أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    13-Oct-2026

الربط الكهربائي الإقليمي.. خيار إستراتيجي لأمن الطاقة الوطني

 الغد-رهام زيدان

 في وقت تتصاعد فيه المخاطر الجيوسياسية وتتزايد الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، يعود الربط الكهربائي الإقليمي إلى واجهة الخيارات الإستراتيجية أمام الأردن، بوصفه أداة لتنويع مصادر التزود بالكهرباء، وتعزيز مرونة النظام الكهربائي، وتقليص مخاطر الاعتماد على مسارات إمداد محدودة، فضلا عن فتح آفاق جديدة لتصدير الفائض من الإنتاج المحلي.
 
 
ويرى خبراء في قطاعي الطاقة والاقتصاد أن أهمية الربط الكهربائي لا تتراجع مع التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة وأنظمة تخزين الكهرباء، بل تزداد في ظل الحاجة إلى بناء منظومة متكاملة تجمع بين تنويع مصادر التوليد، وتخزين الفائض، وتبادل الكهرباء عبر الحدود، والاستفادة من اختلاف أنماط الاستهلاك وأوقات الذروة بين الدول.
وبحسب الخبراء، فإن الرهان الأردني لا يقتصر على تأمين احتياجات المملكة من الكهرباء، وإنما يمتد إلى استثمار موقعها الجغرافي لتصبح حلقة وصل إقليمية بين أسواق الطاقة في شرق المتوسط والخليج العربي، بما يتيح فرصا اقتصادية واستثمارية أوسع، شريطة توافر الجدوى المالية والاتفاقيات المستقرة والجاهزية الفنية للشبكات المرتبطة.
 الطاقة المتجددة.. درع في مواجهة تقلبات الأسواق
وقال رئيس مجلس إدارة جمعية "إدامة" للطاقة والبيئة والمياه، الدكتور دريد محاسنة، إن التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة يعزز أمن الطاقة الأردني، باعتبارها مصادر محلية تستند إلى الموارد الطبيعية المتاحة، وتحد من الحاجة إلى استيراد الوقود، وما يرتبط به من تقلبات سعرية ومخاطر انقطاع الإمدادات نتيجة التطورات الإقليمية.
وأضاف محاسنة، إن ارتفاع أسعار النفط والغاز أو اضطراب إمداداتهما ينعكس مباشرة على كلف الطاقة، في حين يسهم الاعتماد على المصادر المتجددة في تقليل تعرض المملكة لهذه التقلبات، وتعزيز قدرتها على تأمين احتياجاتها من موارد محلية.
وأوضح أن ربط مشاريع الطاقة المتجددة بالشبكات الكهربائية للدول المجاورة لا يشكل عائقا أمام التوسع فيها، بل يمكن أن يفتح المجال أمام فرص إضافية لتبادل الكهرباء والاستفادة من الإنتاج المحلي، من خلال الربط مع دول مثل سورية وغيرها، بما يعزز التكامل الإقليمي في قطاع الطاقة.
وأشار إلى أن هذا التوجه يندرج ضمن مفهوم أوسع لأمن الموارد، لا يقتصر على الطاقة، بل يشمل المياه أيضا، من خلال تقليل الاعتماد على الموارد الواقعة خارج السيطرة الوطنية، وتعزيز قدرة الأردن على تأمين احتياجاته بصورة مستدامة.
التخزين لا يلغي الميزة الاقتصادية للطاقة النظيفة
وفيما يتعلق بأثر أنظمة تخزين الكهرباء على الجدوى الاستثمارية لمشاريع الطاقة المتجددة، قال محاسنة إن إضافة أنظمة التخزين لا تلغي المزايا الاقتصادية لهذه المشاريع، موضحا أن كلفة التوليد تمثل عنصرا أساسيا في معادلة الاستثمار، سواء في مشاريع الطاقة التقليدية أو المتجددة، فيما ترتبط كلف النقل والتخزين بطبيعة النظام المستخدم ومتطلباته الفنية.
وأكد أن الطاقة المتجددة تتميز كذلك بانخفاض آثارها البيئية مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية، التي ترتبط بانبعاثات تسهم في تغير المناخ، وما قد يترتب عليها من انعكاسات على الأنماط المناخية والهطل المطري، الأمر الذي يعزز أهمية التوسع في المصادر النظيفة من منظور أمن الطاقة والمياه معا.
