توظيف الذكاء الاصطناعي.. خطوة جذرية لرفع كفاءة الطاقة واستدامة القطاع
الغد-رهام زيدان
أجمع خبراء على أن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال الطاقة يساهم في استدامة القطاع عبر تحسين كفاءة التشغيل وخفض الكلف وتعزيز القدرة على إدارة الموارد بكفاءة أعلى.
وأكد هؤلاء أنه بينما يواجه قطاع الطاقة جملة من التحديات الهيكلية المتراكمة، بات الذكاء الاصطناعي أحد أبرز الأدوات القادرة على إحداث تحول نوعي في كفاءة منظومة الطاقة وإدارتها الاقتصادية؛ إذ يسهم في الانتقال من أنماط تشغيل تقليدية إلى أنماط تعتمد على التنبؤ والتحليل واتخاذ القرار المناسب، وهو ما ينسجم مع متطلبات التحول العالمي نحو أنظمة طاقة أكثر مرونة وكفاءة.
وقال الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي إن "التحديات الهيكلية التي واجهت القطاع، وفي مقدمتها ارتفاع كلفة استيراد الطاقة، وتقلبات أسعار الوقود، والضغط المتزايد على شبكة الكهرباء، فرضت الحاجة إلى حلول ذكية قادرة على رفع الكفاءة التشغيلية وتقليل الهدر الاقتصادي والبيئي".
وأشار الصفدي إلى أن الذكاء الاصطناعي شكل أداة تمكينية لمعالجة هذه التحديات، من خلال تحسين إدارة الأحمال على الشبكة الكهربائية، والتنبؤ بالطلب، الأمر الذي أسهم في الحد من الانقطاعات غير المخطط لها، ورفع الثقة في الخدمة المقدمة للمستهلكين.
وأضاف: "هذه التقنيات مكنت الجهات المشغلة من اتخاذ قرارات تشغيلية أكثر دقة، قائمة على تحليل البيانات بدلا من التقديرات التقليدية".
وبيّن الصفدي أن الذكاء الاصطناعي لعب دورا مهما في دعم التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، ولا سيما مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، عبر نماذج تنبؤية متقدمة ساعدت في موازنة الإنتاج المتذبذب مع الاستهلاك، وتحقيق مستويات أعلى من الاستقرار في النظام الكهربائي.
وأكد أن هذا الجانب يكتسب أهمية خاصة في ظل الارتفاع المتزايد لحصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني. وعلى صعيد الكفاءة التشغيلية، أوضح الصفدي أن التحليلات التنبؤية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أتاحت الكشف المبكر عن أعطال المعدات في محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، وتحسين جداول الصيانة، وتقليل الأعطال المفاجئة، ما انعكس مباشرة على خفض كلف التشغيل وإطالة العمر الافتراضي للأصول، مضيفا أن هذه التقنيات أسهمت كذلك في خفض الفاقد الفني وغير الفني في الشبكة الكهربائية.
كما أشار إلى دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز إدارة الطلب، من خلال تطبيقات التسعير الذكي وتحفيز المستهلكين والمنشآت الصناعية والتجارية على تعديل أنماط الاستهلاك، بما يخدم استقرار الشبكة ويقلل الحاجة إلى تشغيل وحدات توليد مرتفعة الكلفة في أوقات الذروة.
وفي تقييمه لموقع الأردن عالميا، أوضح الصفدي أن المملكة كانت في مرحلة تبنٍّ وتطبيق مبكر لتقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، مع وجود فجوة واضحة بين الإمكانات الحالية والقدرات المطلوبة للتحول إلى قطاع طاقي ذكي بالكامل، لافتا إلى أن الاقتصادات المتقدمة، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، قطعت شوطا متقدما في استخدام الذكاء الاصطناعي في الشبكات الذكية والتنبؤ بالطلب والتحكم بالأحمال، في حين اقتصرت التجربة الأردنية حتى الآن على مبادرات ومشروعات محدودة النطاق.
وبيّن أن الأردن يمتلك بيانات تشغيلية جيدة وبنية تحتية طاقية قابلة للتطوير، لكنه يحتاج إلى استثمارات أوسع في منصات تحليل البيانات الضخمة وبنى الذكاء الاصطناعي المتقدمة، معتبرا أن تجربة المملكة أقرب إلى تجارب الدول النامية في مسار التحول الرقمي للطاقة، مع توفر فرصة حقيقية لتسريع وتيرة التبني والوصول إلى مستويات إقليمية متقدمة إذا ما جرى استثمار هذه القاعدة بشكل منهجي.
من جهته، قال خبير استراتيجيات وحوكمة الذكاء الاصطناعي والميتافيرس في شركة MetaServ.ME رامي الدماطي إن "توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة بالأردن لم يعد “ترفا تقنيا”، بل بات يتحول تدريجيا إلى ضرورة تشغيلية واقتصادية".
وأرجع ذلك إلى أن طبيعة منظومة الطاقة نفسها تغيرت خلال السنوات الأخيرة، إذ إن دخول الطاقة المتجددة على الشبكة وتذبذب الأحمال، وارتفاع الكلف التشغيلية، وتزايد المخاطر السيبرانية، كلها عوامل تجعل من الذكاء الاصطناعي أداة لا غنى عنها.
وأضاف الدماطي: "غياب الذكاء الاصطناعي، لا سيما في مجالات التنبؤ والتحسين والأتمتة، يعني بقاء كفاءة الشبكة أقل من الممكن، واستمرار اتخاذ القرارات بعد وقوع المشكلة بدل منعها قبل حدوثها"، مشيرا إلى أنه لا يوجد مؤشر عالمي واحد متوافق عليه يقيس بشكل مباشر مستوى تبني الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، إلا أنه يمكن الاستدلال على موقع الأردن من خلال مؤشرات الجاهزية الحكومية والاتجاهات الرسمية والمشاريع المنفذة على أرض الواقع.
