عمان.. نمو عمراني متسارع يقابله تباطؤ في جودة الحياة
الغد-فرح عطيات
يرسم التوسع العمراني المتسارع في العاصمة عمان، ملامح مدينة تتضخم على نحو لافت، فيما تتراجع قدرتها في الحفاظ على تماسكها التخطيطي، بحيث يُضاف إلى النسيج العمراني شهرياً ما يعادل حيّين إلى ثلاثة أحياء سكنية متوسطة الحجم، في مؤشر واضح على تسارع النمو، مقابل بطء في إنتاج بيئة حضرية متكاملة.
وتقود هذه الوتيرة، إلى تكريس نمط عمراني تقليدي، ما يزال يعتمد على وحدات سكنية واسعة نسبياً، وعلى البناء الفردي أو شبه الفردي، في ظل محدودية المشاريع التطويرية الشاملة، وفق خبراء لـ"الغد".
وتظهر ملامح هذا النمط في مشهد متبعثر، تتجاور فيه الأبنية دون أن تنتظم ضمن مجاورات سكنية مكتملة، تغيب عنها مراكز الخدمات والمساحات العامة، ويضعف فيها الربط الفعّال بشبكات النقل، وفقهم، إذ بينوا إن الإشكالية هنا تتعمق، مع تركز نحو نصف النشاط العمراني في العاصمة، ما يفاقم الضغط على البنية التحتية والخدمات، ويعزز من اختلال التوازن المكاني للتنمية.
وفي السياق ذاته، تبرز الحاجة إلى تبني سياسات تشجع على التطوير المنظم، وتعزز دور المشاريع الإسكانية الكبرى، وإعادة توزيع التنمية جغرافياً لتخفيف الضغط عن العاصمة، إذ يؤكد الخبراء أن استثمار المساحات غير المنظمة ضمن المدن، يشكل فرصة حقيقية لإعادة توجيه النمو وفق أسس أكثر توازناً، تضمن تحسين جودة الحياة، لا مجرد توسيع رقعة العمران.
ويشير تقرير دائرة الإحصاءات العامة الشهري حول رخص الأبنية لشهر كانون الثاني (ديسمبر) الماضي، إلى أن إجمالي مساحة الأبنية المرخصة بلغ 785 ألف متر2 بزيادة 6 % عن الفترة ذاتها من العام السابق، مع إصدار 2,150 رخصة وبناء بما يقارب 3,900 شقة سكنية.
وهذه الأرقام، برأي مستشار العمارة والتصميم الحضري د. مراد الكلالدة، تعني ببساطة "أننا نضيف في شهر واحد ما يقارب 20 ألف نسمة إلى النسيج العمراني، أي ما يعادل إنشاء حيّين إلى ثلاثة أحياء سكنية متوسطة الحجم". لافتا إلى أن متوسط مساحة الشقة ما يزال بين 140 و150 م2، وهو مؤشر على نمط "سكني تقليدي" ما يزال قائماً.
في حين أن متوسط عدد الشقق لكل رخصة، لا يتجاوز 1.8 شقة، ما يعكس استمرار البناء الفردي أو شبه الفردي، بدلاً من "التطوير المنظم" على مستوى المشاريع، مؤكدا أن نحو نصف النشاط العمراني يتركز في العاصمة، ما يعمّق ظاهرة "التمركز الحضري ويزيد الضغط على البنية التحتية والخدمات".
ومن منظور تخطيطي، فإن الكلالدة، يشدد على أن المشكلة لا تكمن في حجم النمو العمراني، بل في شكله. مستندا برأيه على أن البناء لا يقوم على فكرة إنشاء أحياءً بالمعنى التخطيطي المتكامل، بل بالتوجه نحو إنتاج "نمط مبعثر" من الوحدات السكنية، يفتقر لمراكز خدمات، ومساحات عامة، و"ربط فعّال" بشبكات النقل العام، ما يتسبب بارتفاع الكثافة السكانية دون أن يرافقها تحسن بجودة الحياة.
وفي قراءة معمقة قدمها الكلالدة للأرقام، بناء على أساس سنوي، فإنه يجد بأن الأردن يضيف نحو 9.4 مليون م2 من البناء سنوياً، ما يؤدي لـ"زيادة تراكمية" في الكثافة داخل عمّان، لكن بطريقة "غير متوازنة مكانياً".
وهذا الأمر، بحد قوله، لا يترجم فكرة الأحياء القابلة للعيش، بل إن الزيادة تتسبب بضغط إضافي على الشوارع، والمدارس، وشبكات الصرف، وأنظمة النقل. ويترافق ذلك مع "غياب مفهوم وحدة الحي" في عمليتي الترخيص والتطوير، بحيث تتجاور الأبنية دون أن تتكامل، وتتراكم الكثافة دون أن تُدار.
