أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    07-Oct-2026

على طريق التحول الأخضر.. هل تتوسع المملكة في الحافلات الكهربائية؟

 الغد-محمود خضر الشبول

 تتقدم الحافلات الكهربائية إلى واجهة خطط التحول نحو نقل أكثر استدامة في المملكة، في وقت تتقاطع فيه توجهات تطوير النقل العام مع إستراتيجيات الطاقة والمناخ والنمو الأخضر، بما يفتح الباب أمام انتقال استخدام الكهرباء من المركبات الصغيرة إلى النقل الجماعي، وما يحمله ذلك من فرص لخفض استهلاك الوقود والانبعاثات وكلف التشغيل.
 
 
ويأتي هذا التوجه في ظل استحواذ قطاع النقل على نحو 41  % من إجمالي استهلاك الطاقة النهائي في المملكة خلال العام 2024، بالتزامن مع وصول عدد المركبات إلى نحو 2.01 مليون مركبة في العام ذاته، بحسب بيانات وزارة النقل، ما يضع رفع كفاءة استهلاك الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي ضمن أبرز دوافع الانتقال التدريجي إلى منظومة نقل أكثر استدامة.
ويرى خبراء ومختصون أن الأردن يمتلك قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع استخدام الكهرباء في النقل الجماعي، مستندا إلى انتشار المركبات الكهربائية والتوسع في الطاقة المتجددة ووجود إستراتيجيات وطنية داعمة، إلا أن الانتقال على نطاق واسع ما يزال مرتبطا بمعالجة تحديات التمويل والكلفة الرأسمالية للحافلات والبنية التحتية للشحن، إلى جانب تأهيل الكوادر الفنية وربط كهربة النقل بالتوسع في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة.
وفي هذا الاتجاه، ناقشت جلسة حوارية نظمتها وزارة النقل في 22 أيلول الحالي، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والمعهد العالمي للنمو الأخضر، تعزيز مشاركة القطاع الخاص في تطوير وتحسين كفاءة النقل العام والارتقاء بجودة الخدمات، وذلك ضمن أنشطة اتفاقية المنحة الأوروبية لبرنامج الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والأردن من أجل التحول الأخضر، البالغة قيمتها 41 مليون يورو.
وركزت الجلسة على التحديات والفرص المرتبطة بالنقل العام وسبل تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، فيما برز التحول الكهربائي لوسائط النقل العام باعتباره أحد المسارات المطروحة لتطوير القطاع ورفع كفاءة استخدام الطاقة وخفض الانبعاثات، إلى جانب الحاجة إلى توفير التمويل والبنية التحتية للشحن والصيانة وإدارة الطاقة والحلول الرقمية والمهارات الفنية اللازمة لهذا التحول.
وتظهر بيانات تقرير الربع الثاني للعام 2026 الصادر عن هيئة تنظيم النقل البري اتساع استخدام الكهرباء في أنماط المركبات الصغيرة؛ إذ بلغ عدد المركبات الصغيرة المرخصة لدى الهيئة والعاملة بمختلف الأنماط 37,465 مركبة، منها 10,584 مركبة كهربائية.
وفي النقل بالحافلات، دخلت 15 حافلة كهربائية الخدمة ضمن منظومة النقل العام في العاصمة، في إطار خطة أمانة عمان الكبرى للتحول التدريجي نحو حافلات صفرية الانبعاثات، وتضم شبكة النقل العام في عمان، التي تشمل الباص سريع التردد "BRT" وباص عمان، 352 حافلة عاملة عبر 41 مسارا، ما يجعل تجربة الحافلات الكهربائية القائمة نقطة يمكن البناء عليها في تقييم كفاءة التشغيل وجدوى التوسع مستقبلا.
إستراتيجية الطاقة تدفع 
نحو النقل المستدام
ويأتي التوجه نحو كهربة النقل ضمن مسار وطني أوسع، إذ أقر مجلس الوزراء في أيار الماضي إستراتيجية قطاع الطاقة للأعوام 2025-2035، التي خصصت محورا للنقل المستدام التي وضعت النقل المستدام ضمن محاورها، مستهدفة وصول المركبات الكهربائية إلى 60  % من مبيعات السيارات الجديدة سنويا، وبلوغ عددها نحو نصف مليون مركبة. 
وتستهدف الإستراتيجية كذلك رفع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة إلى 40  % من خليط الكهرباء بحلول 2035، إلى جانب تطوير المنظومة الكهربائية وإدخال تقنيات التخزين الحديثة وخفض الفاقد الكهربائي إلى 8  % بحلول العام ذاته.
