أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    11-Jul-2026

متى يقول المستثمر "نعم" للاستثمار في شركة ناشئة؟

 الغد-إبراهيم المبيضين

 في زاوية هادئة داخل أحد مراكز الابتكار المزدحمة، يجلس رائد أعمال شاب تتقد في عينيه شرارة الحماس، مستعرضا على شاشة حاسوبه فكرة مشروع يؤمن بأنها قادرة على إحداث تغيير حقيقي في العالم. وعلى الجانب الآخر من الطاولة، يجلس مستثمر يصغي باهتمام، لكن تركيزه لا ينصب على التصميمات الجذابة أو العروض البصرية، بل على ما هو أعمق وأكثر أهمية: هل تستطيع هذه الفكرة أن تتحول إلى مشروع ناجح ومستدام؟
 
 
من هنا تبدأ القصة الحقيقية في عالم ريادة الأعمال، حيث يبرز السؤال الذي يشغل بال معظم أصحاب الشركات الناشئة: ما الذي يبحث عنه المستثمر حتى يقتنع ويقول: "نعم" لضخ استثماره؟
ويرى خبراء في ريادة الأعمال أن الاعتقاد السائد لدى كثير من رواد الأعمال بأن الفكرة المبتكرة وحدها تكفي لجذب المستثمرين لا يعكس الواقع العملي. فصناديق رأس المال الجريء لا تستثمر في الأفكار المجردة، مهما بلغت درجة ابتكارها، وإنما تبحث عن مشاريع تمتلك القدرة على التحول إلى شركات مستدامة وقابلة للنمو والتوسع.
ويؤكد الخبراء أن قرار الاستثمار يرتبط بإجابات واضحة عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية، أبرزها: هل جرى التحقق من الفكرة في السوق؟ وهل تعالج مشكلة حقيقية؟ وهل يوجد طلب فعلي على المنتج أو الخدمة؟ وما نموذج العمل الذي سيولد الإيرادات؟ وهل يمتلك المشروع مؤشرات أداء تثبت استعداد العملاء للدفع؟ وباختصار، فإن المستثمر يبحث عن القدرة على التنفيذ تحت الضغط قبل القدرة على الإقناع بالكلمات.
كما يشدد الخبراء على أن نقطة التحول في علاقة رائد الأعمال بالمستثمر تبدأ عندما تتغير النظرة إليه من مجرد ممول إلى شريك إستراتيجي في رحلة النمو؛ فالمستثمر لا يقدم رأس المال فحسب، بل يمنح المشروع المصداقية والثقة، ويسهم في بناء الحوكمة المؤسسية، ويفتح أبواب الأسواق والشراكات الجديدة، مستندا إلى خبراته وشبكة علاقاته.
أهمية الاستثمار تتجاوز  رأس المال
وقال المدرب والمستشار في الريادة والابتكار حمزة التميمي: إن أهمية الاستثمار لا تقتصر على توفير رأس المال، بل تمتد إلى تقديم الخبرة الاستراتيجية، والمساهمة في بناء منظومة الحوكمة، وفتح أبواب الشراكات، وتوفير شبكة علاقات قد تختصر على الشركة سنواتٍ من العمل.
وأضاف أن وجود مستثمر معروف يمنح الشركة الناشئة مصداقية أكبر أمام العملاء والشركاء والمستثمرين الآخرين، ويزيد قدرتها على التوسع والدخول إلى أسواق جديدة، مؤكدا ضرورة تغيير النظرة التقليدية إلى المستثمر باعتباره شريكا في رحلة النمو، وليس مجرد مصدر للتمويل.
المستثمر يبحث عن مشروع مستدام لا مجرد فكرة
وأوضح التميمي أن كثيرا من رواد الأعمال يعتقدون أن تميز الفكرة وحده كافٍ لجذب الاستثمار، بينما تؤكد التجارب العملية أن المستثمرين وصناديق رأس المال الجريء يركزون على مدى قابلية الفكرة للتحول إلى مشروع تجاري مستدام وقابل للتوسع.
وأشار إلى أن المستثمر يطرح مجموعة من الأسئلة الأساسية قبل اتخاذ قراره، من بينها: هل خضعت الفكرة للتحقق في السوق؟ وهل تعالج مشكلة حقيقية؟ وما نموذج الإيرادات؟ وهل توجد مؤشرات أداء تثبت استعداد العملاء للدفع؟
كيف ينظر المستثمر إلى المشروع في المراحل المتقدمة؟
وأوضح التميمي أن المستثمر، خصوصا في المراحل المتقدمة، يولي اهتماما كبيرا بالأرقام والمؤشرات، مثل حجم المبيعات، وعدد العملاء، ومعدل النمو؛ لأنها تعكس قدرة المشروع على تجاوز مرحلة الفكرة وتحقيق قيمة فعلية في السوق.
