تطوير الثروة الحيوانية.. كيف يسهم بتعزيز الأمن الغذائي؟
الغد-عبدالله الربيحات
في ظل الأزمة الإقليمية الحالية، وما نجم عنها من تداعيات حادة في الاقتصاد العالمي، بخاصة في الجانب المتعلق بتأثيراتها على قطاع الطاقة والنفط، وما يتبعه إغلاق مضيق هرمز من مساس بسلاسل التوريد في العالم، فإن انعكاسات هذه التداعيات تمس غالبية الدول، ومنها الأردن.
وفي هذا النطاق، فإن الأزمة الإقليمية يجب أن تدفع المعنيين في مختلف القطاعات، وتحديداً المتعلقة بالأمن الغذائي الوطني، إلى خلق فرص تعيد هيكلة القطاعات المتعلقة بالغذاء وإنتاجه، أكان زراعياً نباتياً أو ثروة حيوانية، أو صناعياً، والمضي نحو تكامل رأسي فيها، وتوطين جزء من مدخلاتها، وتعزيز التصنيع الغذائي، بما يحول التحدي إلى رافعة تعزز الأمن الغذائي والاستدامة الاقتصادية.
ويشكل قطاع الثروة الحيوانية مورداً رئيساً في سلاسل الغذاء الأساسية، ما يعني أن الحاجة باتت ملحة لإعادة النظر في آليات تعزيزه، واستدامته، وتمكين القطاع وتطويره.
أكد خبراء في الزراعة أن تطوير قطاع الثروة الحيوانية ركيزة أساسية لتعزيز الأمن الغذائي، بخاصة في ظل التحديات المرتبطة بزيادة الطلب على الغذاء وتغير المناخ، كما أنه يتأثر على نحو مباشر باضطراب سلاسل التوريد وارتفاع كلف الشحن والطاقة، معتبرين أن ذلك يضغط بشكل أكبر على قطاع الدواجن سريع الدوران، ويمتد تدريجياً إلى اللحوم الحمراء، بينما قد يبرز الاستزراع السمكي كخيار أكثر استقراراً نسبياً.
وأضافوا لـ"الغد" أن تحسين إنتاجية الحيوانات يجري بتبني تقنيات تربية حديثة، كالانتقاء الوراثي، وتحسين جودة الأعلاف، وتوسيع برامج الرعاية البيطرية للحد من الأمراض، وبدعم صغار المربين عبر تدريبهم وتمويلهم، مما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتقليل الفاقد، وينعكس إيجاباً على استقرار الإمدادات الغذائية.
وبينوا أن الأمن الغذائي في الأردن لا يمكن تحقيقه عبر قطاع واحد، بل عبر منظومة متكاملة تشمل اللحوم الحمراء والدواجن والأسماك، على أن تدار بعقلية صناعية حديثة، وتُبنى على التكامل الرأسي، لتتحول من قطاعات متفرقة إلى رافعة اقتصادية موحدة قادرة على تحقيق الاستقرار والاكتفاء والنمو.
هيكلة شاملة
قال وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري إن تطوير القطاع لا يقتصر على تحسين إنتاج اللحوم الحمراء، بل يتطلب إعادة هيكلة شاملة تشمل الدواجن والثروة السمكية، ضمن نموذج تكامل رأسي يربط الإنتاج بالتصنيع والتسويق، مضيفًا أنه بينما ما يزال قطاع اللحوم الحمراء يعاني من ارتفاع الكلفة وضعف الإنتاجية، فإن قطاع الدواجن يشكل اليوم مصدرًا رئيسًا للبروتين الحيواني محليًا، فيما تبقى الثروة السمكية قطاعًا واعدًا غير مستثمر بالشكل الكافي.
