قطاع الزراعة.. نحو التحديث والتصنيع*د.ابراهيم بدران
الغد
يمثل قطاع الزراعة في جوانبه الثلاثة النباتي والحيواني والسمكي ركناً أساسياً في الاقتصاد الوطني وفي الأمن الغذائي، وبنفس الدرجة من الأهمية دور الزراعة في إعمار وتخضير الأراضي الوطنية، وخاصة خارج المدن وفي الأرياف. وعلى الرغم من أن الأرقام لا تبدو كبيرة حيث تشكل الزراعة 5.6 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهو نفس المعّدل العالمي لمساهمة الزراعة في الاقتصاد، إلا أن أهمية الزراعة تتجسم في الدور الذي تقوم به وليس فقط في حجمها من الناتج المحلي الإجمالي.
ولا بد من الاعتراف بأن المزارع الأردني يبذل مجهودات متميزة في عمله وإدارته حتى وصل متوسط إنتاجية العامل الزراعي لدينا حوالي 18 ألف دينار في السنة رغم تواضع دعم الحكومة للزراعة. وفي نفس الوقت، فإن المزارع يعمل في ظروف غاية في الصعوبة من أهم ملامحها: شح المياه، وارتفاع كلفة الإنتاج، وزحف العمران على الأراضي الزراعية، وصعوبة النقل المناسب وغياب مستودعات التخزين الصحيح. ومع هذا نجح المزارعون الأردنيون في إنتاج كميات كبيرة من الخضار والفاكهة، فتعدت صادرات الأردن من هذه السلع 586 ألف طن للعام 2023 إضافة إلى إنتاج ما يزيد على 250 ألف طن من لحوم الدجاج وتصدير 630 ألف رأس من الأغنام. ومع هذا لا بد من التأكيد بأن التغيرات المناخية وعدم استقرار المنطقة أثرت على القطاع، وتسببت في كثير من المشكلات التي تتطلب رؤية مستقبلية علمية واضحة للتعامل المناسب معها.
وفي نفس الوقت فإن الكثير من المزارعين يعانون من فائض الإنتاج للعديد من المنتجات الزراعية وخاصة الخضار والفواكه مما يتسبب في خسائر كبيرة، ويستدعي تنفيذ إستراتيجية وطنية متماسكة تجمع بين متطلبات الإنتاج والتسويق من جهة، والتعامل مع المنتجات من جهة أخرى. الأمر الذي يستدعي النظر الجاد في عدد من النقاط الرئيسة وعلى النحو التالي:
اولاً: إن التطورات العلمية التطبيقية والتكنولوجية في الزراعة أتاحت الفرص لكثير من الدول المجاورة التي كانت تشكل أسواقاً جاذبة للمنتجات الأردنية أن تتحول تلك الدول إلى الإنتاج الحديث، وخاصة دول الخليج العربي والسعودية الأمر الذي يستدعي أن يؤخذ الموضوع بعين الاعتبار من منظور مستقبلي.
ثانياً: إن اعتماد القطاع على تصدير السلع الطازجة بقدر ما هو جيد ومجز، إلا أنه يحمل خطورة كبيرة بسبب وجود فوائض في الإنتاج وتكرار الأصناف مما يؤدي إما إلى تلف تلك المنتجات الطازجة أو انخفاض شديد في أسعارها بالنسبة للمزارع. الأمر الذي يضع مسألة «تصنيع الزراعة» سواء من حيث إقامة المصانع في المحافظات لتعليب وحفظ المنتجات الزراعية أو إقامة مستودعات التخزين المبردة، يضعها في مقدمة الأولويات لهذا القطاع. وبالتالي تستطيع المصانع والمستودعات التي تتولاها شركات وطنية مساهمة عامة من المحافظة أن تنجح في حفظ توازن الأسواق والأسعار.
ثالثاً: إن برنامجاً وطنياً «لتحديث ومكننة الزراعة على أوسع نطاق» يجب أن تعطيه الدولة أهمية كبيرة، فلا يمكن أن ينخرط العامل الأردني في الزراعة بشكل مهني ومستدام وعلى نطاق واسع، دون تكنولوجيا متقدمة، ولا يمكن زيادة الإنتاج وتحسين الإنتاجية دون تحديث حقيقي مبرمج يتناول كل منتج زراعي بعينه، فنسبة المكننة الزراعية لدينا في حدود 30 % بينما نجدها 90 % لدى الدول المتقدمة والناهضة.
