سوق العمل بعد الإصلاحات.. من توفير الوظيفة إلى بناء الاستقرار الاقتصادي
الغد-محمود الطراونة
لا تكمن معضلة سوق العمل الأردني في عدد الباحثين عن عمل وحده، بل في المسافة الفاصلة بين الوظيفة التي يحتاج إليها المواطن، والوظيفة التي يستطيع الاقتصاد توفيرها، والعمل الذي يضمن دخلا مستقرا وفرصة حقيقية للتقدم.
ففي هذه المسافة تتقاطع اختلالات التعليم والتدريب، وضعف قدرة بعض القطاعات على توليد فرص جديدة، وتفاوت الأجور، والعوائق التي تحول دون دخول فئات واسعة إلى سوق العمل أو استمرارها فيه.
وتكشف بيانات دائرة الإحصاءات العامة للربع الثاني من عام 2026 أن معدل البطالة بين الأردنيين بلغ 21 %، مقارنة مع 21.3 % في الفترة المقابلة من العام السابق، فيما تراجع معدل البطالة لإجمالي السكان، أردنيين وغير أردنيين، إلى 16.1 % مقابل 16.5 %.
ورغم أن هذه الأرقام تشير إلى تحسن محدود، فإنها تضع سؤال التشغيل في صلب التحدي الاقتصادي: هل يتقدم الاقتصاد نحو خلق وظائف أكثر، أم أن التحسن في المؤشرات ما يزال أبطأ من حجم الحاجة إلى العمل؟
البطالة ليست رقما منفصلا عن نوعية الوظائف
ولا يكفي انخفاض معدل البطالة للحكم على متانة سوق العمل؛ فالمؤشر لا يوضح ما إذا كانت الوظائف الجديدة مستقرة، أو ما إذا كانت أجورها تتناسب مع كلفة المعيشة، أو إن كانت تتيح للعامل الانتقال إلى مسار مهني أكثر أمانا.
وهنا، يتوجب أن يتجاوز تقييم سياسات التشغيل عدد فرص العمل المعلنة إلى طبيعتها واستدامتها، فالوظيفة المؤقتة قد تخفف البطالة لفترة، لكنها لا تضمن دخلا مستقرا، كما أن الالتحاق بعمل منخفض الأجر أو محدود الحماية قد لا يبدل كثيرا من هشاشة الأسرة الاقتصادية.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما تتوسع البرامج الحكومية التي تدعم الأجور أو تحيل الباحثين عن العمل إلى المنشآت، فهذه البرامج قد تؤدي دورا مهما في تخفيف كلفة التوظيف وتشجيع القطاع الخاص على استيعاب العمالة، لكن أثرها يتوقف على ما يحدث بعد انتهاء الدعم، وعلى قدرة المنشأة على الاحتفاظ بالعامل من دون استمرار المساندة الحكومية.
برامج التشغيل.. ماذا يحدث بعد انتهاء الدعم؟
وتشير بيانات وزارة العمل إلى توقيع 61,330 عقد عمل مدعوما عبر البرنامج الوطني للتشغيل خلال الفترة 2022–2025، من بينها 31,444 عقدا للإناث.
كما أفادت الوزارة بأن نحو 75 % من المستفيدين استمروا في العمل بعد انتهاء فترة دعم الأجور، استنادا إلى تتبع بياناتهم لدى المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي.
ويمثل استمرار العامل في وظيفته بعد انتهاء الدعم مؤشرا مهما يتجاوز مجرد توقيع العقد، لكنه يحتاج إلى تمعن أكثر فيما إذا شملت مدة الاستمرار، ومستوى الأجر، وطبيعة العقد، ومدى التسجيل في الضمان الاجتماعي، والفروق بين القطاعات والمحافظات والفئات العمرية.
وعموما، فليست السياسة الناجحة تلك التي تدفع صاحب العمل إلى التوظيف مؤقتا، ولكن مقياس نجاحها هو أنها تساعد على بناء علاقة عمل قابلة للاستمرار، وتزيد إنتاجية المنشأة، وتحسن قدرة العامل على تأمين دخله.
ولذلك، فإن نشر نتائج المتابعة بصورة دورية ومفصلة حول هذه البرامج والعقود من شأنه أن يجعل الإنفاق على التشغيل أكثر شفافية، وأن يساعد في تحديد البرامج التي تحقق أثرا مستداما وتلك التي تحتاج إلى إعادة تصميم.