ولفت إلى أن "مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2024" الصادر عن Oxford Insights أظهر تقدم الأردن إلى المرتبة 49 عالميا، وهو ما يعكس تحسن البيئة الحكومية والبنية المؤسسية، دون أن يعني بالضرورة أن المملكة أصبحت رائدة عالميا في توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة.
وبين الدماطي أن التوجه نحو الشبكات الذكية والعدادات الذكية ضمن خطط قطاع الطاقة يشكل مؤشرا تطبيقيا واضحا على إدماج الذكاء الاصطناعي، إذ تعتمد هذه الأنظمة بطبيعتها على التحليلات المتقدمة لتحويل البيانات إلى قرارات تشغيلية واقتصادية أفضل، كما أشار إلى وجود توجه عالمي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التخطيط والتشغيل لتنبؤ الأحمال ودمج مصادر الطاقة المتجددة.
وأكد الدماطي أن الاستثمار في العدادات الذكية لا يحقق جدواه ما لم يُستكمل بتشغيل فعلي للشبكة كشبكة ذكية، تُحوَّل فيها البيانات إلى قرارات تشغيلية واقتصادية ملموسة، من خلال تسعير وقت الاستخدام، وإدارة الأحمال، وكشف الاختناقات، وتحسين توزيع الطاقة وجودة الخدمة.
وشدد الدماطي على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في استخدامه بشكل مسؤول وقابل للتشغيل على بيانات موثوقة، محذرا من أن غياب حوكمة قوية للبيانات والتشغيل والأمن السيبراني قد يحول هذه المشاريع إلى استعراض تقني مكلف لا يحقق أهدافه الاقتصادية.
وأكدت الخبيرة في مجال الاقتصاد الأخضر والتغير المناخي والاستدامة م. شذى الشريف أن تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة بات مسألة بالغة الأهمية للأردن، لا سيما في ظل الخطوات الإيجابية التي بدأ باتخاذها خلال السنوات الأخيرة.
وأوضحت أن من أبرز المجالات المرشحة لتوظيف هذه التقنيات كفاءة إدارة الشبكات الكهربائية والتحول نحو ما يُعرف بالشبكات الذكية، وهي مسارات بدأ العمل عليها فعليا، ويتوقع البناء عليها وتوسيع نطاقها في المرحلة المقبلة لتعزيز موثوقية التزويد ورفع كفاءة التشغيل.
وأضافت الشريف أن الارتفاع النسبي لحصة الطاقة المتجددة ضمن الخليط الكهربائي الوطني يجعل من الذكاء الاصطناعي أداة أساسية لتحسين كفاءة هذا النوع من الطاقة، مشيرة إلى أن أنظمة الطاقة الشمسية والرياح تعتمد بدرجة كبيرة على تحليل البيانات الجوية والتنبؤات المناخية.
وبينت أن توظيف الذكاء الاصطناعي في هذا المجال يسهم في تحسين دقة التنبؤ بالإنتاج، وتحقيق تشغيل أكثر كفاءة واستقرارا، بما يدعم دمج الطاقة المتجددة بشكل أفضل في النظام الكهربائي في الأردن.
وفيما يتعلق بخفض الفاقد، أوضحت الشريف أن الذكاء الاصطناعي يتيح فرصا كبيرة لتقليل فاقد الطاقة في مختلف القطاعات، مستشهدة بتجارب قائمة في شبكات الاتصالات، إذ جرى توظيف هذه التقنيات بنجاح لخفض الفاقد وتحسين الكفاءة.
وأضافت أن الأمر ذاته ينطبق على قطاع المياه، الذي يُعد من القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، فضلا عن دوره المحتمل في دعم توجهات المدن الذكية والأبنية الذكية، التي تمثل بدورها مستهلكا رئيسا للطاقة والكهرباء، وتشهد توجها متزايدا لتطويرها في الأردن.
وشددت الشريف على أن إدماج الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة يتطلب، إلى جانب البنية التحتية التقنية، توافر كفاءات علمية ومدربة قادرة على تشغيل هذه الأنظمة وإدارتها بكفاءة.
ونبهت إلى أن الذكاء الاصطناعي يعد سلاحا ذا حدين، إذ يمكن أن يسهم في رفع كفاءة قطاع الطاقة وخفض الانبعاثات، لكنه في المقابل يرافقه استهلاك إضافي للطاقة وبصمة كربونية يجب أخذها بعين الاعتبار عند التخطيط للتوسع في استخدامه، لضمان أن يبقى أداة داعمة لأهداف الاستدامة لا عبئا إضافيا عليها.
يذكر أن وزارة الطاقة والثروة المعدنية ناقشت في وقت سابق من العام الحالي تنفيذ مشروع “استعمال الذكاء الاصطناعي في نظام التخطيط والتشغيل للأحمال الكهربائية”، ليكون أول مشروع يتم البدء بتنفيذه ضمن الاستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي وخطتها التنفيذية 2023–2027، بتمويل من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي.
كما أظهر تقرير دولي حديث صادر عن وكالة الطاقة الدولية أن الذكاء الاصطناعي مرشح لإحداث تحول عميق في قطاع الطاقة خلال العقد المقبل، رغم ما يرافق ذلك من تحديات تتعلق بأمن الطاقة وسلاسل توريد المعادن الحرجة وعدم اليقين بشأن سرعة وكفاءة التبني.