    الأردن.. من سوق مستهلكة إلى محور لتبادل الكهرباء
من جهته، قال الخبير في شؤون الطاقة هاشم عقل إن الربط الكهربائي ما يزال خيارا مجديا وحيويا للأردن، وإن التطورات الجيوسياسية المتسارعة تزيد من أهميته، في ظل محدودية الموارد المحلية الكبرى من الطاقة التقليدية، ما يجعل تنويع مصادر التزود ومسارات الإمداد خط دفاع إستراتيجيا للحد من الاعتماد على مصدر واحد.
وأوضح عقل أن الأردن يسعى إلى ترسيخ مكانته بوصفه حلقة وصل محورية لربط شبكات الطاقة في شرق المتوسط والخليج العربي، مستفيدا من مشاريع الربط القائمة مع مصر وفلسطين والعراق، إلى جانب المشاريع المرتقبة مع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي.
وبين أن أهمية هذا الدور لا تقتصر على تحقيق عوائد اقتصادية مباشرة، بل تمتد إلى تعزيز الوزن الإستراتيجي للمملكة إقليميا، وتحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة يمكن توظيفها في تجارة الكهرباء وتبادل المنافع بين الأسواق المرتبطة.
وأضاف أن مشاريع الربط يمكن أن تسهم في خفض الكلف الرأسمالية والتشغيلية للنظام الكهربائي، من خلال تقليل الحاجة إلى إنشاء محطات توليد احتياطية ضخمة محليا، إذ يمكن الاستفادة من شبكات الدول المجاورة لمواجهة العجز الطارئ أو الارتفاع المفاجئ في أحمال الذروة، بما يعزز مرونة المنظومة الوطنية.
  اتفاقيات مستقرة وفوائض إنتاجية.. شروط نجاح الربط
وأشار عقل إلى أن تحقيق المنافع الاقتصادية والفنية للربط الكهربائي يتطلب اتفاقيات ثنائية وإقليمية واضحة ومستقرة، تحدد التزامات تبادل الطاقة وآليات التسعير بصورة شفافة، إلى جانب توافر فائض إنتاجي حقيقي وقدرات توليدية لدى الدول المرتبطة.
ولفت إلى أهمية الاستفادة من اختلاف أوقات الذروة وساعات الاستهلاك بين الدول، سواء بين فصلي الصيف والشتاء أو بين ساعات الليل والنهار، بما يتيح تبادل الكهرباء بكفاءة أكبر، ويعزز الاستفادة من القدرات المتاحة لدى كل طرف.
وشدد على ضرورة التنسيق الفني والمؤسسي بين شركات تشغيل شبكات النقل الوطنية، وفي مقدمتها شركة الكهرباء الوطنية الأردنية ونظيراتها في الدول الأخرى، لضمان توافق المعايير الفنية وشروط التشغيل المشترك، والحفاظ على استقرار الترددات والحد من مخاطر الاضطرابات أو الانهيارات في الشبكات المترابطة.
  البطاريات وخطوط الربط.. تكامل لا منافسة
وفيما يختص بالعلاقة بين الطاقة المتجددة والبطاريات وخطوط الربط، أوضح عقل أن التوسع الكبير في مشاريع الطاقة الشمسية والرياح في الأردن أوجد تحديات مرتبطة بتذبذب الإنتاج، ما يعزز أهمية الربط الإقليمي في استيعاب الفائض خلال ساعات ارتفاع الإنتاج أو تصديره إلى الأسواق المجاورة، والاستعانة بالكهرباء المستوردة عند انخفاض التوليد المتجدد.
وأكد أن البطاريات لا تستطيع أن تشكل بديلا كاملا عن الربط الكهربائي، لأنها تخزن الكهرباء المنتجة محليا، ولا يمكنها وحدها تعويض أيام كاملة من انخفاض إنتاج الطاقة المتجددة بسبب الظروف الجوية أو غياب الشمس والرياح لفترات طويلة.
وأضاف أن تخزين كميات ضخمة من الكهرباء لفترات ممتدة باستخدام البطاريات وحدها يظل مرتفع الكلفة، مقارنة بالإمكانات التي يتيحها استيراد الطاقة أو تبادلها عبر شبكات ربط واسعة.
وبذلك، فإن التحدي لا يكمن في الاختيار بين البطاريات وخطوط الربط، بل في تحديد الدور الاقتصادي والفني الأنسب لكل منهما، بما يحقق التوازن بين كلفة الاستثمار وموثوقية الإمدادات واستقرار الشبكة.
