أزمة هرمز إلى مربع الصفر... ضرب السفن يستنزف طاقة الخليج وتجارته
العربي الجديد -
تبحث الأوساط الاقتصادية التداعيات اللوجستية والآثار المالية طويلة المدى المترتبة على تصاعد المخاطر الأمنية في منطقة الخليج العربي، بعد انتقال التهديدات من مجرد ارتفاع "علاوات مخاطر الحرب" إلى استهداف طهران لسفن تجارية وناقلات في محيط مضيق هرمز، وهو ما بات يهدد بشكل مباشر ثروات الطاقة والنفط والمناطق الحرة والموانئ في المنطقة، إذ بدأت العديد من السفن في التراجع عن استمرار رحلاتها عبر مضيق هرمز، كما تشير البيانات التشغيلية لشركات التأمين والملاحة إلى قفزات غير مسبوقة في تكاليف الشحن، ما سلط الضوء على إمكانية تسريع دول مجلس التعاون إنشاء "جسر بري متكامل" يربط موانئ عُمان والإمارات بالسعودية لتجاوز المضائق المائية بشكل دائم.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس الأربعاء، إن الهدنة مع إيران انتهت، الأمر أعاد القلق إلى الممرات المائية وأسواق الطاقة والتجارة ولا سيما الخليجية. وكانت ثلاث سفن تعرضت لضربات من طهران أول من أمس، الأمر الذي دفع أميركا إلى الرد بهجمات داخل إيران، وأعقبه إعلان الحرس الثوري الإيراني أمس، أنه استهدف مواقع أميركية في البحرين والكويت، الأمر الذي يعيد اضطرابات مضيق هرمز إلى مربع الصفر. وفي هذا السياق أعلنت وزارة الكهرباء الكويتية في بيان أمس خروجَ عدد من خطوط نقل الكهرباء متأثرة بشظايا ناتجة عن التصدي لهجمات من دون تأثير على استمرارية خدمات الوزارة.
وفي ظل هذه التطورات تبحث دول الخليج توسيع الممرات البديلة لتصدير النفط، حيث أكدت مصادر اتجاه السعودية إلى زيادة سعة خط أنابيب النفط الخام إلى ساحل المملكة الغربي على البحر الأحمر بمعدل زيادة يبلغ مليوني برميل يومياً، مما سيمكّنها وربما جيرانها من نقل كميات أكبر من النفط من دون الحاجة إلى عبور مضيق هرمز، بحسب رويترز أول من أمس.
صادرات نفط الخليج تقفز فوق 10 ملايين برميل يومياً
ومع تطورات الأزمة أعيد تقييم أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لعبور الخليج لتصل إلى نحو 4% من قيمة السفينة، ما يعكس ضغطاً هائلاً على تكلفة سلاسل التوريد، خاصة أن التغطيات التأمينية البديلة تسجل مستويات فلكية، حيث بلغ سعر "تغطية استبدال الحماية والتعويض" نحو 30 ألف دولار أسبوعياً لحماية كانت تكلف سابقاً حوالي 25 ألف دولار سنوياً، وهو ارتفاع يقوض الجاذبية الاستثمارية للموانئ الخليجية الداخلية ويفرض قيوداً تشغيلية خانقة على حركة عبور السفن عبر مضيق هرمز، بحسب ما أورد تقرير نشرته منصة ذا أوبس كون (The OpsCon)، المتخصصة في التحليلات الأمنية وشؤون العمليات اللوجستية البحرية، في 20 يونيو/ حزيران الماضي.
ارتفاع المخاطر بعد ضرب السفن
وتضاعفت هذه المخاوف خلال اليومين الأخيرين بعد تعرض ناقلة غاز طبيعي مسال قطرية وناقلة نفط ترفع العلم السعودي لأضرار قرب مضيق هرمز أول من أمس، الأمر الذي دفع سلطات الأمن البحري إلى رفع مستوى المخاطر للسفن العابرة إلى درجة "شديدة"، فيما أظهرت بيانات تتبع السفن تراجع ما لا يقل عن 4 ناقلات نفط وغاز عن استكمال رحلاتها عبر المضيق، في مؤشر على أن شركات الشحن باتت تفضل تأجيل العبور أو إعادة توجيه السفن على تحمل المخاطر الأمنية المتزايدة. كما أدى ذلك إلى تعطل جزء من حركة ناقلات الطاقة المنطلقة من قطر والإمارات، مع بقاء عشرات الناقلات في وضع الانتظار أو خارج مسارات التتبع المعتادة، بحسب بيانات جمعتها رويترز من شركات تتبع السفن ومصادر ملاحية أمس. وندد الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينجيز أمس بالهجمات الجديدة على سفن في مضيق هرمز، ودعا في بيان إلى أقصى درجات ضبط النفس.
