الحليب.. كيف نحميه من تقلبات المناخ والأسعار؟
الغد-عبدالله الربيحات
يحتفل العالم في مستهل حزيران (يونيو) من كل عام باليوم العالمي للحليب، إذ يمثل الحليب ومشتقاته أكثر من مجرد عنصر غذائي أساسي في سلة الغذاء اليومية للبشر، فهو ركيزة إستراتيجية لمنظومة الأمن الغذائي العالمي، وشريان حياة اقتصادي يربط بين الريف والحضر.
ووفقا لأحدث البيانات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، فإن قطاع الألبان يدعم سبل عيش نحو مليار شخص حول العالم، بدءا من أصحاب الحيازات الصغيرة ومربي الماشية، وصولا إلى العاملين في مجالات التصنيع، والنقل، والتوزيع.
وتكمن الأهمية التنموية لهذا القطاع في قدرته على توفير تدفق نقدي يومي ومستمر للأسر الريفية، على عكس المحاصيل الموسمية، مما يجعله أداة رئيسة في مكافحة الفقر الريفي، وتمكين النساء اللواتي يدرن جزءا كبيرا من هذا النشاط عالميا.
من الناحية التغذوية، يُصنف الحليب كأحد أكثر الأغذية كفاءة وتكاملا في الطبيعة؛ فهو المصدر الأساسي للكالسيوم عالي الإتاحة الحيوية، والبروتينات عالية الجودة، والفيتامينات الأساسية مثل (B12) و(D)، مما يجعله عنصرا حاسما في برامج التغذية المدرسية ومكافحة التقزم وسوء التغذية لدى الأطفال حول العالم.
واليوم، يتجاوز الإنتاج العالمي من الحليب حاجز 900 مليون طن سنويا، مما يضع قطاع الألبان في مقدمة الصناعات الغذائية التي تشكل ملامح الاستقرار الصحي والاقتصادي للمجتمعات.
ويصل إنتاج العالم من الحليب إلى نحو 920 مليون طن سنويا، مع نمو ملحوظ في الطلب بالأسواق الناشئة، بينما يدعم القطاع سبل عيش نحو مليار شخص، ويعد المصدر الرئيس للدخل اليومي للملايين من صغار المزارعين، ويسعى القطاع عام 2026 لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة تزيد على 20 % عبر ممارسات الإدارة المستدامة للثروة الحيوانية.
التحول الرقمي في المزارع
خبير الأمن الغذائي د. فاضل الزعبي، بين أن قطاع إنتاج الحليب يواجه حاليا تحديات بيئية ومناخية معقدة، تتطلب حلولا غير تقليدية؛ فمن ناحية، تؤثر موجات الجفاف الشديدة وتذبذب الأمطار على توافر الأعلاف الخضراء وارتفاع أسعارها عالميا، فضلا عن تأثير الإجهاد الحراري المباشر على إنتاجية الأبقار وجودة الحليب.
وأضاف الزعبي أن القطاع يطالب بتقليص بصمته البيئية، إذ تسعى المبادرات الدولية مثل "ألبان صافي الانبعاثات الصفرية" إلى تبني تقنيات مبتكرة لإعادة تدوير المخلفات، وتقليل انبعاثات غاز الميثان بتحسين جودة الأعلاف واستخدام الإضافات الغذائية الذكية.
ولفت إلى أن مزارع الألبان الحديثة تشهد تحولا تكنولوجيا متسارعا لحل معضلات الكفاءة والإنتاجية؛ إذ تسهم تقنيات "الزراعة الدقيقة" وأنظمة الحلب الآلي (الروبوتية)، إلى جانب الحساسات الذكية التي تراقب صحة الماشية ومؤشراتها الحيوية، في تحسين كفاءة التحويل الغذائي وتقليل الهدر، وهذا الدمج بين التكنولوجيا الحيوية والحلول الرقمية يضمن زيادة الإنتاجية الإجمالية للمزارع مع الحفاظ على أعلى معايير سلامة الأغذية ورفاهية الحيوان.
إقليميا، بين الزعبي أن القطاع يكتسب بعدا سياديا يرتبط بقدرة الدول على تحقيق الاكتفاء الذاتي وحماية استثماراتها الوطنية في الثروة الحيوانية.
وتواجه المزارع المحلية تحديات جمة تتعلق بمنافسة المنتجات المستوردة، لا سيما الحليب طويل الأجل، والمكونات المجففة الواردة من الأسواق الكبرى، مما يفرض على صانعي السياسات تبني إستراتيجيات تدعم مرونة سلاسل الإمداد المحلية عبر تفعيل نظام الحصص (الكوتا) المرن، وتوفير حزم دعم للأعلاف والخدمات البيطرية، وتسهيل اندماج صغار المربين في تعاونيات زراعية تزيد من قدرتهم التفاوضية والتسويقية.
مستقبل مستدام لقطاع الألبان
رئيس جمعية ائتلاف مربي الأبقار ليث الحاج، قال إن الإنتاج اليومي المحلي من حليب الأبقار يصل لنحو 1200 طن، فيما يتجاوز عدد الأبقار في المملكة 100 ألف رأس، وبنمو سنوي يصل لـ10 %، مبينا أنه برغم هذا الحجم الإنتاجي، إلا أن المزارعين يواجهون صعوبة متزايدة في تسويق الحليب الطازج، نتيجة دخول كميات كبيرة من الحليب طويل الأمد المستورد إلى السوق.
وأضاف أن حماية مربي الأبقار المحليين ليست مجرد دعم للقطاع الزراعي، بل هي حماية للأمن الغذائي القومي، وصمام أمان ضد الصدمات اللوجستية والجيوسياسية التي قد تعطل سلاسل التوريد العالمية.
وأضاف الحاج أن اليوم العالمي للحليب يأتي ليرسخ رسالة جوهرية مفادها بأن استدامة هذا القطاع مسؤولية تضامنية تقع على عاتق المنتجين والمستهلكين وصناع القرار على حد سواء، مبينا أن دعم الحليب المنتج محليا والمطابق لمعايير الاستدامة البيئية وحماية المنتج المحلي وتطبيق خطة توطين الحليب "طويل الأمد"، يعزز من مرونة اقتصاداتنا الريفية، ويضمن للأجيال المقبلة غذاء آمنا وصحيا، ويبقى الاستثمار في الابتكار الزراعي وحماية حقوق المزارعين الصغار أساسا لضمان تدفق هذا "الذهب الأبيض" كرمز للنمو، والصحة، والتنمية المستدامة الشاملة.
وقال، إن قطاع الأبقار جزء مهم من ملف الأمن الغذائي الوطني، يتقاطع مع الرؤية الملكية لتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي ودعم الاقتصاد الوطني، مضيفا أن دخول كميات كبيرة من الحليب طويل الأمد وجبنة الحلوم المستوردة لمدة عام كامل الفترة الماضية، أدى لتراجع سعر الحليب المحلي إلى نحو 25 قرشا للكلغم، في حين تصل تكلفة إنتاج اللتر الواحد لنحو 48 قرشا، وسط ارتفاع كلف الأعلاف والتشغيل والشحن.
وحذر الحاج من استمرار هذا الوضع؛ لأنه قد يؤدي لإغلاق العديد من المزارع، وتراكم الخسائر والديون على مربي الأبقار، واصفا الأزمة بأنها تهدد مستقبل القطاع.