   الربط الكهربائي.. "تأمين إقليمي" في مواجهة المخاطر
بدوره، أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان أن التطورات الجيوسياسية لا تقلل من الجدوى الإستراتيجية للربط الكهربائي الإقليمي بالنسبة للأردن، بل تجعل تنويع مصادر التزود ومسارات الطاقة أكثر أهمية، شريطة إخضاع المشاريع لدراسات اقتصادية مستقلة تأخذ في الاعتبار كلفتها، وحجم التبادل المتوقع، وفروق أسعار الكهرباء، واستقرار الدول المرتبطة، وقدرة الشبكات على الاستمرار في الظروف الاستثنائية.
وقال السرحان إن الربط الكهربائي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشروع بنية تحتية فحسب، وإنما بوصفه نوعا من "التأمين الإقليمي" للنظام الكهربائي، يتيح للأردن استيراد الكهرباء عند الحاجة وتصديرها عند توافر فائض، والاستفادة من اختلاف أوقات الذروة بين الدول.
وأوضح أن الأردن يمتلك قاعدة يمكن البناء عليها، في ظل ارتباطه كهربائيا بمصر والعراق، لافتا إلى أن هذه الروابط توسع الخيارات المتاحة أمام النظام الكهربائي الوطني، وتقلل الاعتماد على سوق أو مصدر واحد، وتتيح تحويل الموقع الجغرافي للمملكة إلى ميزة اقتصادية عبر تجارة الكهرباء الإقليمية، بدلا من الاقتصار على تلبية الاحتياجات المحلية.
وأضاف السرحان، إن البطاريات وأنظمة التخزين لا تمثل بديلا مطلقا عن الربط الكهربائي، بل أداة مكملة له، موضحا أن التخزين المحلي قد يكون أقل كلفة في بعض الحالات من إنشاء خط ربط جديد، خصوصا عندما يكون الهدف معالجة اختلالات قصيرة الأجل تمتد لعدة ساعات أو تخفيف الضغط خلال فترات الذروة داخل الشبكة.
وأكد أن الخيار المتاح أمام الأردن لا يتمثل في المفاضلة بين الربط والتخزين والطاقة المتجددة، وإنما في بناء منظومة متكاملة تجمع بينها، من خلال زيادة إنتاج الكهرباء المتجددة، واستخدام التخزين لمعالجة التذبذب قصير الأجل، وتوظيف الربط الإقليمي لتبادل الفوائض وتقاسم الاحتياطيات وفتح أسواق للتصدير.
وشدد على ضرورة تصميم اتفاقيات الربط بما يضمن مرونة التشغيل، ويحد من الاعتماد المفرط على مسار واحد، مع تنويع الدول المرتبطة ووضع قواعد واضحة لتسعير الكهرباء وتبادلها والتعامل مع حالات الطوارئ، في ظل استمرار المتغيرات الجيوسياسية.
   شبكة الربط الأردنية.. قدرات قائمة ومشاريع توسع مرتقبة
وتتوزع مشاريع الربط الكهربائي الأردنية بين خطوط قائمة وأخرى قيد التطوير، في إطار مساعي المملكة لتعزيز أمن التزود بالطاقة وتنويع خيارات الاستيراد والتصدير.
ويأتي الربط مع مصر، القائم منذ عام 1999، بقدرة تبلغ نحو 550 ميغاواط، فيما يستهدف مشروع الربط مع السعودية قدرة تبلغ 500 ميغاواط في مرحلته الأولى، ترتفع إلى 1,000 ميغاواط في المرحلة الثانية.
أما مشروع الربط مع العراق، فيستهدف تزويده بنحو 150 إلى 200 ميغاواط عبر خط بجهد 400 كيلوفولت، في حين يجري العمل على تعزيز الربط مع سورية ولبنان من خلال تقييم الشبكات واستكمال متطلبات التأهيل والتمويل.
كذلك، يزود الأردن شركة كهرباء محافظة القدس بالكهرباء عبر الربط مع فلسطين، بقدرة معلنة تبلغ 80 ميغاواط.
وتعكس هذه المشاريع توجها نحو توسيع شبكة العلاقات الكهربائية الإقليمية، بما يتيح للأردن خيارات أوسع لإدارة الطلب وتلبية الاحتياجات في أوقات الذروة، والاستفادة من فائض الإنتاج المحلي، وتعزيز فرص تجارة الكهرباء عبر الحدود.