"البيئي" يدخل المجلس الاقتصادي الاجتماعي.. هل تتغير آليات صنع القرار؟
الغد-فرح عطيات
في وقت تتزايد فيه الضغوط المناخية والاقتصادية على الأردن، تعود العلاقة بين البيئة والسياسات العامة إلى واجهة النقاش الرسمي، لكن هذه المرة من بوابة مؤسسية جديدة تسعى إلى إعادة تعريف دور الملف البيئي داخل عملية صنع القرار.
فالمسودة المعدلة لنظام المجلس الاقتصادي والاجتماعي، التي نُشرت على ديوان التشريع والرأي، لا تكتفي بإضافة كلمة "البيئي" إلى اسم المجلس، بل تعكس توجها رسميا نحو إدماج الاعتبارات البيئية ضمن منظومة التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، في خطوة تُقرأ باعتبارها محاولة لتجاوز التعامل التقليدي مع البيئة كقطاع منفصل أو ملف خدمي محدود التأثير.
وتأتي هذه التعديلات في سياق محلي وإقليمي يتزايد فيه الإدراك بأن التحديات البيئية لم تعد منفصلة عن قضايا الأمن المائي والغذائي والطاقة والاستقرار الاقتصادي، خصوصا في دولة تُعد من بين الأكثر هشاشة مائيا وتأثرا بالتغير المناخي.
ومن هنا، فإن توسيع اختصاصات المجلس ليشمل تقييم السياسات البيئية، وإصدار تقارير سنوية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، يمنح البعد البيئي حضورا مؤسسيا أوسع داخل دوائر القرار، ويشير إلى انتقال تدريجي نحو مقاربة أكثر تكاملا بين التنمية والموارد الطبيعية، وفق خبراء بيئيين.
ووفق مسودة النظام، فإن المجلس يقدم الاستشارة للسلطة التنفيذية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويجوز له تقديمها للسلطتين التشريعية والقضائية بموافقة رئيس الوزراء أو من يفوضه.
ومن بين المهام الجديدة التي أُضيفت إليه إصدار تقرير سنوي عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ورفعه إلى جلالة الملك ورئيس الوزراء، إضافة إلى إجراء الحوار والتعاون بين الأطراف ذوي العلاقة بعمل المجلس.
كما أصبح تقييم الأوضاع واقتراح السياسات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية من مهامه أيضا.
ومن بين التعديلات المستحدثة أنه يحق لرئيس الوزراء إحالة مشاريع القوانين ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وأي مجال آخر ذي صلة بعمل المجلس، إليه لإبداء الرأي.
كما يجوز لمجلس الوزراء ولأي من المؤسسات الرسمية العامة طلب الاستشارة من المجلس في السياسات والخطط ذات العلاقة بالمجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، أو أي مجال آخر ذي صلة، مع التنسيق مع وزارة البيئة فيما يخص الشؤون البيئية.
ويحق للمجلس، بحسب المسودة، أن يبدي رأيه من تلقاء نفسه في القضايا ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
وأصبح المجلس يتألف، وبقرار من مجلس الوزراء، من خمس مجموعات، بحيث أُضيف إلى المجموعة الأولى مختصون يمثلون الوزارات والمؤسسات والهيئات الرسمية ذات العلاقة بمهام المجلس، إضافة إلى أعضاء من ذوي الخبرة والكفاءة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
خطوة إيجابية
ومن وجهة نظر رئيس مجلس إدارة جمعية إدامة للطاقة والمياه والبيئة، د. دريد محاسنة، فإن إضافة البعد البيئي لعمل المجلس تُعد "خطوة إيجابية" نحو تطوير العمل البيئي في المملكة.
وأكد لـ"الغد" أن أي استشارات أو دراسات أو تقارير يصدرها المجلس يجب أن تكون ذات "طابع إلزامي قانوني"، بحيث يتم الأخذ بها وتنفيذها على أرض الواقع.
ولفت إلى أن المجلس يتوجب عليه اعتبار هذه الخطوة فرصة لتعزيز إدماج البعد البيئي في جميع المشاريع الاستثمارية، الصناعية وغيرها، بهدف تسريع عملية التطوير البيئي والتنموي، وألا يقتصر عمله على الإطار "الشكلي" فقط.
وشدد على ضرورة أن تأخذ السلطتان التشريعية والتنفيذية بعين الاعتبار تعديل القوانين بما يضمن تنفيذ مخرجات المجلس، بحيث تنعكس توصياته على الخطط والاستراتيجيات والبرامج الحكومية البيئية.
