"جلسات عمرة".. خطوة جادة لترسيخ التخطيط السليم وضمان العوائد التنموية
الغد-عبدالرحمن الخوالدة
أجمع خبراء على أن عقد جلسات حوارية متخصصة لمناقشة مشروع "مدينة عمرة" يشكل خطوة بالغة الأهمية، تعكس توجها حكوميا جادا نحو بناء مشروع وطني إستراتيجي على أسس علمية وتخطيطية متينة، وبما يضمن تحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية والاجتماعية المرجوة منه على المدى الطويل.
وأكد الخبراء أن الانفتاح على الحوار المتخصص، وإشراك طيف واسع من الخبرات الوطنية من قطاعات متعددة، يدل على وجود إدراكا رسميا لحجم المشروع ومدى أهميته التنموية، ويؤشر إلى رغبة واضحة في تفادي أخطاء التخطيط التقليدية التي رافقت بعض المشاريع الكبرى سابقا، عبر الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية، ومواءمتها مع الخصوصية الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية المحلية.
وأشاروا إلى أن تنظيم عدة جلسات متخصصة، بمشاركة مئات الخبراء والمختصين، لا يندرج في إطار النقاشات الشكلية والبروتوكولية، بل يهدف إلى بناء توافق معرفي ومجتمعي حول المشروع، وصياغة رؤية متكاملة توازن بين متطلبات التخطيط العمراني الحديث، والجدوى الاقتصادية، والاستدامة البيئية، وجودة الحياة، وتوظيف تكنولوجيا المستقبل كعنصر محوري في تصميم المدن الحديثة.
ولفتوا إلى أن تخصيص محاور واضحة للأثر الاقتصادي وتكنولوجيا المستقبل يشير إلى وعي متقدم وإدراك للمخططين بأن المدن لم تعد تقاس فقط بحجم الاستثمار أو جمال البنية التحتية، بل بقدرتها على توليد قيمة مضافة، وخلق فرص عمل نوعية، وجذب استثمارات طويلة الأجل، إضافة إلى قدرتها على التكيف مع التحولات الاقتصادية والمناخية المتسارعة.
وشدد الخبراء على أن نجاح المشاريع الكبرى ذات الطابع الإستراتيجي، كمدينة عمرة، يتطلب التمهل في مراحل التخطيط، وفتح نقاش عام واسع ومدروس مع مختلف الفعاليات المجتمعية والاقتصادية، مؤكدين أن أي استعجال في التنفيذ دون استكمال الإطار التخطيطي المتكامل قد ينعكس كلفا إضافية أو اختلالات يصعب تصويبها لاحقا.
وكانت انطلقت في رئاسة الوزراء جلسات حوارية متخصصة، لمناقشة تطوير مشروع مدينة عمرة، شارك فيها أكثر من 150 خبيرا من مختلف المجالات من الهندسة والتخطيط العمراني والحضري والبيئة والنقل إضافة إلى مختصين وأكاديميين في مجالات العمارة والطاقة والبيئة والمياه والاقتصاد والاستثمار وممثلين عن النقابات ذات العلاقة.
وجاء عقد هذه الجلسات في إطار سعي الحكومة لإشراك الخبراء الأردنيين في تطوير التصاميم الخاصة بمشروع مدينة عمرة، والمشاريع المنبثقة عنها، خصوصا المرحلة الأولى التي تضمّ مشاريع استثمارية إنتاجية تشمل مركزا دوليا للمعارض والمؤتمرات، ومدينة رياضية متكاملة تضم ستادا دوليا لكرة القدم ومدينة أولمبية إلى جانبه، وصالات مجهزة بمعايير أولمبية للرياضات المختلفة، والتي سيبدأ العمل فيها العام الحالي وتمتد حتى عام 2029.
ويذكر أن الحكومة أطلقت في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، مشروع مدينة عمرة حيث بدأت أعمال البنية التحتيّة في المشروع؛ ليشكل نموذجا جديدا في التّطوير الحضري وإدارة النمو السكاني طويل الأمد، ونواة لمدينة مستقبلية نموذجية للشباب والجيل القادم، بتنظيم وتخطيط محكم، تمتد مراحل تطويرها على مدى 25 عاما وبشكل عابر للحكومات.
آفاق أوسع أمام المخططين
وقال وزير الدولة لتطوير شؤون القطاع العام االسابق ماهر المدادحة، إن عقد جلسات حوارية متخصصة لمناقشة تطوير مشروع مدينة عمرة، يعد توجه إيجابي و ضروري نحو رفع سوية تخطيط المشروع وآليات تنفيذه، إضافة إلى المساهمة في تصويب الرؤوى التي يصبو لها.
وأضاف المدادحة أن من شأن هذه الجلسات فتح آفاق أوسع أمام القائمين على المشروع حول الممارسات الفضلى والتجارب المتبعة عالميا في هذا الإطار، مما يتيح الوصول إلى النماذج والتصاميم المناسبة للمشروع، إضافة إلى ضمان سير العمل به وتفادي الوقوع في أي إشكاليات متعلقة بالتخطيط والتنفيذ.
