"ترندات الصور".. كيف يتحول المستخدم إلى سلعة لمختبرات الذكاء الاصطناعي؟
الغد-إبراهيم المبيضين
تبدأ القصة بالتقاط صورة شخصية؛ ثم يرفعها المستخدم إلى أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ثم يكتب بضع كلمات توجيهية للتطبيق، وفي غضون ثوانٍ معدودة يتلقى نسخة متجددة تماما من نفسه، تارة بأزياء من حقبة الثمانينيات، وتارة داخل مشهد سينمائي مبهر، أو كشخصية كرتونية، أو حتى "دمية داخل صندوق ألعاب".
وبمجرد أن يشارك المستخدم هذه النتيجة على منصات التواصل الاجتماعي، يصبح جزءا من تجربة يكررها آلاف، أو ربما ملايين، الآخرين.
ووفقا لخبراء محليين في الشأن التقني، فإن هذه الظاهرة، التي قد تبدو في ظاهرها مجرد تسلية رقمية أو صرعة مؤقتة، تُخفي وراءها تحولا جذريا وعميقا في قطاع التكنولوجيا؛ فالصور التي يبتكرها المستخدمون لم تعد مجرد ترفيه، بل تحولت إلى محرك أساسي لـ"اقتصاد الانتباه" ووسيلة تدر أرباحا هائلة من خلال الإعلانات والاشتراكات المدفوعة، فضلا عن كونها مادة خاما لتغذية وتطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي نفسها.
وتعكس هذه الظاهرة كيف يمكن أن يتحول المستخدم من مستهلك للخدمة الترفيهية إلى سلعة مباشرة لمختبرات الذكاء الاصطناعي، فربما يتحول مجموع الصور إلى منجم بيانات؛ فهذه الترندات وجدت للتسلية العابرة، لكنها مصيدة رقمية صممت بعناية.
غير أن الأمر لا يخلو من المخاطرة، فإذا تسربت بصمة الوجه إلى الشركة المعنية، فإن صاحبها يفقد القدرة على حمايتها مدى الحياة، ويمتد الخطر ليشمل الامتثال الأمني وحوكمة البيانات، إذ تنقل غالبية هذه التطبيقات البيانات وفق شروط استخدام تعسفية تمنح الشركة ملكية دائمة وغير حصرية لاستغلال الصور، مع إمكانية مشاركتها أو بيعها لأطراف ثالثة دون إذن صريح، وربما استخدامها في إنشاء مقاطع تزييف عميق قد تُستغل في الاحتيال المالي أو انتحال الشخصية.
الخبير في مجال حوكمة البيانات د. حمزة العكاليك يقول: "في عالم الرقمنة المتسارع، يتلقف المستخدمون بشغف موجات متتالية من الفلاتر والتطبيقات الذكية، وكان آخرها ترند صور الثمانينيات والتسعينيات الذي اجتاح منصات التواصل الاجتماعي، إذ يكتفي الملايين برفع صورة شخصية عالية الدقة ليتلقوا خلال ثوانٍ معدودة ألبوما يحمل مسحة من الحنين إلى الماضي".
بيد أن العكاليك يرى أنه يقف خلف هذا "الترفيه البريء" محرك اقتصادي وتقني هائل؛ إذ يتحول كل رأس يُرفع مجانا إلى منجم بيانات لا يقدر بثمن، لتطرح التساؤلات الملحة حول النوايا الحقيقية للشركات التقنية، وما إذا كانت هذه الترندات مجرد تسلية عابرة أم مصيدة رقمية مصممة بعناية.
وأوضح العكاليك أن الشركات التقنية الكبرى وشركات الذكاء الاصطناعي الناشئة تستفيد من هذه الفلاتر بأساليب تجاوزت مجرد الحصول على تفاعل لحظي.