رابعاً: إن تفتت الملكية الزراعية لأسباب اجتماعية معروفة تضيف صعوبات على استثمار الأراضي الزراعية وعقبات أمام اقتصاديات المكننة والتحديث. الأمر الذي يجعل من موضوع التعاونيات الزراعية على مستوى الألوية ضرورة ينبغي أن تعمل الحكومة على دفعها بالشكل الصحيح.
خامساً: ما تزال مدخلات الإنتاج من أسمدة ومبيدات وطاقة ونقل
وتغليف وغيرها تقع في نطاق الأسعار المرتفعة وغير المستقرة. مما يجعل صغار ومتوسطي المزارعين على حافة الخسارة باستمرار. ومن هنا فإن العمل على «تصنيع مدخلات الإنتاج» وتعميم الطاقة الشمسية و تخصيص وسائط النقل المنتظمة، والتوسع في ذلك يمثل المدخل الصحيح لمواجهة هذه الإشكالية الكبيرة، خاصة وأنه لدى الأردن المعطيات التي تؤهله للنجاح.
سادساً: إن تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة نتيجة للتغيرات المناخية من شأنه أن يضعف الزراعة عموما وخاصة في المناطق الشفاغورية والمناطق المرتفعة بسبب قلة المياه واستنزاف المياه الجوفية. وهذا يتطلب من وزارة الزراعة وبالتعاون مع المزارعين والتعاونيات وضع الحلول التكنولوجية اللازمة سواء من حيث الآليات الصغيرة المصممة للمرتفعات، أو من حيث السلالات النباتية والحيوانية المقاومة للجفاف، أو من حيث أساليب الزراعة والري، وبالتالي إدخال تكنولوجيات جديدة على نطاق واسع مثل الزراعة الذكية وتوليد المياه من الهواء واقتناص الضباب والري الذكي وغير ذلك.
سابعاً: إن التوسع في الزراعات المائية وفي الزراعة السمكية وإعادة تدوير المياه، وتعميم ذلك في مختلف المناطق وللمزارع الصغيرة كلما أمكن ذلك، في إطار دعم من المؤسسات الرسمية والأكاديمية، أصبحت من المداخل التي يتطلبها تحديث الزراعة.
ثامناً: مع تقدير الجهود المتواصلة التي تبذلها وزارة الزراعة ومؤسساتها والعاملين فيها إلاّ أن الإرشاد الزراعي بحاجة إلى مزيد من الدعم والاهتمام لمساعدة المزارعين في إدخال الأنماط والمنتجات والأساليب الجديدة، بما في ذلك تزويد المزارعين بالكتب والنشرات الدليلية وبالبيانات الفصلية والسنوية المتوقعة، وبالتالي مساعدة المزارع على اختيار الأصناف الزراعية المناسبة للسوق وللمناخ، بدلاً من التركيز على عدد محدود من الأنواع تتكرر لدى مختلف المزارعين.
وأخيراً فإن التغيرات المناخية أضافت أعباء كثيرة على الزراعة في العالم عامة وفي الأردن بشكل خاص، وبالتالي فرضت تعقيدات على إنتاج الغذاء والأمن الغذائي وإعمار وتخضير الأراضي. وليس هناك من بديل إلا الانخراط في التجميع والتكتيل لصغار المنتجين على غرار التجارب الناجحة في هذا البعد في الهند وفيتنام، ولا بديل عن التحديث والتوسع في توظيف مدخلات العلم والتكنولوجيا والأبحاث العلمية التطبيقية في كليات الزراعة الموجهة لحل المشكلات. كذلك ليس من بديل عن تصنيع الزراعة بالمفهوم الشامل أي المدخلات والعمليات والمخرجات بما في ذلك مستودعات التخزين طويل الأمد و منظومات النقل و الدعم الحكومي المتواصل للقطاع. فالأمن الغذائي يزداد تعقيداً وهشاشة على مستوى العالم مع التغيرات المناخية الكاسحة، والزراعة في النهاية واحد من الأعمدة الرئيسية للعمران والاقتصاد.