أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    20-Sep-2026

كيف يسهم دعم الحكومة لشراء الحبوب بالتنمية الريفية وحماية المزارعين؟

 الغد-عبدالله الربيحات

 أكد خبراء في الزراعة أن موافقة مجلس الوزراء على زيادة المخصصات المالية المرصودة لشراء الحبوب البلدية من محصولي القمح والشعير من إنتاج الموسم الزراعي 2025/ 2026 لتصبح 59 مليون دينار بدلا من 45 مليونا، يستحق أن يُقرأ على حقيقته: أداة جادة للتنمية الريفية وحماية دخل مزارعي الحبوب، لا حل لمعضلة الأمن الغذائي، وتسويقه بوصفه تحولاً في معادلة المخزون يضرّه أكثر مما ينفعه، لأنه يرفع توقعات لا يستطيع الوفاء بها، ويحجب قيمته الفعلية خلف وعد أكبر منه. 
 
 
وبينو لـ”الغد”، انه لكي يدوم أثر هذا القرار الحكومي، يلزم أمران. الأول أن تتحول مخصصات الشراء لالتزام متعدد السنوات، تُعلن كمياته وأسعاره قبل موسم الزراعة، لا في منتصف الحصاد. 
والثاني أن تُصمَّم آليات الاستلام والدفع بما يضمن وصول صغار المزارعين إلى السعر الحكومي مباشرة، عبر مراكز استلام قريبة وصرف سريع للمستحقات، عندها يصبح القمح البلدي رافعة حقيقية للريف، ويأخذ مكانه الطبيعي في المخزون، ليغدو رافداً مهماً، لا بديل عن سياسة استيراد وتخزين محكمة.
تعزيز المخزون الإستراتيجي
الأمين العام للتحالف الوطني لمكافحة الجوع د. فاضل الزعبي، قال إن هذا القرار يأتي للمرة الثانية في موسم واحد، بزيادة مخصصات شراء القمح والشعير البلديين من إنتاج الموسم الزراعي 2026/2025، لتبلغ 59 مليون دينار بدلاً من 45 مليوناً، بهدف رفع الكميات المشتراة من المزارعين من 110 آلاف طن إلى 147 ألفا. 
وأضاف الزعبي، أن الحكومة ضاعفت هذه المخصصات في حزيران (يونيو) الماضي لـ45 مليون دينار، بعد أن كانت 19 مليوناً في الموسم الماضي الذي اشترت فيه 40 ألف طن فقط. وتعديل الرقم مرتين خلال أشهر قليلة، يشير إلى أن ما عرضه المزارعون للبيع فاق التقديرات الأولى. وقد جاء القرار معنوناً بتعزيز المخزون الإستراتيجي، غير أن السؤال الأجدى بالطرح هو: ما الأهمية الحقيقية لهذا القرار، وأين يقع أثره الأكبر؟ الجواب: أن أثره الأكبر يقع في القرى الزراعية قبل الصوامع. فهذه الملايين ليست بنداً محاسبياً في ملف المخزون، بل سيولة نقدية تصل مباشرة إلى مجتمعات تعيش على هامش الاقتصاد الوطني، بحيث تضيق فرص العمل ويشتد دافع الرحيل نحو المدن. ومزارع الحبوب البعلية هو الحلقة الأضعف في القطاع الزراعي كله: يزرع دون ري، ويحصد بعائد لا يعرفه مسبقاً، ثم يقف عند التسويق أمام تاجر يدرك أنه لا يملك مخزناً ولا يحتمل الانتظار. 
وحين تلتزم الدولة بشراء محصوله بسعر معلن، فإنها تنزع عنه أثقل عبئين يحملهما: خطر السعر وخطر التصريف. وهذان الخطران، لا ضعف الإنتاجية وحده، هما ما دفع كثيرين عبر السنين لهجر زراعة الحبوب أو الاكتفاء بتأجير الأرض للرعي.