وأضاف قائلا: "تجاريا واقتصاديا، تعد هذه التطبيقات أداة جمع بيانات منخفضة التكلفة وشديدة الكفاءة؛ فبدلا من إنفاق ملايين الدولارات لجمع نماذج تدريبية مرخصة، يدفع المستخدمون أنفسهم - بطوع إرادتهم - بأجود أنواع الصور وعلى نطاق عالمي. هذا التدفق الهائل من البيانات يتيح للشركات بناء نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وتحسين خوارزميات التعرف على الوجوه، والتي تُباع لاحقا كخدمات برمجية للمؤسسات الأمنية والمالية والتجارية بمبالغ طائلة، فضلا عن رفع تقييمات هذه الشركات الناشئة في سوق الاستثمار المساند".
أما على الصعيد التقني، فإن القيمة الحقيقية تكمن في تنوع البيانات وسعة انتشارها، وفقا للعكاليك، الذي أشار إلى أن نماذج التعلم العميق تحتاج إلى مجموعات بيانات ضخمة تتضمن مختلف الأشكال والأعمار والعرقيات والإضاءات المتفاوتة لتحقيق الدقة ومنع التحيز.
وتتيح ترندات الصور لهذه الشركات الحصول على بيانات بيومترية دقيقة ومحدثة مجانا وبلا أي قيود تنظيمية صارمة في الغالب. وتُستخدم هذه الصور لتغذية شبكات التوليد التنافسية، ما يمكنها من بناء صور خيالية فائقة الواقعية، وتطوير أنظمة تزييف عميق (Deepfake) متقدمة، وتحسين أداء تقنيات مطابقة الهوية عبر مختلف المراحل العمرية.
ولتوضيح حجم الأثر، قال العكاليك: "يمكن النظر إلى تطبيق FaceApp الذي أثار جدلا واسعا عند انتشاره، إذ جمع ملايين الخرائط البيومترية للوجوه في خوادم خارجية بموجب شروط خدمة مبهمة تنازل فيها المستخدمون عن حقوق صورهم. وفي نموذج اقتصادي آخر، حقق تطبيق Lensa AI أكثر من 29.3 مليون دولار في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2022 وحده، مع تتويج ترند الأفاتار الرقمي وسعر اشتراكات مدفوعة لتغطية التكاليف التشغيلية، مستفيدا من تحميل المستخدمين لأكثر من 22 مليون صورة، مع الاحتفاظ بحق استغلال البيانات لتطوير الخوارزميات المستقبلية. وتعكس هذه الأمثلة كيف يتحول المستخدم من مستهلك للخدمة إلى السلعة المباشرة وممول لمختبرات الذكاء الاصطناعي".
وقال العكاليك: "لكن السؤال الجوهري يبقى: هل هذه الترندات بريئة؟ الحقيقة التحليلية تؤكد أنها ليست مجرد مصادفات عفوية، بل هي حملات هندسة اجتماعية تسويقية مصممة بدقة للاستفادة من علم النفس البشري وحب الظهور والنوستالجيا. وتكمن المخاطر المخفية في خرق خصوصية البيانات البيومترية، وهي بيانات فريدة لا يمكن تغييرها ككلمات المرور؛ فإذا تسربت بصمة وجهك، فقدت القدرة على حمايتها مدى الحياة، ويمتد الخطر ليشمل الامتثال الأمني وحوكمة البيانات، إذ تنقل غالبية هذه التطبيقات البيانات إلى شروط استخدام تعسفية تمنح الشركة ملكية دائمة وغير حصرية لاستغلال الصور، مع إمكانية مشاركتها أو بيعها لأطراف ثالثة دون إذن صريح، فضلا عن مخاطر استخدامها في إنشاء مقاطع تزييف عميق قد تُستغل في الاحتيال المالي أو انتحال الشخصية".
