمال المهندس هاني البطش، والذي قال إن أبرزها محدودية التمويل مقارنة بالمعدلات العالمية، وضعف الربط بين مخرجات الجامعات واحتياجات السوق، إضافة إلى البيروقراطية في الإجراءات الإدارية والتمويلية.
كما أن هجرة العقول تشكل تحديا حقيقيا، إذ يسعى العديد من الباحثين إلى فرص أفضل في الخارج نتيجة ضعف الحوافز المحلية.
وأضاف البطش إن من التحديات أيضا محدودية الاستثمار الخاص في البحث والتطوير، وضعف ثقافة المخاطرة في تمويل المشاريع الابتكارية، إلى جانب الحاجة إلى تحديث بعض التشريعات المتعلقة بحماية الملكية الفكرية وتنظيم التقنيات الناشئة.
كما أن غياب قواعد بيانات وطنية متكاملة للبحث العلمي يقلل من فرص التكامل والتعاون بين المؤسسات.
وقال إن مواجهة هذه التحديات تتطلب رؤية وطنية شاملة تضع البحث العلمي في صلب أولويات التنمية الاقتصادية، وتحوّل الابتكار من نشاط أكاديمي محدود إلى رافعة حقيقية للنمو والتنافسية.
وعندما تتكامل الإرادة السياسية مع التخطيط الاستراتيجي والاستثمار المستدام في العقول، يمكن للأردن أن يعزز مكانته كمركز إقليمي للبحث العلمي والتكنولوجيا.
الاقتصاد الموجه بالتحديات
وفي السياق ذاته، قال المختص في تكنولوجيات المستقبل وتطوير المنتجات، المهندس معتز العطين، إن تحويل المملكة إلى حاضنة للابتكار والريادة في المجال التكنولوجي يتطلب بناء نموذج “الاقتصاد الموجَّه بالتحديات” بدلا من الاقتصاد الموجَّه بالمشاريع، من خلال إطلاق منصات تحديات وطنية سنوية تُحدد فيها أولويات استراتيجية مرتبطة مباشرة باحتياجات الاقتصاد (المياه، الطاقة، الأمن الغذائي، التصنيع المتقدم، الخدمات الرقمية). كل تحدٍّ يُربط بتمويل واضح، وبيئة تجريبية، وفرصة سوق حكومي محتمل، بحيث تتحول الجامعات والمراكز البحثية إلى جهات تقدّم حلولا قابلة للتطبيق خلال 12–18 شهرا، لا أبحاثا نظرية فقط.
وبالتوازي، يتم إنشاء “البيئات التنظيمية التجريبية” (Regulatory Sandboxes) تسمح للشركات الناشئة باختبار حلولها ضمن أطر قانونية مرنة ومؤقتة، ما يقلل المخاطر ويجذب الاستثمارات. بهذه المقاربة تصبح المملكة بيئة اختبار إقليمية للحلول التكنولوجية، لا مجرد سوق مستهلك لها.
بنك وطني للتقنيات
وقال العطين إنه لتطوير الابتكار، لا بد من تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. ولتطويره، يجب إنشاء “بنك وطني للأفكار والتقنيات” كمنصة رقمية موحدة تجمع الأبحاث، وبراءات الاختراع، والمشاريع الجامعية، وأفكار الرياديين ضمن قاعدة بيانات مرتبطة باحتياجات السوق.
تعمل هذه المنصة كوسيط ذكي بين الباحث والمستثمر والصناعة، وتحوّل المعرفة من مخزون أكاديمي معزول إلى أصول اقتصادية قابلة للاستثمار.
كما ينبغي اعتماد المصادر المفتوحة كبوابة تطوير أولية لتسريع البناء التقني وخفض الكلف، مع تعزيز حماية الملكية الفكرية في المراحل المتقدمة. الابتكار هنا يصبح عملية منظمة ومركزية، موجَّهة بالأولوية الوطنية، ومتصلة مباشرة بالتنمية الاقتصادية.