فجوة المهارات.. حين لا يلتقي التدريب بالطلب
ويمثل الربط بين التعليم والتدريب المهني أحد معايير نجاح سياسات التشغيل، فالتوسع في التدريب لا يضمن زيادة فرص العمل ما لم يستند إلى معلومات واضحة عن المهن المطلوبة، والقطاعات القادرة على النمو، والمهارات التي يحتاج إليها أصحاب العمل.
وتبدأ عوامل النجاح من الانتقال إلى تدريب مرتبط بالتوظيف الفعلي، تشارك المنشآت في تحديد محتواه وتوفير التدريب العملي فيه، مع متابعة الخريجين بعد انتهاء البرامج.
إذ إن المطلوب ليس تخريج أعداد أكبر من المتدربين فحسب، بل تقليص الفجوة بين ما يتعلمه الباحث عن العمل وما يحتاج إليه موقع العمل.
وفي المقابل، لا يجوز تحميل الشباب مسؤولية الخلل في سوق العمل، فتغيير التخصص أو اكتساب مهارة جديدة لن يصنع فرصة إذا لم تتوافر منشآت قادرة على التوظيف، أو إذا كانت الأجور وظروف العمل لا تتناسب مع الحد الأدنى من متطلبات الاستقرار المعيشي.
القطاع الخاص.. محرك التشغيل الذي لا تعوضه البرامج
وتظل قدرة الاقتصاد على توليد الوظائف مرتبطة بنمو منشآته واستثماراته وإنتاجيته، فبرامج التشغيل تستطيع تسهيل الدخول إلى سوق العمل، لكنها لا تستطيع خلق طلب مستدام على العمالة إذا لم تتوسع الأنشطة الاقتصادية.
ولهذا، فإن ربط سياسات التشغيل بسياسات الاستثمار والصناعة والزراعة والسياحة والخدمات والتكنولوجيا قضية مهمة، مع قياس الوظائف التي تنتجها الحوافز الحكومية فعليا، وليس الاكتفاء بحجم الاستثمارات أو عدد المنشآت المستفيدة.
كما يبرز دور مهم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في خلق فرص عمل، شريطة تمكينها من التمويل والأسواق والتكنولوجيا، وتوفير بيئة تنظيمية مستقرة تساعدها على النمو. وهو ما يمكن تنفيذه في المحافظات، حيث يمكن أن يسهم الاستثمار المنتج في تقليص اضطرار الشباب إلى الانتقال نحو العاصمة عمّان بحثا عن العمل.
المرأة والشباب.. فرص لا تُقاس بالتوظيف وحده
ولا تتساوى قدرة الأفراد على الاستفادة من فرص العمل؛ فالنقل وكلفة الرعاية وساعات الدوام وظروف بيئة العمل قد تجعل الوظيفة متاحة نظريا، لكنها غير قابلة للاستمرار عمليا لبعض النساء، ولا سيما في الوظائف منخفضة الأجر.
ويقتضي ذلك التعامل مع النقل الآمن، والحضانات، ومرونة تنظيم العمل، والحماية الاجتماعية بوصفها عناصر مرتبطة بسياسة التشغيل، لا ملفات منفصلة عنها، كما يقاس على ذلك مشاركة النساء والشباب في الوظائف الجديدة، واستمرارهم فيها، ومستوى الأجور التي يحصلون عليها.
من أرقام التوظيف إلى أثره الاقتصادي
وبالمحصلة، تحتاج المرحلة المقبلة إلى منظومة تقييم تتابع رحلة الشباب من لحظة التدريب أو الإحالة إلى العمل، مرورا بالتوظيف، ووصولا إلى الاستمرار المهني وتحسن الدخل.
فالتحدي الحقيقي ليس أن يدخل الباحث عن عمل إلى السوق فحسب، بل أن يجد فيه عملا لا يفقده سريعا، ودخلا يحمي أسرته، وفرصة لتطوير مهاراته.
وعندما تصبح الوظيفة مستقرة ومنتجة، يتحول التشغيل من استجابة لمشكلة البطالة إلى أداة لتعزيز النمو والحد من الفقر، أما إذا بقي التقييم محصورا في عدد العقود والإحالات، فلا تقدم البرامج التشغيلية صورة حقيقية يمكن أن يلمس أثرها في حياة العاملين.