ورغم المساعي الدبلوماسية للتهدئة، يرى خبراء بالملاحة الدولية أن هذه التطورات تؤكد استمرار المخاطر الهيكلية في المضيق، وأن أي تحسن مؤقت في حركة العبور لا يعكس استعادة فعلية للأمن الملاحي، إذ إن شركات التأمين والملاحة ستواصل تسعير المخاطر بمستويات مرتفعة، وهو ما يحرم المناطق الحرة الخليجية من ميزة استقرار تكاليف الشحن ويهدد بتحويل جزء من خطوط التجارة إلى مسارات ومنافذ بديلة خارج مناطق التوتر، بحسب تقدير نشرته منصة لويدز ليست (Lloyd's List)، المتخصصة في شؤون النقل البحري والملاحة العالمية، في 26 يونيو الماضي.
أسواق الخليج تتراجع تحت ضغط ضبابية المحادثات الأميركية الإيرانية
وفي ما يتعلق بسلاسل الإمداد الداخلية، تبرز أزمة تراكم الحاويات الفارغة ونقصها بوصفها مهدداً رئيسياً لقدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الصمود المالي في مواجهة الاختناقات الراهنة، وتتفاقم الأزمة مع فرض خطوط الشحن الكبرى قيوداً صارمة على مواقع تسليم الحاويات المستوردة، ويترتب على هذا الإجراء إجبار المستوردين الصغار على تحمل تكاليف نقل بري باهظة عابرة للحدود، أو سداد رسوم إنزال مرتفعة في الموانئ المحلية مثل "ميناء جبل علي في الإمارات بمعدل 600 دولار للحاوية قياس 20 قدماً و600 دولار للحاوية قياس 40 قدماً"، ما يستنزف رأس المال العامل لهذه الشركات ويعرض استمراريتها للخطر الفعلي، بحسب تحديث تشغيلي نشرته منصة ميرسك (Maersk)، المتخصصة في الخدمات اللوجستية والنقل البحري العالمي، في 26 يونيو الجاري.
ولتجاوز هذه الأزمات الملاحية بشكل دائم، تسعى دول مجلس التعاون لتسريع إنشاء "جسر بري متكامل" يربط موانئ سلطنة عمان ودولة الإمارات بالمملكة العربية السعودية لتفادي المضايق المائية كلياً، ومع ذلك تكشف التعقيدات الحالية حدود الاعتماد على الشاحنات فقط، ولا سيما بعد إعلان خطوط عالمية تعليق الحجوزات البرية مؤقتاً للبضائع المتجهة من الإمارات وقطر عبر ميناء جدة وموانئ عمان.
عدم يقين بعد عودة الاضطرابات
في هذا الإطار، يؤكد الخبير المختص بالاقتصاد السياسي، زيان زوانه، لـ "العربي الجديد"، أن الحرب على إيران أدت إلى خلق حالة من الاضطراب المعقد التي طاولت العالم بأسره، وكانت دول الخليج العربي في صلب هذه التداعيات بدرجات متفاوتة، خاصة بعد توقيع الاتفاقين الإيراني-الأميركي واللبناني-الإسرائيلي، ما وضع المنطقة أمام مرحلة انتقالية حساسة تتسم بعدم اليقين ولا سيما بعد عودة ضرب السفن.
ويضيف زوانه أن إدارة المرحلة الحالية تتسم بعدة مكونات رئيسية، أبرزها تواصل الاضطرابات مع استمرار المفاوضات المتعثرة والاشتباكات العسكرية المتقطعة والتهديدات والتصريحات المتناقضة، وهو ما يجعل المخاطر الجيوسياسية والجيواقتصادية والعسكرية وتكاليفها ماثلة أمام العالم أجمع.
وتظهر نماذج حقيقية لهذه المخاطر في دول الخليج العربي، ما يفرض عليها، بحسب ما يرى زوانه، تبني استراتيجيات متعددة ومتزامنة ترتكز على عناصر المرونة والتكيف وتنويع خطوط التجارة واحتواء صدمات الطاقة والصمود الشامل وصياغة تحالفات مختلفة، وهو ما يجبر الأسواق والمستثمرين والشركات، ولا سيما في قطاعات النقل والتأمين والشحن العالمي، على توخي أقصى درجات الحذر في تعاملاتها.
ويؤكد زوانه أن تذبذب أسعار النفط والغاز والذهب ومدخلات الإنتاج يظهر بوصفه نموذجاً حياً لهذه المرحلة الانتقالية، ويضاف إلى ذلك في الخليج العربي تحديات استعادة النموذج الاقتصادي والتجاري والمالي والسياسي والأمني الذي كان سائداً قبل الحرب، ومدى القدرة على تحقيق ذلك في ظل تراجع الحاجة إلى العمالة الوافدة، ما يجعل شركات الشحن والتأمين والنقل العالمي مجرد نموذج للوحة فسيفساء تحطمت ويعاد جمعها وتشكيلها من جديد، لتبقى أسئلة الكيفية والتوقيت والمستفيد النهائي مفتوحة من دون إجابات قاطعة حتى الآن.