وأرجع أسباب ما أسماه بـ"التشتت" إلى الإطار التشريعي الناظم لعملية التقسيم، بحيث سمحت الأنظمة المعمول بها بتجزئة الأراضي الكبيرة إلى قطع أصغر، وفق معادلة "الربع القانوني" المخصص للطرق والخدمات (نحو 25 %).
وبرغم أن هذه النسبة قد تبدو كافية من "منظور تقني ضيق"، لكنها لا تحقق متطلبات إنشاء مجاورة سكنية متكاملة، وضرب مثالاً على ذلك، بأن التجارب التخطيطية الرصينة، تشير إلى أن النسبة الفعلية اللازمة لتأمين شبكة طرق فعالة، ومساحات عامة، وخدمات تعليمية وتجارية وترفيهية، يجب ألا تقل عن 40 % من المساحة الإجمالية، وليس 25 % فقط.
لكن لا يعني ذلك فقدان فرصة إنشاء ضواحي "سكنية نموذجية"، إذ أشار إلى أن ما يقارب نصف الأراضي الواقعة ضمن حدود أمانة عمّان الكبرى، ما تزال "غير منظمة"، ما يتيح مجالاً واسعاً لإعادة توجيه النمو الحضري على أسس "أكثر توازناً".
ومن أجل تحقيق ذلك، دعا لمراجعة التشريعات الحالية، بما يسمح بالانتقال من نموذج التقسيم المجزأ إلى نموذج المجاورات السكنية المتكاملة.
وتبرز هنا أهمية قانون الإدارة المحلية الجاري إعداده حالياً، "كفرصة حقيقية" لإعادة صياغة أدوات التخطيط والتنظيم، بحيث لا يقتصر دوره على إدارة الخدمات، بل يمتد ليكون أداة لصناعة "الوعاء الحضري النموذجي"، كما أفاد.
وبين الكلالدة، أن هذه الخطوة ستمكن الإدارات البلدية من تقديم خدمات نوعية للسكان، ترفع من جودة الحياة، وتُفضي إلى تنمية اقتصادية عاجلة ومستدامة في آن واحد.
وشدد على أن الاكتفاء بنسبة الربع القانوني، يؤدي عملياً لإنتاج "أحياء ناقصة الخدمات"، إذ يجري استهلاك معظم الأرض في قطع سكنية، دون تخصيص "كافٍ" للفراغات العامة أو البنية التحتية المجتمعية، وبهذا، يتحول التقسيم من أداة لتنظيم النمو، إلى عامل "يعزز التشتت العمراني ويضعف جودة البيئة الحضرية".
وأضاف "أن تقرير رخص الأبنية، بقدر ما يعكس حيوية في قطاع الإنشاء، يكشف في الوقت ذاته خللاً بنيوياً في إدارة النمو الحضري. وإذا لم يتم التعامل مع هذه المؤشرات ضمن رؤية تخطيطية شاملة، فإننا سنستمر في بناء مدينة أكبر، لكنها ليست بالضرورة أفضل".
تقليل من أسعار الشقق
ومن وجهة نظر وزير البلديات الأسبق د. حازم قشوع، فإن "ارتفاع أسعار دونمات الأراضي السكنية طبيعي في ظل توجه الأفراد للسكن في المناطق القريبة من أماكن عملهم، ما يطرح فكرة السماح بإقامة خمسة أدوار سكنية بدلاً من أربع، لتقليل من الأسعار".
وأضاف لـ"الغد"، أن هنالك 3 مدن رئيسة هي عمان واربد والزرقاء، لكن اثنتين منها تكثر فيها عدد البلديات، في حين أن العاصمة تخضع لبلدية واحدة، هي: أمانة عمان الكبرى.
وهذا الأمر، بحسب قشوع، يستدعي إلغاء البلديات في محافظتي اربد والزرقاء، لتصبح واحدة أسوة بالعاصمة، بهدف توحيد حركة البناء ضمن مخطط شمولي، يضم المناطق كافة، وصولاً لإنهاء النهج العشوائي للأبنية في الأحياء السكنية بالمدن الكبرى.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، وفقه، إذ إن هذه الخطوة ستخفف من الضغط السكني في المدن الكبرى، بحيث يصبح هنالك هيكلية مرجعية موحدة، ونظاما تنظيميا واحدا، أي أن تصبح كل الأراضي داخل حدود التنظيم.
وبرغم ذلك نوه قشوع إلى أن أسعار الأراضي سترتفع بالمحصلة، وكذلك الشقق السكنية، ما يتطلب معه التفكير بإيجاد حل لهذا الأمر الذي يتمحور بالسماح ببناء طوابق سكنية أكثر، مع وضع حوافز تشجيعية لأصحاب الإسكانات والمواطنين على حد سواء لتنشيط حركة شراء العقارات.
كما وطالب قشوع بإعادة تفعيل مؤسسة التطوير الحضري لتقديم إسكانات للأفراد وبأسعار مقبولة وبالتعاون مع بنك الإسكان كما كان سابقاً.