وقال الزعبي إن أثر هذا الالتزام، يمتد لما بعد الموسم الحالي، فالمزارع الذي يطمئن لوجود سوق لمحصوله أقدر على إبقاء أرضه في دورة الإنتاج بدل تركها بوراً أو التفريط بها أمام الزحف العمراني الذي يقضم الأراضي البعلية عاماً بعد عام، وأقدر على سداد ما تراكم عليه من ديون والاستعداد للموسم التالي. 
وأضاف أن الأثر يتسع ليشمل حلقات التشغيل المحيطة بالحصاد، من الحصادات إلى النقل والتعبئة والتخزين، وهي أنشطة صغيرة لكنها تحفظ لقرى كثيرة شيئاً من حيويتها الاقتصادية. ثم إن المال الذي يُصرف في موسم الحصاد، يتحول سريعاً لإنفاق داخل الاقتصاد المحلي، في محالّ القرية وورشها وخدماتها، فيصل أثره إلى من لا يملكون أرضاً أصلاً. والإبقاء على زراعة الحبوب ليس مسألة اقتصادية خالصة، فهو جزء من صون النسيج الاجتماعي لهذه المجتمعات وارتباطها بأرضها.
وقال الزعبي، لكن الأمانة التحليلية تقتضي ألا نفترض بأن هذه المنفعة تصل تلقائياً لصغار المزارعين. فالشراء الحكومي يكافئ الكمية المسلّمة، ومن يسلّم أكثر يقبض أكثر، ما يعني أن الحصة الأوفر من المخصصات، تذهب بحكم الآلية نفسها للحيازات الكبيرة، ولمن يملك الآليات ووسائل النقل. أما صاحب الحيازة الصغيرة الذي يتعذر عليه إيصال محصوله لمراكز الاستلام، أو لا يقوى على انتظار صرف مستحقاته، فقد يضطر للبيع لوسيط بسعر أدنى، فيذهب جزء من الدعم لغير مقصده. عند هذه النقطة يصبح تصميم آليات الاستلام، وقرب مراكزها، وسرعة الدفع، أبلغ أثراً من حجم المخصصات ذاته.
وأشار إلى أن الإنتاج البعلي، يبقى رهينا بالمطر. والموسم الجيد الذي رفع الكميات المعروضة لا يعني أن مساراً جديداً قد بدأ، فموسم شحيح واحد، يكفي لإعادة الأرقام للوراء مهما ارتفعت المخصصات. لذلك لا تُقاس جدوى هذه السياسة، بما تحقق هذا العام، بل بقدرتها على التحول لالتزام ثابت يبني عليه المزارع قراره قبل البذار، لا لتعديل يأتي بعد الحصاد.
أما في ميزان الأمن الغذائي، فبين الزعبي، أن الحساب مختلف والتنبيه الأول هو أن الكميات المعلنة هي ما تشتريه الحكومة، لا إجمالي الإنتاج الوطني، إذ يذهب جزء من المحصول للاستهلاك الذاتي والبذار والسوق الحرة، وإن كانت هي الكميات التي تدخل فعلاً في المخزون الاستراتيجي. ومهما بدت الزيادة لافتة قياساً بالموسم الماضي، فهي تظل جزءاً محدوداً من حاجة المملكة السنوية من الحبوب، في بلد يستورد الجزء الأكبر من قمحه وشعيره. والفجوة هنا ليست فجوة درجة يردمها قرار أو قراران، بل فجوة بنيوية تصنعها ندرة المياه ومحدودية الأراضي الصالحة لزراعة الحبوب وتنامي الطلب.
وبين أنه لتقريب الصورة، يمكن تشبيه المخزون الاستراتيجي بخزان يُملأ من أنبوبين: أنبوب رئيس هو الاستيراد، وأنبوب فرعي هو الإنتاج المحلي. ومن المفيد توسيع الأنبوب الفرعي، لكنه لن يغيّر حقيقة أن امتلاء الخزان مرهون بالأنبوب الرئيس، وأن اضطراب الأسواق العالمية أو خطوط الشحن سيبقى العامل الحاسم. ومع ذلك فلكل طن محلي قيمة تتجاوز حصته الحسابية، وهو طن لا يعبر البحار، ولا يخضع لتقلب الأسعار الدولية وكلف النقل، ولا تطاله قرارات حظر التصدير التي تلجأ إليها الدول المنتجة في الأزمات. وفي لحظات الاضطراب يكتسب هذا الطن وزناً يفوق وزنه في الجداول.