وأضاف المصري، في قطاع الدواجن، يمتلك الأردن قاعدة إنتاجية متقدمة نسبيًا، لكنه يواجه تحديات تتعلق بكلف الأعلاف والطاقة وتقلبات السوق، لافتًا إلى الحاجة لتعميق التكامل الرأسي عبر ربط إنتاج الصيصان والأعلاف بالتسمين والذبح والتصنيع الغذائي، بما يضمن استقرار الأسعار ورفع الكفاءة، وتحويل الفائض لمنتجات مصنّعة قابلة للتخزين والتصدير بدلًا من الاعتماد على السوق الطازج فقط.
أما الثروة السمكية، فبيّن أنه بالرغم من محدودية الموارد المائية، إلا أن الفرصة تكمن في الاستزراع السمكي المكثف باستخدام المياه المعالجة أو الأنظمة المغلقة (RAS)، ما يتيح إنتاجًا مستقرًا عالي القيمة دون الضغط على الموارد الطبيعية، وإدماج هذا القطاع ضمن سلاسل القيمة الغذائية يضيف بعدًا مهمًا لتنويع مصادر البروتين وتقليل المخاطر.
ولفت إلى أن تطوير اللحوم الحمراء يبقى جزءًا من المعادلة، عبر رفع كفاءة التربية، وخفض كلف الأعلاف، وربط الإنتاج بمسالخ حديثة وصناعات تحويلية، بما يمنع تسرب القيمة خارج الاقتصاد عبر تصدير المواشي الحية.
وقال إن النقطة الجوهرية في جميع هذه القطاعات هي بناء سلاسل قيمة متكاملة، حيث تتحول الثروة الحيوانية بمختلف مكوناتها لصناعة مترابطة تبدأ من المدخلات (الأعلاف والطاقة) وتمر بالإنتاج والتصنيع، وتنتهي بالتسويق المحلي والتصدير.
وزاد أن هذا النموذج يتطلب بيئة تنظيمية واستثمارية واضحة، تقوم على استقرار السياسات، وتسهيل التراخيص، وإطلاق صناديق استثمار متخصصة قادرة على تمويل مشاريع التكامل الرأسي، بما يفتح المجال أمام شراكات محلية وإقليمية.
وبين أن الأمن الغذائي في الأردن لا يمكن تحقيقه عبر قطاع واحد، بل عبر منظومة متكاملة تشمل اللحوم الحمراء والدواجن والأسماك، تُدار بعقلية صناعية حديثة، وتُبنى على التكامل الرأسي، لتتحول من قطاعات متفرقة إلى رافعة اقتصادية موحدة قادرة على تحقيق الاستقرار والاكتفاء والنمو.
ولفت إلى أن القطاع الحيواني يتأثر بشكل مباشر نتيجة اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع كلف الشحن والطاقة، ما يضغط بشكل أكبر على قطاع الدواجن سريع الدوران، ويمتد تدريجياً للحوم الحمراء، بينما قد يبرز الاستزراع السمكي كخيار أكثر استقراراً نسبياً، وفي المقابل، تخلق الأزمة الإقليمية فرصة لإعادة هيكلة القطاع نحو التكامل الرأسي، وتوطين جزء من المدخلات، وتعزيز التصنيع الغذائي، بما يحول التحدي إلى رافعة لتعزيز الأمن الغذائي والاستدامة الاقتصادية.
ركيزة لتعزيز الأمن الغذائي
من جهته، قال الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. حسان العسوفي: "يعد تطوير قطاع الثروة الحيوانية ركيزة أساسية لتعزيز الأمن الغذائي، بخاصة في ظل التحديات المرتبطة بزيادة الطلب على الغذاء وتغير المناخ".
وأضاف لـ"الغد": "تحسين إنتاجية الحيوانات يتم عبر تبني تقنيات التربية الحديثة، كالانتقاء الوراثي، وتحسين جودة الأعلاف، وتوسيع برامج الرعاية البيطرية للحد من الأمراض"، منوهاً إلى أن دعم صغار المربين بالتدريب والتمويل يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتقليل الفاقد، ما ينعكس إيجاباً على استقرار الإمدادات الغذائية.