في ظل هذه المعطيات، أوصى العكاليك أي مجتمع أو مؤسسة تسعى لتحقيق تحول رقمي آمن بتغليب حوكمة البيانات والوعي السيبراني، ويجب التعامل مع الترندات المجانية بقدر عالٍ من الحذر الإيجابي، وقراءة سياسات الخصوصية بتمعن قبل منح التطبيقات الأذونات للوصول إلى معرض الصور أو الكاميرا. كما يتوجب على الجهات التنظيمية تفعيل قوانين حماية البيانات الشخصية بصرامة وفرض مسح البيانات البيومترية بعد الانتهاء من المعالجة فورا، فالحفاظ على السلامة الرقمية لم يعد خيارا ثانويا، بل هو ضرورة حتمية لحماية الهوية الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويرى خبير الإعلام الرقمي إبراهيم الهندي أن ترندات الصور هي وسيلة تسلية ذكية تخدم أهدافا تجارية واضحة؛ فالمستخدم يقدم بياناته بكامل إرادته مقابل خوض التجربة "الممتعة"، دون أن يدرك حقيقة وكواليس ما يحدث لتلك البيانات.
وبيّن الهندي أن ترندات الصور هي أنماط متكررة يدعو فيها المستخدمون بعضهم بعضا إلى إنتاج صورة بأسلوب محدد، صورة من حقبة زمنية، أو مشهد سينمائي، أو رسم كرتوني، أو نسخة متخيلة من الذات، وتزيد قابلية انتشارها عندما تكون خطوات المشاركة سهلة، والنتيجة شخصية، ويسهل عرضها على الآخرين.
وقال: "دورة الانتشار تمر عادة بأربع خطوات: تجربة الأداة، وإنتاج الصورة، ثم نشرها، ودفع الآخرين إلى تجربتها، وهنا يؤدي المستخدم دورين معا: مستفيد من الخدمة وناشر عملي لها".
واستشهد الهندي بمثال عندما أعلنت OpenAI، في مثال على حجم الإقبال على توليد الصور عموما، أن أكثر من 130 مليون مستخدم أنشأوا أكثر من 700 مليون صورة في الأسبوع الأول من إطلاق إحدى ميزات توليد الصور عام 2025، أي أن أي ترند كفيل بأن يكون أساسيا في انتشار أداة معينة بشكل أكبر، من خلال اكتساب مستخدمين جدد، والتحقق من قدرات المنتج أو التطوير الذي حدث. كما يمكن أن تكشف كثافة الطلب على أسلوب معين، والتعديلات التي يطلبها المستخدمون، جوانب القوة والقصور في تجربة المنتج. هذه فائدة تحليلية محتملة للشركة، لكن نوع البيانات التي تجمعها وطريقة استخدامها يعتمدان على سياسة الخدمة وإعدادات الحساب، ولا ننسى أن تدريب النظام وتحسين نماذجه سيكون بشكل أوسع من خلال المحادثات التي تجريها الحسابات الشخصية، وحجم المحتوى الذي تمت مشاركته.
وقال خبير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي م. هاني البطش: "ترندات الصور في ظاهرها تبدو مجرد وسيلة للترفيه واستعادة الذكريات ومشاركة الصور مع الأصدقاء، إلا أن وراء هذه الظاهرة جانبا تقنيا واقتصاديا يستحق التوقف عنده: البيانات التي تنتجها هذه الترندات".
وأشار البطش إلى أن هذه الترندات تجمع بين الفضول والحنين والتسلية وسهولة المشاركة؛ فعندما يشاهد المستخدم أصدقاءه وهم يحولون صورهم إلى شكل من الماضي، مثل صور الثمانينيات، فإنه يرغب غالبا في تجربة الفكرة ومشاركة النتيجة.
وأضاف البطش قائلا: "كما تؤدي خوارزميات المنصات دورا كبيرا في تسريع الانتشار، لأن المحتوى الذي يحقق تفاعلا مرتفعا يمكن أن يصل إلى أعداد ضخمة من المستخدمين خلال فترة قصيرة، فيتحول من تجربة فردية إلى ظاهرة جماعية".
وحول استفادة الشركات التقنية من هذه الترندات، بيّن البطش قائلا: "لا تقتصر على زيادة التفاعل على المنصة، وإنما تمتد إلى البيانات الناتجة عن هذا التفاعل".