وتبرز أهمية الربط بين النقل والطاقة في أن التحول من محركات الوقود إلى الكهرباء لا يحقق كامل أثره البيئي بمعزل عن مصدر الكهرباء المستخدمة في الشحن، وهو ما يؤكده خبراء تحدثوا لـ"الغد".
وقالت وزيرة النقل السابقة، المهندسة وسام التهتموني، إن تجربة المركبات الكهربائية الصغيرة، ولا سيما العاملة ضمن أنماط النقل العمومي والتطبيقات الذكية، توسعت نتيجة المزايا المرتبطة بكلف الطاقة والتشغيل، فيما ما يزال استخدام الحافلات الكهربائية في النقل العام في بداياته.
وأشارت التهتموني إلى أهمية تقييم تجربة الحافلات الكهربائية العاملة في عمان من حيث الكفاءة التشغيلية وقدرتها على التعامل مع الطبيعة الجغرافية للعاصمة، تمهيدا للبناء على نتائجها والتوسع في التجربة.
وبينت أن الكلفة الرأسمالية المرتفعة لشراء الحافلة الكهربائية تعد من أبرز التحديات، إلا أن المقارنة ينبغي ألا تقتصر على سعر الشراء، وإنما تشمل كلف الوقود والطاقة والصيانة والتشغيل والانبعاثات، مشيرة إلى أهمية التوسع في محطات الشحن السريع وربطها قدر الإمكان بالكهرباء المولدة من مصادر متجددة.
وأشارت التهتموني إلى تجربة سابقة للعمل على تمويل مشروع لحافلات كهربائية في جنوب المملكة يعتمد شحنها على الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية، لافتة إلى إمكانية الاستفادة من صناديق التمويل الدولية التي تدعم التحول نحو الطاقة النظيفة لتوفير قروض ميسرة وتخفيف الكلفة على المشغلين.
وأكدت أن دمج المشغلين في كيانات أكبر من شأنه تعزيز قدرتهم على الوصول إلى التمويل، بدلا من التعامل مع أعداد كبيرة من المشغلين الأفراد، وتوفير أساس أقوى للاستثمار في تحديث الأسطول والتحول نحو الحافلات الكهربائية.
خريطة طريق تبدأ 
بالحافلات السياحية
وفي مسار مواز، أطلقت وزارة البيئة خريطة الطريق للنقل المستدام في قطاع السياحة للأعوام 2026–2030، بالتعاون مع وزارات النقل والطاقة والثروة المعدنية والسياحة والآثار، بهدف دفع قطاع النقل السياحي نحو وسائل نقل منخفضة الانبعاثات، وخلق فرص اقتصادية جديدة، وتعزيز تجربة الزوار، ودعم الابتكار المحلي وتطوير الكوادر الوطنية في مجال النقل والطاقة النظيفة.
وتستهدف الخريطة خفض انبعاثات الحافلات السياحية بنسبة 31  % بحلول 2030، فيما تشير وثيقة الخريطة إلى أن تحقيق هذا المستهدف يتطلب تحويل اكثر من نصف أسطول الحافلات السياحية إلى الكهرباء بحلول ذلك العام، مع خفض مشروط بالدعم الدولي يقدر بنحو 9,591 طنا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. 
وتشمل الخريطة إدخال الحافلات الكهربائية، وتطوير شبكة الشحن، وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتوفير أدوات تمويل لتسريع التحول، إلى جانب تطوير القدرات الفنية. 
التحول يحتاج إلى طاقة نظيفة وتمويل أخضر
من جهتها، قالت المدير التنفيذي لـ"SustainMENA" والخبير في الاقتصاد الأخضر المهندسة شدى الشريف إن الأردن يمتلك إطارا سياسيا محفزا للانتقال نحو النقل النظيف، بدءا من رؤية التحديث الاقتصادي وما تتضمنه من محاور مرتبطة بالاستدامة، وصولا إلى الالتزامات المناخية والخطط المتعلقة بتوسيع البنية التحتية للشحن والنقل منخفض الكربون.
وأوضحت الشريف أن الجدوى البيئية للتحول إلى النقل الكهربائي تتمثل في خفض الانبعاثات وتحسين نوعية الهواء، إلا أن تحقيق الأثر المطلوب يستدعي أن يتزامن التوسع في النقل الكهربائي مع زيادة مساهمة الطاقة المتجددة والنظيفة في توليد الكهرباء.
وأضافت أن الجمع بين المسارين يعزز كذلك الجدوى الاقتصادية للمشاريع وقدرتها على الوصول إلى التمويل المناخي والأخضر، بما في ذلك التمويل الميسر والمنح ودعم القدرات الفنية.