والشعير يستحق ملاحظة مستقلة، فمعظمه يذهب علفاً، ودعم إنتاجه المحلي يمسّ مباشرة كلفة تربية المواشي ودخل مربيها، فهو أقرب لدعم الإنتاج الحيواني والاقتصاد الريفي منه إلى تأمين رغيف الخبز.
قاعدة وطنية لإنتاج الحبوب
من جهته بين الخبير بالتنمية الريفية والأمن الغذائي د. نائل الظاهر، أن قرار مجلس الوزراء يكتسب أهمية تتجاوز قيمته المالية المباشرة، فالقرار سيرفع الكميات المستهدفة للشراء من المزارعين من 110 آلاف إلى 147 ألف طن في الموسم الزراعي 2026/2025. والأهم أن هذه هي الزيادة الثانية خلال الموسم؛ إذ كانت الحكومة قد رفعت في حزيران (يونيو) الماضي المخصصات من 19 إلى 45 مليون دينار، بعد أن بلغت الكميات في الموسم السابق نحو 40 ألف طن فقط.
وأضاف الظاهر، اقتصادياً، يمكن قراءة القرار باعتباره استثماراً في بعدين متكاملين للأمن الغذائي: المخزون الإستراتيجي والقدرة الإنتاجية المحلية. فإضافة الحبوب المنتجة محلياً للمخزون تقلل ـ ولو جزئياً ـ درجة الانكشاف أمام اضطرابات الأسواق وسلاسل الإمداد الخارجية، في وقت أصبحت فيه الأزمات الإقليمية وتقلبات النقل والطاقة والتجارة أكثر تكراراً. لكن القيمة الأعمق للقرار، تكمن بالمحافظة على وجود قاعدة وطنية لإنتاج الحبوب، يمكن دعمها وتوسيعها ضمن الحدود الاقتصادية والمائية الممكنة.
وزاد أن القرار يمثل رسالة اقتصادية مهمة للمزارع، فالزراعة لا تستجيب فقط للدعوات لزيادة الإنتاج، وإنما للحوافز الاقتصادية وتوقعات السوق. وعندما تعلن الحكومة مسبقاً استعدادها للشراء وتحدد أسعار معروفة، فإنها تخفض جانباً من عدم اليقين الذي يواجه المزارع عند اتخاذ قرار الزراعة. وقد تضمن قرار حزيران (يونيو) الماضي أسعار شراء بلغت 520 ديناراً للطن من قمح البذار و440 ديناراً لشعير البذار، إلى جانب أسعار محددة للأصناف الأخرى، كما سمح بالإعلان المسبق عن أسعار الموسم اللاحق.
ولأنه من منظور التنمية الريفية، فإن الإنفاق على شراء الإنتاج المحلي لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره تكلفة للحصول على القمح والشعير. فجزء من هذه الأموال، يعود للمناطق الزراعية في صورة دخل للمزارعين، ويساعد باستمرار النشاط الزراعي واستخدام الأراضي وتشغيل الخدمات المرتبطة بالإنتاج والنقل والتخزين. ومن هنا، فإن شراء الحبوب المحلية، يؤدي وظيفة اجتماعية وتنموية إلى جانب وظيفته في الأمن الغذائي.
وأوضح بانه لنجاح هذه السياسة، نحتاج لموازنة دقيقة بين الأمنين الغذائي والمائي. فالأردن لا يستطيع، ولا يحتاج لبناء أمنه الغذائي على هدف الاكتفاء الذاتي الكامل من القمح والشعير إذا كان ذلك سيؤدي لاستنزاف الموارد المائية المحدودة. لذلك ينبغي توجيه التوسع بصورة أساسية نحو المناطق والأراضي المناسبة، بخاصة ذات الإنتاج المطري حيثما تسمح الظروف، وربط الدعم بإنتاجية المياه وكفاءة استخدام الموارد وليس بمجرد زيادة المساحات المزروعة.