وأشار إلى أن تقارير Startup Genome تؤكد أن التحقق المبكر من احتياجات السوق وبناء نموذج عمل قابل للتوسع يُعدّان من أهم العوامل التي تزيد فرص الشركات الناشئة في جذب الاستثمار.
الفريق المؤسس.. العامل الحاسم
وبيّن التميمي أن المستثمر لا يقيّم المشروع بمعزل عن الأشخاص الذين يقودونه، بل ينظر إلى مدى تكامل الفريق المؤسس، وخبراته، وقدرته على التنفيذ، ومدى اعتماد المشروع على شخص واحد أو على فريق قادر على الاستمرار والتوسع.
وأكد أن المستثمر قد يفضل مشروعا بفكرة أقل ابتكارا يقوده فريق قوي على مشروع يحمل فكرة استثنائية، لكنه يفتقر إلى فريق يمتلك القدرة على التنفيذ وإدارة النمو.
وأضاف أن المستثمر يرفض الاستثمار عندما يلمس أن المشروع قائم على الحماس أكثر من البيانات، أو عندما يفتقر رائد الأعمال إلى فهم حقيقي للسوق، أو يقدم توقعات مالية مبالغا فيها، أو يعجز عن إثبات وجود طلب حقيقي على المنتج أو الخدمة.
كما أن غياب الشفافية، وضعف الخطة التشغيلية، وعدم وضوح آلية تحقيق الإيرادات، كلها عوامل ترفع مستوى المخاطرة وتؤثر سلبا في قرار الاستثمار.
وأشار إلى أن دراسة أجرتها CB Insights حللت أسباب تعثر مئات الشركات الناشئة، وأظهرت أن نحو 43 % من حالات الفشل تعود إلى عدم وجود حاجة حقيقية في السوق إلى المنتج أو الخدمة، وهو ما يفسر تركيز المستثمرين على التحقق من السوق أكثر من تركيزهم على الفكرة نفسها.
المستثمر يراهن على الريادي أكثر من الفكرة
وأوضح التميمي أن المستثمر، خصوصا في المراحل المبكرة، يراهن على رائد الأعمال أكثر مما يراهن على الفكرة؛ لأن الأفكار والأسواق ونماذج الأعمال تتغير باستمرار، بينما تبقى قدرة المؤسس على التعلم والتكيف واتخاذ القرار وقيادة الفريق العامل الأكثر استقرارا.
وأشار إلى أن كثيرا من الشركات العالمية بدأت بأفكار مختلفة تماما عن أعمالها الحالية، لكن نجاحها ارتبط بقدرة مؤسسيها على قراءة السوق وتعديل المسار في الوقت المناسب.
وأكد أن أبرز الصفات التي يبحث عنها المستثمر في رائد الأعمال هي القدرة على التنفيذ، والرؤية الواضحة، والفهم العميق للسوق، واتخاذ القرارات بناء على البيانات، والشفافية، والقدرة على بناء فريق متكامل، إلى جانب الالتزام والانضباط والمرونة وسرعة التعلم وتقبل الملاحظات.
الاستثمار في الشركات 
الناشئة خيار إستراتيجي
من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي للجمعية الأردنية لريادة الأعمال، الدكتور بلال الوادي، أن الاستثمار في الشركات الناشئة أصبح خيارا إستراتيجيا لتعزيز الابتكار، وتوليد كيانات اقتصادية جديدة، وخلق فرص عمل نوعية.
وأوضح أن هذا التوجه يتزامن مع تحولات كبيرة في قطاع رأس المال الجريء عالميا، حيث سجل الاستثمار الدولي خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 330.9 مليار دولار موزعة على 8464 صفقة، وفق تقرير KPMG Venture Pulse، في واحدة من أقوى موجات الاستثمار منذ عام 2021، مدفوعة بالنمو المتسارع في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
وأضاف أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تشهد بدورها نشاطا متزايدا، إذ بلغ تمويل الشركات الناشئة 799 مليون دولار خلال الربع الأول من عام 2026، فيما جمعت الشركات خلال شهر مايو وحده 454.7 مليون دولار عبر 33 صفقة، بزيادة بلغت 202% مقارنة بالشهر السابق، و76 % مقارنة بمايو 2025.
وأكد أن هذه المؤشرات تثبت أن رأس المال متوافر، لكنه أصبح أكثر انتقائية، ويتجه نحو الشركات الأكثر نضجا واستعدادا للنمو.
