أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    16-Feb-2026

إندونيسيا؛ حين يتحول رأس المال السياسي إلى فرص اقتصادية*لواء ركن متقاعد جمال مضاعين

 الغد

دخلت العلاقات الأردنية– الإندونيسية مرحلة جديدة تؤسس لتطور نوعي يتجاوز الدبلوماسية التقليدية نحو شراكة شاملة متعددة المسارات. وقد اكتسب هذا المسار زخماً نوعياً بعد زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني الأخيرة إلى جاكرتا، والتي يمكن توصيفها بأنها «التفاتة إستراتيجية» جاءت في توقيتها الصحيح، مستندة إلى مناخ من الثقة السياسية والعلاقة الخاصة والمتراكمة مع الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو.
 
 
 ما يميز هذه العلاقة أنها لا تقوم فقط على تبادل المصالح، بل على رأسمال سياسي وثقافي كبير ومشترك، قادر، إذا ما أُحسن استثماره، على التحول إلى فرص اقتصادية فعلية، تتجاوز التردد البيروقراطي، وتمنح رؤوس الأموال وصنّاع القرار مظلة ثقة نادرة في العلاقات الدولية المعاصرة.
 خلافاً لبعض الانطباعات، تمتلك إندونيسيا اقتصاداً ضخماً يُعد من الأكبر عالمياً، وهي عضو في مجموعة العشرين (G20)، بناتج محلي إجمالي يناهز 1.44 تريليون دولار. هذا الحجم الاقتصادي يفتح آفاقاً واسعة لعلاقات اقتصادية معمّقة، وهو ما عكسته مذكرة التفاهم الأخيرة بين وزارة الاستثمار الأردنية وصندوق الثروة السيادي الإندونيسي، التي تشكل مدخلاً عملياً لمسارات تعاون قابلة للتوسع.
ثمّة مسارات مهمة وقد تكون استثنائية لتطوير العلاقات الأردنية–الإندونيسية. وفي مقدمة هذه المسارات، يبرز ملف الفوسفات بوصفه فرصة للتحول من تجارة تقليدية إلى شراكة صناعية متكاملة، تشمل استثمارات في الصناعات الزراعية المرتبطة به، مثل الأسمدة المركبة وحامض الفسفوريك وإضافات الأعلاف. هذا التحول لا يضيف قيمة اقتصادية عالية فحسب، بل يعزز موقع الأردن كمنصة إقليمية في هذا القطاع الحيوي.
 المسار الثاني يتمثل في السياحة الدينية والتعليم الديني، فالأردن، بما يمتلكه من قيمة تاريخية ودينية ثرية ومتنوعة، مثل مقامات الصحابة ومواقع أحداث تاريخية مفصلية، يمثل مقصداً مهماً لسياحة دينية آمنة ومستقرة، ومؤهلاً ليكون وجهة جاذبة للسياحة الدينية الإندونيسية، ويتكامل ذلك مع خبرة أردنية طويلة في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وتدريس العلوم الشرعية بمنهج وسطي، وهو ما يخلق دخلاً مستداماً للمؤسسات التعليمية، ويعزز النفوذ الثقافي الأردني كأداة من أدوات القوة الناعمة.
 أما المسار الثالث، فيرتبط بالموقع الجغرافي للأردن، الذي يؤهله ليكون بوابة استثمار وإعادة تصدير للبضائع الإندونيسية نحو أوروبا وأفريقيا وغرب آسيا. ويتطلب ذلك تطوير مناطق لوجستية وصناعية، وتشجيع التصنيع الخفيف وإعادة التصدير. ويبرز هنا مجال واعد هو اقتصاد الحلال، الذي تُقدّر قيمته عالمياً بنحو 3 تريليونات دولار، ويشهد تنافساً متسارعاً في إندونيسيا، ما يفتح المجال لشراكات تجعل من الأردن منصة تصنيع وتسويق في هذا القطاع المتنامي.
 ويُضاف إلى هذه المسارات بُعدٌ استراتيجي واعد، يتمثل في إمكانات التعاون الدفاعي والصناعات الدفاعية بين الأردن وإندونيسيا. فالبلدان يمتلكان خبرات متراكمة في هذا المجال؛ إذ راكم الأردن خلال العقود الماضية تجربة معتبرة في الصناعات الدفاعية، والتقنيات العسكرية المتوسطة، والتدريب، والخدمات اللوجستية، فيما تسعى إندونيسيا إلى تطوير قاعدتها الصناعية الدفاعية وتعزيز قدراتها التصنيعية ونقل التكنولوجيا. ويتيح هذا التكامل فرصاً لشراكات في مجالات التصنيع المشترك، وتطوير المعدات، والتدريب، والصيانة، بما يعزز الاكتفاء الذاتي، ويفتح أسواقاً جديدة، ويحوّل التعاون الدفاعي إلى رافعة اقتصادية وتكنولوجية، ضمن إطار يحترم اعتبارات السيادة والأمن الوطني لكلا البلدين.
الأرقام التجارية تعكس بالفعل بداية هذا التحول؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 921.7 مليون دولار عام 2024، مع صادرات أردنية تتركز في الفوسفات والأسمدة والبوتاس، مقابل واردات من زيت النخيل والمنسوجات والمنتجات الخشبية. ورغم أن الميزان التجاري يميل حالياً لصالح إندونيسيا، فإن طبيعة الشراكات المطروحة قادرة على إعادة التوازن على المدى المتوسط، ويُضاف إلى ذلك بُعد إقليمي مهم، يتمثل في إمكانية التعاون الأردني–الإندونيسي في مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، في ظل وجود تفاهمات إندونيسية–سورية في هذا المجال. 
خلاصة القول، إن الفرص المتاحة اليوم تتطلب مقاربة اقتصادية شاملة للعلاقات الأردنية–الإندونيسية، تتجاوز منطق التبادل التجاري إلى بناء شراكات إستراتيجية في قطاعات محددة، على رأسها الفوسفات، والسياحة الدينية، والتعليم، واللوجستيات، واقتصاد الحلال، والتعاون الدفاعي. وهي مقاربة لا تَعِد فقط بعوائد اقتصادية، بل بفرص حقيقية لمواجهة البطالة، وتعزيز الموقع الإقليمي للأردن، وتحويل العلاقات السياسية المتقدمة إلى مكاسب تنموية ملموسة.