والخطوة التالية، ينبغي أن يكون الانتقال من دعم الكمية لدعم الكفاءة والاستدامة. فمن المفيد تقييم هذه السياسة سنوياً وفق مؤشرات واضحة: كم أضاف الإنتاج المحلي للمخزون الاستراتيجي؟ كم استفاد المزارع؟ ما تكلفة الطن المنتج محلياً مقارنة بالمستورد؟ وكم من المياه استُخدم لإنتاجه؟ وما أثر السياسة على دخل الأسر الريفية واستمرار الأراضي في الإنتاج؟
وقال الظاهر، تكمن أهمية القرار بأنه يربط بين المخزون الاستراتيجي والمزارع الأردني والتنمية الريفية. فالاحتفاظ بمخزون من القمح والشعير ضروري، لكن الاحتفاظ أيضاً بقدرة وطنية على الإنتاج لا يقل أهمية. والتحدي هو تحقيق ذلك دون تحميل الموارد المائية والمالية كلفة غير مستدامة.
لذلك، فإن الـ59 مليون دينار لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها مخصصات لشراء 147 ألف طن من الحبوب؛ بل باعتبارها استثماراً في قدرة الأردن على الاحتفاظ بخياراته عند الأزمات. وفي بيئة إقليمية تتزايد فيها حالة عدم اليقين، بحيث تصبح قوة الأمن الغذائي بتنوع مصادره: مخزون في الصوامع، وإمدادات آمنة من الخارج، وقدرة إنتاجية مستدامة في الداخل، ومزارع قادر على الاستمرار في أرضه.
الأمان والاستقرار
بدوره بين الخبير د. حسان العسوفي، أن دعم شراء محصولي القمح والشعير من المزارعين بأسعار تشجيعيةـ يعد أداة مهمة لتحفيز المزارعين على الاستمرار بزراعة المحاصيل الحقلية، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج من بذور وأسمدة ووقود وأجور وخدمات زراعية. فوجود سعر شراء واضح ومضمون قبل الموسم أو عند بدايته، يمنح المزارع قدرًا أكبر من الأمان والاستقرار، ويقلل من مخاطر تقلبات الأسعار والتسويق، ما يشجع على التوسع في المساحات المزروعة والاهتمام بتحسين الإنتاجية والجودة بدلًا من التوجه لمحاصيل أخرى قد تكون أكثر ربحية على المدى القصير.
وأضاف أن شراء القمح والشعير محليًا، لا يقتصر أثره على دعم المزارع فقط، بل يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي، وتعزيز الاعتماد على الإنتاج الوطني، بخاصة أن الأردن يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الحبوب. وبالتالي فإن كل طن ينتج ويسوق محليًا، يمثل مساهمة بتقليل فجوة الاستيراد وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة اضطرابات الأسواق العالمية وسلاسل التوريد. كما أن انتظام الشراء من المزارعين، يخلق علاقة أكثر استقرارًا بين المنتج والجهات المسؤولة عن التسويق والتخزين، ويعزز ثقة المزارع بالقطاع الزراعي وبالسياسات الحكومية المتعلقة بالمحاصيل الاستراتيجية.
وفنيا، بين العسوفي أن دعم شراء القمح والشعير ينبغي ألا يكون مجرد رفع لسعر الشراء، بل جزءا من منظومة متكاملة لدعم المحاصيل الحقلية، تبدأ بتوفير بذور محسنة وملائمة للظروف المناخية والمائية، وتقديم الإرشاد حول مواعيد الزراعة والكثافة السمادية وإدارة المياه، وتنتهي بضمان التسويق والشراء وفق معايير واضحة للجودة. ومن المهم أيضًا ربط سعر الشراء بجودة المحصول والإنتاجية، مع وضع حوافز إضافية للمزارعين الذين يستخدمون الأصناف ذات الكفاءة العالية باستخدام المياه والممارسات الزراعية التي ترفع الإنتاجية وتحافظ على التربة. بهذه الطريقة يتحول الدعم من إجراء قصير الأجل إلى سياسة إنتاجية مستدامة، تشجع المزارع على زيادة الإنتاج وتحسين الكفاءة، وتخدم في الوقت نفسه أهداف الأمن الغذائي الوطني.