وأشارت الشريف إلى أن التحديات لم تعد تقتصر على اختبار قدرة الحافلات الكهربائية على العمل، في ظل وجود تجارب محلية يمكن تقييمها والبناء عليها، وإنما تشمل أيضا تأهيل العاملين والمشغلين في مجالات التشغيل والصيانة، إلى جانب إعداد المشاريع بصورة تمكنها من الوصول إلى مصادر التمويل الأخضر والمناخي.
الجدوى تقاس بكلفة دورة الحياة
بدوره، قال رئيس اتحاد الجمعيات البيئية عمر الشوشان إن التحول إلى الحافلات الكهربائية يتجاوز تطوير وسيلة النقل ليشكل جزءا من مسار وطني أوسع نحو الاقتصاد الأخضر والعمل المناخي، لما للنقل النظيف من أثر في خفض الانبعاثات وتحسين جودة الهواء ورفع كفاءة استخدام الطاقة، ولذلك فإن تطوير النقل العام النظيف يجب أن ينظر إليه باعتباره استثماراً في الاقتصاد والبيئة وصحة المدن وجودة حياة المواطنين في آن واحد.
وأوضح أن الأردن يمتلك قاعدة يمكن الانطلاق منها في هذا المجال مع التوسع في الطاقة المتجددة ووجود تجارب في النقل الكهربائي، والأهم أن هذا الاتجاه أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بالتزامات الأردن المناخية؛ إذ تضع المساهمات المحددة وطنياً الثالثة (NDC 3.0) النقل المستدام ضمن مسار التحول المناخي، مع التركيز على التخطيط المتكامل للتنقل الحضري وتوسيع البنية التحتية للشحن مشددا على أن الجدوى الاقتصادية للحافلات الكهربائية لا ينبغي قياسها بسعر الشراء فقط.
وبين الشوشان أن ارتفاع الكلفة الاستثمارية الأولية ينبغي النظر إليه ضمن كلفة دورة الحياة الكاملة للحافلة، التي تشمل استهلاك الطاقة والصيانة وعمر البطارية والبنية التحتية والإنتاجية التشغيلية، مشيرا إلى إمكانية تحقيق وفورات في كلف الطاقة والصيانة والتشغيل على المديين المتوسط والطويل.
وأضاف، إن تعظيم الأثر البيئي يتطلب زيادة حصة الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء، إلى جانب تطوير شبكة شحن موثوقة، ورفع جاهزية الشبكة الكهربائية، وتأهيل الكوادر الفنية، ووضع منظومة لإدارة البطاريات وإعادة استخدامها وتدويرها.
وأكد الشوشان أن التمويل يبقى أحد التحديات الرئيسية، ما يستدعي الاستفادة بصورة أكبر من التمويل المناخي والشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات التنموية، وربط الاستثمار في النقل العام بأهداف الأردن المناخية بدلا من التعامل مع مشروعاته بصورة منفصلة.
التحول يتجاوز استبدال الحافلات
ويتقاطع التوجه نحو كهربة الحافلات مع توسع المملكة في تطوير منظومة النقل الجماعي من خلال مشاريع النقل المنتظم بين عمان ومراكز المحافظات، والباص سريع التردد، ومراكز الانطلاق والوصول، بما يتيح مستقبلا قاعدة تشغيلية يمكن البناء عليها لإدخال تقنيات نقل أقل استهلاكا للطاقة وأكثر استدامة.
ويرى مختصون أن الانتقال إلى النقل العام الكهربائي يتجاوز استبدال حافلة تعمل بالوقود التقليدي بأخرى تعمل بالكهرباء؛ إذ يرتبط بتطوير شبكة شحن قادرة على خدمة الأساطيل، ورفع جاهزية الشبكة الكهربائية، وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتأمين التمويل والحوافز للمشغلين، إلى جانب توفير المواصفات الفنية وخدمات الصيانة والكوادر المؤهلة.
وبينما تظهر الإستراتيجيات والخطط الوطنية توجها متزايدا نحو النقل المستدام، تضع المرحلة المقبلة كهربة النقل العام أمام اختبار الانتقال من الخطط والتجارب المحدودة إلى برامج أوسع قابلة للقياس، يكون فيها القطاع الخاص شريكا في التمويل والتشغيل، وتتكامل فيها سياسات النقل والطاقة والمناخ ضمن منظومة واحدة قادرة على تحقيق وفر اقتصادي وخفض الانبعاثات وتحسين جودة خدمات النقل العام.