ولفت المدادحة إلى أن ضخامة المشروع وما يحمله من أبعاد تنموية واقتصادية واجتماعية كبرى، يتطلب من صناع القرار فتح نقاش عام واسع مع المنظمات المجتمعية والفعاليات والقطاعات الاقتصادية المختلفة، بما يثري رؤية المشروع وأهدافه التنموية والحضارية.
جدية حكومية في الإنجاز
بدوره، قال الخبير الاقتصادي موسى الساكت إن هذه الجلسات تعكس أهمية بالغة من حيث الشكل والمضمون وتشكل منصة تشاركية تجمع خبرات وطنية متخصصة من قطاعات متعددة، كما تحمل دلالات على إدراك صانع القرار لتعقيد مشروع بحجم "مدينة عمرة"، وأن نجاحه يتطلب تكاملا بين التخطيط العمراني، والاقتصاد، والبيئة، والطاقة، والنقل، وجودة الحياة.
وبين أن هذا النوع من الحوارات يعكس قدرا عاليا من الجدية، لأن الحكومات غير الجادة غالبا ما تكتفي بالإعلانات العامة دون إشراك الخبراء أو فتح نقاش معمّق حول التفاصيل. عقد خمس جلسات متخصصة، وبمشاركة أكثر من 150 خبيرا، يعني أن الحكومة تسعى لبناء توافق معرفي ومجتمعي حول المشروع قبل الدخول في مراحل التنفيذ، وهو مؤشر إيجابي على الرغبة في تقليل المخاطر المستقبلية وضمان استدامة المشروع اقتصادياً وبيئياً واجتماعياً.
واعتبر الساكت أن تخصيص جلسة للأثر الاقتصادي وتكنولوجيا المستقبل يعد من أهم محاور المشروع، لأن المدن الحديثة لم تعد تقاس فقط بجمال تصميمها أو بنيتها التحتية، بل بقدرتها على خلق قيمة اقتصادية مضافة، وتوفير فرص عمل نوعية، وجذب استثمارات طويلة الأجل. كما أن دمج تكنولوجيا المستقبل في التخطيط يعزز كفاءة الخدمات، ويخفض الكلف التشغيلية، ويجعل المدينة أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والمناخية.
في الوقت ذاته شدد الساكت على أن المشاريع الكبرى ذات الأثر طويل المدى تحتاج إلى وقت كاف للتخطيط، لأن أي استعجال قد ينعكس كلفاً إضافية أو اختلالات مستقبلية يصعب تصحيحها.
المدن الذكية.. التوجه التنموي والحضاري الجديد
من جانبه أكد الخبير الاقتصادي زيان زوانة، أن أهمية هذه الجلسات واللقاءات تنبع من أنها تشير إلى إيمان الحكومة بمشروع مدينة عمرة والتزامها الجدي القوي بتنفيذه، وتحقيق الرهان التنموي والاقتصادي المأمول من المشروع.
وأوضح زوانة، أن هذا النوع من الجلسات ضروري ومهم للغاية في تطوير إطار المشروع وتصوراته، حيث إن المشاركين في الجلسات هم من المختصين والخبراء، الذين لديهم تجارب واطلاع كبيرين على المشاريع المماثلة عربيا وعالميا، إذ من المأمول أن يساهم هؤلاء في مساعدة المخططين على تحسين النماذج الخططية والتنفيذية، إضافة إلى إيضاح التحديات والفجوات التي قد تواجه المشروع ، مما يسمح في تجاوزها مستقبلا وتسريع آلية العمل.
وأشار زوانة إلى أن ما يميز هذه الجلسات ويحسب ذلك للحكومة ، بأنها ليست نقاشات عامة انما متخصصة وفنية للغاية، لذا من المنتظر أن يكون أثرها على المخرجات النهائية للمشروع كبيرة جدا.
وبين زوانة أن تخصيص جلسة لمناقشة الأثر الاقتصادي وتكنولوجيا المستقبل، ينم عن رغبة جادة في إنجاز هذا المشروع وتحقيق غاياته الاقتصادية الكبرى سواء التنموية أو التشغيلية، إضافة إلى إدراك المخططين لأهمية التكنولوجيا ودورها في التطوير الحضاري والتنموي.
ويرى زوانة أن النجاح الطويل الأجل للمشاريع المماثلة بات يعتمد على تكنولوجيا المستقبل، فالتكنولوجيا عنصر أساسي في البناء والتصميم وليست عنصرا خدميا فحسب كما كان ينظر لها سابقا، داعيا لأهمية الالتفات العميق من المخططين لإدخال التكنولوجيا والبنى التحتية اللازمة للمدن الذكية التي باتت التوجه التنموي والحضاري الجديد عالميا.