ربط القرارات الاقتصادية بالأثر البيئي
وترى المختصة في قضايا المياه والبيئة، د. منى هندية، أن إدراج البيئة ضمن مهام المجلس الاقتصادي والاجتماعي يُعد "خطوة مهمة جدا"، إذ إن قضايا المياه والطاقة والتلوث والنفايات والتصحر والنقل والصحة العامة والاستثمار مترابطة مع الاقتصاد والمجتمع.
ولفتت إلى أن وجود "البيئة" داخل مجلس حوار وطني قد يساعد على ربط القرارات الاقتصادية والاجتماعية بأثرها البيئي، إلا أن النص الحالي وحده "غير كافٍ" إذا كان الهدف أن يكون للمجلس دور بيئي حقيقي، وليس مجرد إضافة شكلية إلى الاسم والمهام.
وحذّرت من أن تتحول الإضافة إلى أمر "شكلي"، بحيث تُدرج البيئة في الاسم دون أن تنعكس فعليا على القرارات الحكومية أو الموازنات أو التشريعات، لتصبح مجرد "فصل صغير" داخل تقرير عام.
وشددت على ضرورة أن تكون التقارير البيئية "مستقلة"، مع تخصيص قسم بيئي واضح ضمن التقرير السنوي، يتضمن منهجية ومؤشرات وتوصيات محددة.
وأكدت أيضا أن التنسيق مع وزارة البيئة يجب ألا يمس استقلالية المجلس في إعداد تقاريره وتوصياته ونشرها.
وترى أن الأفضل هو إصدار تقرير وطني مستقل عن الحالة البيئية والتنمية المستدامة سنويا، على أن يكون متاحا للعلن، ومرفقا بمصفوفة متابعة حكومية.
كما دعت إلى أن يتضمن النشر العلني البيانات والمنهجية، بما يتيح للجهات الإعلامية والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والنواب محاسبة الجهات المعنية.
ومن النقاط الإيجابية في مسودة المشروع، بحسب هندية، السماح للمجلس بطلب أي بيانات أو معلومات أو وثائق من أي جهة، مع إلزام الجهات المعنية بالاستجابة، ما يعزز استقلالية التقرير.
ودعت أيضا إلى إنشاء لجنة بيئية متخصصة داخل المجلس تضم خبراء مستقلين في المياه والمناخ والصحة البيئية والطاقة والنفايات والتخطيط الحضري والاقتصاد الأخضر، وليس فقط ممثلين حكوميين، حتى لا تتأثر استقلالية التقرير.
وشددت على أن توصيات التقرير البيئي، إذا لم تُرفق بمخصصات مالية، ستبقى "حبرا على ورق"، داعية إلى مناقشة توصيات المجلس قبل إعداد الموازنة العامة للدولة.
ضرورة دمج الاعتبارات البيئية
ويرى رئيس اتحاد الجمعيات البيئية، عمر الشوشان، أن إدراج البعد البيئي في المجلس الاقتصادي والاجتماعي يُعد خطوة "إيجابية ومهمة" في الاتجاه الصحيح، في ظل التحديات المناخية والبيئية التي يواجهها الأردن والمنطقة.
لكنه يؤكد أن نجاح هذه الخطوة لا يرتبط بتعديل الاسم أو توسيع الاختصاصات نظريا فقط، بل بمدى قدرة التعديلات على بناء دور مؤسسي "فاعل وحقيقي" للملف البيئي داخل المجلس.
ولفت إلى أن القضايا البيئية لم تعد ملفات قطاعية تقليدية، بل أصبحت مرتبطة بالأمن المائي والغذائي والطاقة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وشدد على أهمية توفير ضمانات واضحة للاستقلالية الفنية والإدارية والمالية، بما يمكّن المجلس من أداء دوره كمؤسسة استشارية وطنية مستقلة.
وأشار إلى ضرورة تعزيز حضور الخبرات البيئية والمناخية داخل المجلس، وإدماج مفاهيم الاقتصاد الأخضر والتمويل المناخي وإدارة مخاطر التغير المناخي والتكيف والانتقال العادل ضمن أولويات العمل المؤسسي.
ودعا إلى تطوير آليات لإشراك الجامعات ومراكز البحث والخبراء والمجتمع المدني والشباب في الحوار الوطني حول السياسات البيئية والتنموية، بما يعزز الشفافية ويحول المجلس إلى منصة حقيقية للحوار والتخطيط الاستراتيجي المستدام.
وختم بأن هذه التعديلات تمثل فرصة لتطوير نموذج وطني أكثر تكاملا بين الاقتصاد والبيئة والتنمية، إلا أن نجاحها يعتمد على تحولها إلى أدوات مؤسسية فاعلة على أرض الواقع، وليس مجرد توسع شكلي في الاختصاصات دون أثر عملي ملموس.