أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    14-Apr-2026

الحصار البحري الأميركي للموانئ الإيرانية.. ضغط على إيران أم على العالم؟*أحمد عوض

 الغد

في ظاهر الأمر، تبدو فكرة الحصار البحري الأميركي للموانئ الإيرانية وكأنها أداة مباشرة للضغط على طهران، هدفها تقليص قدرتها على التصدير والاستيراد، وتجفيف مواردها المالية، ودفعها إلى التراجع السياسي والإستراتيجي. لكن في واقع الأمر، فإن هذا النوع من الحصار، حين يُطبَّق في بيئة شديدة الحساسية مثل الخليج ومضيق هرمز، لا يبقى محصوراً في هدفه المعلن، بل يتحول سريعاً إلى أزمة أوسع، تتجاوز إيران نفسها لتصيب الاقتصاد العالمي بدرجات متفاوتة.
 
 
صحيح أن إيران ستكون الخاسر المباشر والأكبر من حيث استهداف موانئها وتجارتها وعائداتها، إلا أن كلفة هذه الخطوة لن تتوقف عند حدودها. فالموانئ الإيرانية جزء من بيئة بحرية وتجارية عالمية شديدة التشابك، تقع في قلب واحد من أهم المسارات الإستراتيجية للطاقة والتجارة في العالم. ولهذا فإن أي حصار بحري أميركي واسع على هذه الموانئ لن يُقرأ فقط باعتباره عقوبة على إيران، بل باعتباره تهديداً مباشراً لاستقرار الإمدادات والأسواق وسلاسل النقل الدولية.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الحصار سيؤلم إيران، فهذا شبه مؤكد، بل ما إذا كان العالم قادراً على تحمّل التداعيات الأوسع له. فتجربة الأربعين يوما الماضية تقول إن أي اضطراب في هذه المنطقة يرفع فوراً أسعار النفط والغاز، ويضاعف كلفة التأمين والشحن، ثم ينتقل أثره إلى الصناعة، والغذاء، والنقل، والتضخم. وبذلك لا يعود الحصار مجرد أداة ضغط جيوسياسي فقط، بل يصبح عاملاً محركا لاضطراب اقتصادي عالمي جديد.
الاقتصادات الكبرى ستدفع جزءاً مهماً من الثمن. الصين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة المستوردة وعلى انسياب التجارة البحرية، ستكون من أكثر المتضررين من أي ارتفاع كبير في كلفة الطاقة والشحن. اليابان وكوريا الجنوبية ستواجهان هشاشة أكبر بحكم اعتمادهما العالي على واردات الطاقة. الهند أيضاً لن تكون بعيدة عن الصدمة، لأن ارتفاع أسعار النفط سينعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد، والتضخم، والمالية العامة. أما أوروبا، فستتضرر عبر ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام والنقل. وحتى الولايات المتحدة نفسها، رغم أنها منتج كبير للطاقة، لن تكون بمنأى عن آثار ارتفاع الأسعار العالمية والتقلبات في الأسواق، وما يرافق ذلك من ضغط اقتصادي وسياسي داخلي.
إن أكثر ما يكشف محدودية منطق الحصار هو أثره المحتمل على دول الخليج. فهذه الدول، رغم كونها مصدّرة للطاقة، ليست محصنة ضد تداعيات أي حصار بحري أميركي للموانئ الإيرانية. بل على العكس، قد تجد نفسها أمام وضع تتراجع فيه قدرتها على الاستفادة من ارتفاع الأسعار، لأن الخطر الحقيقي لا يتعلق بالسعر فقط، بل بإمكانية الإنتاج والتصدير المنتظم وسط بيئة بحرية مضطربة. فحين ترتفع المخاطر الأمنية، وتتزايد كلفة التأمين، وتتعرض الممرات البحرية للتهديد، يصبح ارتفاع السعر مكسباً نظرياً لا يترجم بالضرورة إلى إيرادات مستقرة. وفي هذه الحالة، تتضرر الموانئ، والخدمات اللوجستية، والاستثمارات، والقطاعات غير النفطية المرتبطة بالتجارة والاستقرار الإقليمي.
لهذا فإن تداعيات الحصار البحري الأميركي للموانئ الإيرانية لا تكمن فقط في احتمال محدودية نتائجه السياسية تجاه إيران، بل في أنه يوسع نقل كلفة المواجهة من الإطار الثنائي إلى الإطار العالمي. لذلك سيتحول الضغط الاقتصادي على إيران إلى عبء اقتصادي تتوزع كلفته على مختلف الاقتصادات العالمية الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، كل بحسب درجة اعتماده على الطاقة والتجارة البحرية وسلاسل الإمداد.
قد يبدو الحصار البحري الأميركي للموانئ الإيرانية خياراً صارماً كجزء من الحرب الممتدة من ستة أسابيع، لكنه اقتصادياً ليس إجراءً معزولاً ولا منخفض الكلفة. إنه خطوة مرشحة لأن تفتح باباً واسعاً من الخسائر المتعددة والمتشابكة، بحيث لا يخرج منها طرف رابح بالكامل.