مركز البيانات الوطني: عقل الدولة الرقمي وبوابة السيادة الرقمية*د. حمزة العكاليك
الغد
في زمن أصبحت القوة بقدرة الدول على إدارة بياناتها والتحكم في تدفقها، يتقدم الأردن بخطوة استراتيجية بالغة الأهمية عبر إنشاء مركز بيانات وطني موحد، يمثل حجر الزاوية في مشروع التحول الرقمي والسيادة الرقمية. فهذا القرار لا يندرج في إطار البنية التحتية التقنية فحسب، بل هو إعادة تعريف للسيادة في عالم تحكمه الخوارزميات والمعلومات.
يعد مركز البيانات الوطني مشروعا تقنيا ينشئ بنية سيادية مركزية تمكّن الدولة من رؤية شمولية ودقيقة لمجمل أنظمتها ومؤسساتها. فبدل أن تبقى كل جهة حكومية تعمل في جزيرة بيانات معزولة، ينتقل الأردن إلى نموذج التكامل التنظيمي، حيث تتجمع البيانات الحكومية في منصة واحدة تتيح التحليل، والتنبؤ، وصنع القرار المبني على المعرفة. فوفق تقديرات البنك الدولي للعام 2024، فإن الدول التي اعتمدت هذا النموذج شهدت تحسنا يتجاوز 35 % في سرعة اتخاذ القرار الحكومي، وارتفاعا في كفاءة الخدمات العامة بنحو 25 %.
وفي عالم تتحكم فيه البيانات بحركة الاقتصاد، لا يمكن لأي دولة أن تضمن سيادتها إذا كانت بياناتها مخزنة أو مُدارة خارج حدودها. وقد حذرت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بين العامين 2022 و2024 من أن الدول التي اعتمدت على مزودي خدمات سحابية عالمية فقدت جزئيا قدرتها على فرض تشريعاتها الوطنية في مجال الخصوصية وحماية البيانات. من هنا، فإن إنشاء مركز بيانات وطني في الأردن يعد ضرورة سيادية تضمن خضوع البيانات الأردنية حصريا للقوانين الوطنية ومعايير الأمن السيبراني المحلية.
ولأن البيانات هي الوقود الذي يغذي الذكاء الاصطناعي، فإن وجود مركز بيانات وطني موحد يمثل البيئة المثالية لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحكومية. فالتجارب الدولية تثبت ذلك بوضوح؛ ففي سنغافورة، أدى تكامل البيانات الحكومية ضمن منصة وطنية موحدة إلى تطوير نماذج تنبؤية دقيقة في مجالات الصحة والإسكان والنقل، ما رفع كفاءة الخدمات العامة بنسبة تجاوزت 40 % خلال ثلاث سنوات فقط.
أما من حيث الجدوى الاقتصادية، فإن مراكز البيانات الوطنية تحقق وفورات ملموسة. فبدلا من أن تمتلك كل جهة حكومية بنيتها التحتية المستقلة، يتيح مركز البيانات الوطني تقليل الازدواجية وتوحيد الخدمات التقنية، مما يؤدي إلى خفض النفقات التشغيلية بنسبة تتراوح بين 20 و30 % وفقا لدراسات الاتحاد الدولي للاتصالات (2023). هذا التخفيض لا يقتصر على تقليل التكلفة، بل يمتد إلى رفع مستوى الكفاءة التشغيلية والأمن السيبراني.
من زاوية الحوكمة، يقدم مركز البيانات الوطني إطارا مؤسسيا متكاملا لإدارة البيانات، يشمل تصنيفها، وتحديد مستويات الوصول، وآليات التدقيق والمساءلة. هذا الإطار لا يحمي خصوصية المواطنين فحسب، بل يعزز أيضا ثقة المستثمرين. فقد أكدت تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية للعام 2024 أن وضوح سياسات حوكمة البيانات يعد اليوم أحد أهم معايير جذب الاستثمارات الرقمية، إذ تطمئن الشركات إلى أن الدولة تمتلك نظاما موحدا وآمنا لإدارة بياناتها.
على المستوى العملي، يمثل المركز الوطني أداة لرفع جودة القرار الحكومي، فتكامل البيانات بين الوزارات والمؤسسات يسمح ببناء صورة دقيقة وشاملة لاحتياجات المواطنين. فمثلا، يمكن ربط بيانات وزارة الصحة ببيانات الضمان الاجتماعي والتعليم لتطوير سياسات دعم أكثر استهدافا وعدالة. وقد بينت تجارب دول، مثل إستونيا، أن الانتقال من نمط الجزر المعزولة إلى نموذج المركز الموحد أدى إلى تحسين كفاءة السياسات العامة بنسبة 45 % وتقليص زمن إنجاز المعاملات الحكومية من أيام إلى دقائق معدودة.
وفي المقابل، يحقق المركز الوطني وفورات استراتيجية في مجال الأمن السيبراني، إذ إن إدارة الحماية من نقطة مركزية تتيح استجابة أسرع للتهديدات واكتشاف الاختراقات قبل أن تنتشر عبر الشبكات الحكومية. ففي عالم يشهد أكثر من 2000 هجوم سيبراني حكومي يوميا، بحسب تقارير Cybersecurity Ventures للعام 2025، فإن الانتقال إلى مركز موحد يعد خيارا استراتيجيا لحماية أصول الدولة الرقمية.
اقتصاديا، يعزز المركز الوطني من كفاءة الاقتصاد الرقمي عبر تمكين التحليلات الضخمة والتكامل بين قواعد البيانات، مما يتيح للحكومة والمستثمرين على حد سواء فهم ديناميكيات السوق واتجاهات الاستهلاك واتخاذ قرارات أكثر دقة. فكلما زادت جودة البيانات وتكاملها، ارتفعت كفاءة السياسات العامة وقدرة الاقتصاد على التنبؤ بالفرص والمخاطر. ومن هنا، يصبح مركز البيانات الوطني ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل رافعة اقتصادية تخلق بيئة أكثر استقرارا واستدامة للنمو.
على مستوى المواطن، ستنعكس هذه البنية على تجربة استخدام رقمية أكثر سلاسة. فوجود هوية رقمية موحدة وخدمات مترابطة يعني أن المواطن الأردني سيتمكن من إنجاز معاملاته الحكومية من منصة واحدة خلال دقائق، وهو ما حققته فنلندا وإستونيا بالفعل، حيث ارتفع رضا المواطنين بنسبة تجاوزت 60 % بعد تطبيق البنية السحابية السيادية.
في المحصلة، يمثل إنشاء مركز البيانات الوطني الموحد في الأردن قفزة نوعية نحو دولة رقمية ذات سيادة، وقرارا اقتصاديا وأمنيا ذكيا في آن واحد. فبينما يعزز استقلال القرار السيادي وحماية البيانات، يرفع كفاءة الإدارة الحكومية، ويخفض التكاليف، ويهيئ بيئة خصبة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. إنه ببساطة، عقل الدولة الرقمي، وركيزة اقتصادها الذكي.