إدارة السوق وحماية المنتج.. أزمة زيت الزيتون نموذجا
الغد-عبدالله الربيحات
لم تكن "أزمة زيت الزيتون" كما أطلق عليها الإعلام وليدة اللحظة، بل جاءت في سياق طبيعي لانخفاض الإنتاجية الذي كان متوقعا نتيجة التغيرات المناخية والعوامل الأخرى المؤثرة على الموسم.
ومن هنا جاء دور وزارة الزراعة، التي تعد مظلة للقطاع الزراعي برمته وحاضنته، والتي اتّبعت سياسة تجمع بين آليات السوق الحر وإجراءات الحماية، من حيث فتح باب الاستيراد لتغطية النقص في المحصول المحلي، وفي الوقت نفسه ظل باب التصدير مفتوحا حفاظا على الأسواق التقليدية التي يرتبط بها زيت الزيتون الأردني.
فالسوق الغذائي الأردني بطبيعته قصير الذاكرة، وإذا غاب المنتج موسما أو اثنين تراجع موقعه في المنافسة.
لكن اللافت أن انعقاد مهرجان الزيتون الوطني الخامس والعشرين لعام 2025 في عمّان جاء بتوقيت حساس، حيث تزامن مع موسم شحيح الإنتاج، غير أنه شهد سوقا أكثر هدوءا بفضل الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها وزارة الزراعة.
فالمهرجان الذي ضم جمعيات تعاونية ومزارعين وأصحاب معاصر، واستمر حتى نهاية تشرين الثاني الحالي، شكّل منصة وطنية للتسويق الزراعي ودعما مباشرا للمنتجات الريفية وعلى رأسها زيت الزيتون.
ووفر المهرجان مختبرا متطورا للفحوصات المخبرية لضمان الجودة، وعزز حضور المنتج الأردني في الأسواق المحلية والخارجية.
ولم يقتصر هذا الحدث على كونه معرضا للمنتجات، بل مثل رسالة طمأنة للمستهلكين والمزارعين على حد سواء بأن القطاع قادر على تجاوز التحديات، وأن الزيت الأردني سيبقى حاضرا في السوق رغم تقلبات المناخ والإنتاج والسياسات الرسمية.
وتدفعنا هذه التجربة الجديدة القديمة للتفكير بخطة استباقية للعام المقبل، تأخذ بعين الاعتبار الري التكميلي للزيتون البعلِي الذي يشكّل نحو 70 % من أشجار الزيتون في الأردن، حيث يدرك المختصون في الحقل الزراعي أن عائد المتر المكعب من المياه في هذا النوع من الري يصل إلى أربعة أو أربعة دنانير ونصف الدينار، وهو ما يرفع الإنتاجية ويقلل من خطر الانخفاض الحاد.
وتشير التقديرات إلى أن الفاقد والمهدر يصل إلى نحو 17 %، ما يستدعي إدخال تقنيات حديثة في الحصاد، سواء الميكانيكي أو الآلي، لتقليل الخسائر وتعظيم الإنتاج.
وهنا يبرز دور الأطر النقابية وجمعيات المزارعين من النقابة العامة لأصحاب المعاصر ومنتجي الزيتون، والاتحاد العام للمزارعين، والجمعيات التعاونية المحلية، وجمعية المصدّرين.
وتقع على عاتق هذه المؤسسات مسؤولية الإشراف، والتوجيه، والتحذير المبكر للمزارعين بشأن التحديات المحتملة، إضافة إلى إدخال تقنيات حديثة تقلل الفاقد وتدعم استقرار القطاع.
ويرى الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي، أن بعض الدراسات المقارنة تشير إلى أن نسب الفاقد في محاصيل أخرى مثل الليمون والبطاطا والبصل تتراوح بين 16 % و18 %، ومن غير المتوقع أن تكون نسب الزيتون أقل من ذلك.
وزاد الزعبي: "إذا افترضنا أن الفاقد في الزيتون يصل إلى نحو 5000 طن سنويا، فإن تخفيضه إلى النصف عبر تحسين الممارسات والتقنيات الحديثة قد يضيف ما يقارب 3000 طن إلى السوق المحلي."
وأضاف إن من المستحسن التفكير مبكرا في فتح باب استيراد ثمار الزيتون لأصحاب المعاصر، حتى يتمكنوا من تشغيل خطوط الإنتاج المحلية وفق المواصفات الأردنية المعتمدة، وبما يضمن استمرار فرص العمل في هذا القطاع الحيوي، فالمعاصر تضررت كثيرا هذا العام بانخفاض المحصول، والاستعداد المبكر لعقود توريد إقليمية قد يفتح خط إنتاج جديد يعود بفوائد اقتصادية واجتماعية واسعة.
وزاد بأن الأهم أن يُرفع عن زيت الزيتون وصف "الأزمة" اذ ليس من المعقول أن تتحول كل فقرة من سلتنا الغذائية إلى أزمة تتصدر الصحف والمواقع ووسائل التواصل الاجتماعي، لتصبح مادة للتحليلات المتناقضة وفق مصالح كل طرف.
والمطلوب من وزارة الزراعة، برأيه، ان تلعب دور الإدارة الرشيدة والإعلان عن إستراتيجيات استباقية، تحافظ على استقرار السوق وتحصّن الأمن الغذائي في الأردن.