معادلة الاستثمار... جودة الفكرة وحدها لا تكفي
وأوضح الوادي أن القرار الاستثماري يقوم على معادلة متكاملة تجمع بين جودة الفكرة، وكفاءة الفريق المؤسس، وجاهزية السوق، وملاءمة التوقيت، بما يحقق العائد الاستثماري المطلوب.
وأشار إلى أنه رغم أهمية صفات القيادة والمرونة والالتزام لدى رائد الأعمال، فإن الشغف وحده لا يكفي لجذب المستثمرين ما لم يقترن بوجود طلب حقيقي في السوق، وميزة تنافسية واضحة، وتقييم مالي عادل، وخطة نمو قابلة للقياس.
وأكد أن القيمة الحقيقية للاستثمار تتجاوز الدعم المالي، لتشمل بناء الحوكمة، وتعزيز الثقة، وفتح الأسواق، وعقد الشراكات الإستراتيجية، بما يسرّع انتقال الشركات الناشئة من مشاريع واعدة إلى شركات مؤثرة اقتصاديا ومجتمعيا.
الاستثمار يسرع النمو
بدوره، قال الخبير في التحول الرقمي وريادة الأعمال، المهندس هاني البطش، إن الاستثمار يمنح الشركات الناشئة أكثر من التمويل، إذ يساعدها على تسريع النمو، وتطوير المنتجات، واستقطاب الكفاءات، والتوسع في الأسواق، والاستفادة من خبرات المستثمر وشبكة علاقاته.
وأشار إلى بيانات PitchBook التي تظهر أن الاستثمارات العالمية في رأس المال الجريء بلغت مئات المليارات من الدولارات خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار التركيز على شركات الذكاء الاصطناعي والتقنيات العميقة.
وأضاف أنه رغم محدودية السوق الأردنية، نجحت شركات ناشئة محلية في جذب استثمارات إقليمية وعالمية، مستفيدة من الكفاءات الوطنية والبيئة الريادية المتنامية، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الوصول إلى رأس المال الجريء، وتوسيع الأسواق، وبناء شركات تمتلك منتجات قادرة على المنافسة عالميا.
المستثمر يستثمر في الإنسان أولا
وأكد البطش أن المستثمر يستثمر في الإنسان قبل الفكرة؛ لأن الأفكار قد تتغير خلال رحلة النمو، بينما يبقى الفريق القادر على التعلم والتكيف والتنفيذ هو الضامن الحقيقي لتحقيق النجاح والعائد الاستثماري.
وأوضح أن المستثمر يقيّم مجموعة متكاملة من العناصر، في مقدمتها الفريق المؤسس، وحجم السوق المستهدف، وقابلية المنتج أو الخدمة للتوسع، والميزة التنافسية، ونموذج الإيرادات، ومدى وجود طلب حقيقي من العملاء.
وأشار إلى أن تقارير Harvard Business Review وCB Insights تؤكد أن أبرز أسباب فشل الشركات الناشئة تتمثل في غياب الحاجة الحقيقية للمنتج في السوق، يليها نفاد التمويل وضعف نموذج الأعمال، وهو ما يجعل المستثمر يبحث عن مشروع يمتلك مقومات النمو السريع والعائد المرتفع.
مؤشرات الأداء.. لغة المستثمر
ولفت البطش إلى أن المستثمر يمنح مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) أهمية كبيرة قبل اتخاذ قرار الاستثمار، ومن أبرزها معدل نمو الإيرادات، وعدد العملاء، ومعدل الاحتفاظ بهم، وتكلفة اكتساب العميل (CAC)، والقيمة العمرية للعميل (LTV)، والتدفقات النقدية، وحجم السوق القابل للاستهداف (TAM).
وأضاف أن الشركات التقنية مطالبة أيضا بإثبات امتلاكها ملكية فكرية واضحة، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإظهار قدرتها على التوسع إقليميا وعالميا.
متى يقول المستثمر "لا"؟
واختتم البطش بالتأكيد على أن المستثمر يرفض الاستثمار غالبا عندما يفتقر الفريق المؤسس إلى الخبرة أو الالتزام، أو عندما تكون الفكرة سهلة التقليد، أو يكون السوق محدودا، أو تغيب الحوكمة والشفافية، أو لا تتوافر مؤشرات واضحة على تحقيق النمو.
وأشار إلى أن تقرير Stanford Venture Capital Initiative يؤكد أن جودة الفريق المؤسس تعد من أكثر العوامل تأثيرا في قرارات صناديق رأس المال الجريء، لأن المستثمر يدرك أن الفكرة يمكن تطويرها، بينما يصعب على الفريق الضعيف تجاوز التحديات وتحقيق النمو المستدام.