ويشير إلى أن الدول الكبرى مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة تشهد ارتفاعاً في ديونها العامة وتغيراً في حكوماتها وتململاً شعبياً واختفاء للثقة بالحليف الأميركي بسبب صراعاته الداخلية، بالإضافة إلى هشاشة أسواق الأسهم الأميركية وغموض أسعار الفائدة، ما يجعل الرهان على الاستقرار العالمي رهاناً وهمياً في الوقت الراهن، بحسب رؤية زوانه.
ضريبة على الأنشطة البحرية
في السياق، يشير رئيس الجمعية الدولية لأبحاث السياسات الاقتصادية، رجب يورولماز، لـ "العربي الجديد"، إلى أن الصراع في الخليج تحول إلى ما يشبه "ضريبة اقتصادية" مفروضة على الأنشطة البحرية والطاقة، حيث أصبحت رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب ورسوم إعادة توجيه المسارات، التي كانت مصاريف عرضية في السابق، مكونات دائمة ومستمرة في تكاليف الشحن واللوجستيات للسفن التي ترتاد موانئ الخليج.
قلق إسرائيلي من مشروع تركي سعودي يربط الخليج بأوروبا
وتؤثر هذه التكاليف المرتفعة سلباً على المناطق الحرة مثل جبل علي، التي لطالما تنافست بناء على لوجستيات منخفضة التكلفة ويمكن التنبؤ بها، إذ تزيد هذه الرسوم من التكلفة الظاهرة للواردات والصادرات وتضعف المزايا غير الملموسة مثل السرعة والموثوقية والثقة التي تجذب الشركات المصنعة ومراكز التوزيع، كما يوضح يورولماز.
وترفع الأقساط المرتفعة وأوقات العبور الأطول من التكاليف النهائية للمستأجرين في المناطق الحرة، وتستطيع الشركات الكبيرة والمتكاملة امتصاص أو التحوط من هذه النفقات الإضافية جزئياً، بينما لا تستطيع الشركات الصغيرة والمتوسطة ذلك، ما يؤدي، بحسب يورولماز، إلى احتفاظ المناطق الحرة بالمستأجرين كثيفي رأس المال ذوي القدرة المالية الأكبر، بينما تواجه الشركات الصغيرة هوامش ربح مضغوطة وفقدان عقود أو حوافز للانتقال إلى مراكز نقل عابرة أقل خطورة أو أقرب إلى مواقع الإنتاج.
ومن المشكلات المرتبطة بذلك، وفق يورولماز، نقص الحاويات الفارغة وسوء توزيعها، إذ تؤدي الصراعات وإعادة توجيه المسارات إلى تغيير تدفقات التجارة وخلق حالات عدم تطابق مستمرة بين أماكن وجود الحاويات الممتلئة والفارغة، وعندما تتراكم الحاويات الفارغة في موانئ لا يحتاج إليها المصدرون، ترتفع تكاليف التأجير والشراء وتزداد مخاطر رسوم الاحتجاز والتأخير، مما يواجه الشركات الصغيرة التي تعتمد على الاستيراد في الوقت المناسب مثل موردي القطع ومصنعي الأغذية بدورات تحويل نقدي أطول وربط لرأس المال في شحنات متأخرة، وهو ما يزيد من خطر الإعسار لهذه الشركات ويقلل من التوظيف والنشاط التصديري الإقليمي.
ويمكن لصانعي السياسات في دول مجلس التعاون اتخاذ خطوات لتقليل التعرض لنقاط الاختناق وتخفيف الضغط المالي على الشركات الصغيرة والمتوسطة، من خلال إجراءات تجمع بين الاستثمار في البنية التحتية والتدخلات التنظيمية والسوقية، أبرزها إعطاء الأولوية لمشاريع الربط الخلفي المجدية تجارياً (مثل ممرات الدقم/صلالة إلى السعودية والترقيات التدريجية حول جبل علي) وتمويلها بترتيبات مختلطة بين القطاعين العام والخاص، كما يشير يورولماز.
ويدعو رئيس الجمعية الدولية إلى تسريع التكامل الجمركي والتنظيمي من خلال نظام نافذة عبور إقليمية موحدة وتوثيق عبور متناغم وقواعد موحدة للمركبات والأحمال لجعل الممرات البرية والسككية بدائل فعالة للممرات البحرية، بالإضافة إلى استخدام موارد الموانئ والصناديق السيادية لإنشاء مجمعات مؤقتة للحاويات وتقديم ضمانات تأجير تستهدف الشركات الصغيرة والمتوسطة، بما في ذلك دعم قصير الأجل لإعادة تموضع الحاويات الفارغة وتحديد سقف لرسوم التأخير.