أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    10-May-2026

قاعات فاخرة… وتنمية تبحث عن عنوان| د. هيفاء ابوغزالة

عمون-

 

في العالم العربي، لا شيء يزدهر مثل المؤتمرات. فنادق ممتلئة، منصات مضاءة، شاشات عملاقة، حقائب جلدية أنيقة، قهوة فاخرة، صور جماعية مبتسمة، وخطابات تبدأ بـ”التنمية المستدامة” وتنتهي بـ”تعزيز الشراكات الاستراتيجية”. أما المواطن العربي، ذلك الكائن الذي يُفترض أن تُعقد كل هذه المؤتمرات من أجله، فيتابع المشهد من بعيد وهو يحاول فقط أن يفهم أين اختفت التنمية نفسها وسط هذا الكرنفال البروتوكولي.
 
لقد تحولت التنمية العربية في كثير من الأحيان إلى ما يشبه “الديكور الرسمي” الذي يُزيّن المناسبات الكبرى. كلمة تُقال كثيرًا، تُطبع على اللافتات، تُكرر في البيانات الختامية، لكنها حين تخرج من القاعات المكيّفة تصطدم بواقع مختلف تمامًا؛ مدارس متعبة، بطالة متضخمة، شباب يهاجرون بأحلامهم، وطبقة وسطى تتآكل بصمت بينما تُعرض على الشاشات أفلام وثائقية مبهرة عن “المستقبل الواعد”.
 
والمفارقة الأكثر إثارة أن جزءًا كبيرًا من هذه المؤتمرات لا يأتي من فراغ، بل يُعقد أصلًا بدعم أو تمويل أو اقتراح مباشر من منظمات الأمم المتحدة أو المنظمات الاقليمية العاملة في الإطار التنموي، تلك المنظمات التي تمتلك أرشيفًا هائلًا من الدراسات والتوصيات والخطط والإعلانات الصادرة منذ عقود طويلة، حتى يكاد المرء يشعر أحيانًا أن بعض المؤتمرات الجديدة ليست سوى إعادة تدوير أنيقة لأفكار قديمة مع تغيير الشعار وسنة الانعقاد.
 
الأمم المتحدة ومؤسساتها المتخصصة والمنظمات العربية والدولية تتحدث منذ سنوات عن الفقر، وتمكين المرأة، والتعليم، والبطالة، والشباب، والحوكمة، والاستدامة، والعدالة الاجتماعية، والاقتصاد الأخضر، والذكاء الاصطناعي، وبناء القدرات… وكلها قضايا حقيقية ومهمة بلا شك. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بمرارة: كم مؤتمرًا نحتاج بعد كي نكتشف أن المشكلة ليست في نقص التوصيات، بل في غياب الإرادة التنفيذية والمتابعة والمحاسبة؟
 
فأرشيف هذه المنظمات يكاد يختنق من كثرة الوثائق المتشابهة. بيانات ختامية متقاربة، أهداف استراتيجية مكررة، خطط عمل متناسخة، وعبارات محفوظة تبدأ دائمًا بـ”التأكيد على أهمية…” وتنتهي بـ”الدعوة إلى تعزيز التعاون”. حتى إن بعض المشاركين المخضرمين باتوا قادرين على توقع البيان الختامي قبل بدء المؤتمر أصلًا.
 
الأطرف من ذلك أن بعض المؤتمرات العربية أصبحت تمتلك خبرة استثنائية في صناعة الصور التذكارية أكثر من صناعة السياسات التنموية. الجميع يبتسم أمام الكاميرات، والجميع يتحدث عن “الإنجازات النوعية”، لكن المواطن العربي يعود مساءً إلى منزله ليكتشف أن فاتورة الكهرباء أكثر تطورًا من الخدمات، وأن فرص العمل أقل من عدد التوصيات التي صدرت باسمه.
 
بل إن بعض المؤتمرات تُعقد أصلًا لمناقشة أسباب تعثر مؤتمرات سابقة. نجتمع لنناقش لماذا لم تنجح الخطط القديمة، ثم نخرج بخطة جديدة تحتاج إلى مؤتمر آخر لمتابعة تنفيذها، ثم لجنة لدراسة توصيات المؤتمر، ثم فريق خبراء لصياغة إطار استراتيجي لمتابعة اللجنة، وكأن التنمية العربية تحولت إلى صناعة قائمة بذاتها هدفها إنتاج الاجتماعات لا إنتاج النتائج.
 
وفي الوقت الذي يتغير فيه العالم بسرعة مرعبة، ما زلنا نناقش في بعض اجتماعاتنا العربية قضايا القرن الحادي والعشرين بعقلية إدارية تنتمي إلى سبعينيات القرن الماضي. العالم يقيس التنمية بالأثر والنتائج والمؤشرات، بينما لا تزال بعض مؤسساتنا تعتبر رفع التوصيات “إنجازًا مؤسسيًا” يستحق التصفيق.
 
المشكلة ليست في المؤتمرات بحد ذاتها، فالحوار والتنسيق والشراكات الدولية أدوات مهمة وضرورية، كما أن منظمات الأمم المتحدة لعبت أدوارًا أساسية في دعم ملفات إنسانية وتنموية لا يمكن إنكارها. لكن الكارثة تبدأ حين تتحول المؤتمرات إلى غاية مستقلة عن الواقع، وحين يصبح النجاح الحقيقي هو عدد الحضور، وفخامة الفندق، ومستوى الضيافة، لا عدد المشاريع التي نُفذت، ولا عدد الشباب الذين وجدوا فرصة عمل، ولا عدد الأسر التي شعرت فعلًا بأن التنمية وصلت إليها.
 
التنمية ليست منصة مضاءة ولا شعارًا مطبوعًا على خلفية زرقاء، وليست فيديو افتتاحيًا مليئًا بالموسيقى الملحمية. التنمية قرار شجاع، وإدارة كفؤة، ومتابعة صارمة، ومصارحة حقيقية تعترف بأن المنطقة العربية لا تعاني من نقص المؤتمرات… بل من ندرة التنفيذ.
 
أما إذا استمرت الحال على هذا النحو، فقد نحقق الإنجاز العربي الأكثر غرابة في التاريخ الحديث:
أن نصبح أول منطقة في العالم تمتلك أرشيفًا تنمويًا ضخمًا يكفي لإنقاذ البشرية… بينما ما زالت تبحث حتى اليوم عن طريقٍ حقيقي إلى التنمية.