وأكد أن الاستثمار في البنية التحتية يلعب دوراً مهماً، كإنشاء مسالخ حديثة، وتطوير سلاسل التبريد والنقل، بما يضمن سلامة المنتجات الحيوانية وجودتها، كما يسهم تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص في إدخال التكنولوجيا وتعزيز الابتكار في هذا المجال، فضلاً عن وضع سياسات مستدامة لإدارة الموارد الطبيعية، خاصة المياه والمراعي، لضمان استمرارية الإنتاج دون استنزاف الموارد.
وزاد: "إن تعزيز التكامل بين الإنتاج الحيواني والزراعي يُعدّ من الإستراتيجيات الفعّالة، حيث يمكن الاستفادة من المخلفات الزراعية كأعلاف، واستخدام السماد الحيواني لتحسين خصوبة التربة"، مبيناً أن هذا النهج التكاملي لا يدعم فقط الأمن الغذائي، بل يُعزّز أيضاً الاستدامة البيئية ويخلق فرص عمل جديدة في المناطق الريفية، ما يسهم في تحقيق تنمية اقتصادية متوازنة. وبين بأن ملف توفير الأعلاف واستدامتها يبقى ملفاً حيوياً ومحركاً أساسياً في تطوير وتعزيز قطاع الثروة الحيوانية.
مكون أساس للاقتصاد
وقال الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. سميح أبو بكر: ان قطاع الثروة الحيوانيّة يعزز الاقتصاد الوطني، وهو بالطبع مكون رئيس في الاقتصاد المحلي، مبيناً أن استدامة قطاع الثروة الحيوانية تعكس نفساً إيجابياً في استدامة الاقتصاد الوطني.
وبين أن برامجنا الغذائية تعتمد كثيراً على البروتينات والفيتامينات، وخصوصاً فيتامين B 12 المتوفر بشكل رئيس من اللحوم الحمراء. كما لا ننسى الألبان والأجبان بمختلف مصادرهما الحيوانيّة، وكذلك البيض، وهكذا يعد قطاع الزراعة الحيواني رافداً ومعززاً رئيساً للأمن الغذائي والاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية على حدّ سواء.
وتابع: تعزز الثروة الحيوانيّة بشكل ملموس الدخل القومي والاقتصاد الريفي، ولها أثر كبير في تقليل الفقر الريفي وتوفير فرص العمل لآلاف الشباب والأسر الريفية.
ودعا إلى السيطرة العادلة بدعم وتوزيع الأعلاف على المزارعين وصغارهم، وهذا يتطلب السيطرة الرقمية والتعداد الصحيح للثروة الحيوانيّة واستخدام التكنولوجيا الحديثة في العد والترقيم، داعياً للشراكة الفعالة بين القطاعين العام والخاص بهذا الشأن.
وقال إن قطاع الثروة الحيوانيّة يحتاج لخطة وبرنامج زمني لتطويره بكل الأنشطة المتعلقة والمرتبطة به، ومن ضمنها منع مطلق لتصدير الإناث من المواشي بكافة أنواعها.
تطوير القطاع الحيواني
بدوره، قال مساعد الأمين العام للثروة الحيوانية بوزارة الزراعة م. مصباح الطراونة، إن تطوير قطاع الثروة الحيوانية يعد ركيزة أساسية من ركائز تعزيز الأمن الغذائي في ظل التحديات المتعلقة بشح الموارد الطبيعية، حيث تتجلى أهمية تطوير القطاع بزيادة إنتاج الغذاء المنتج محلياً، بحيث يقل الاعتماد على الاستيراد كماً ونوعاً، بحيث يتم توفير مصادر حيوانية متنوعة مرادفة للمصادر النباتية، وبالتالي تحقيق التوازن الغذائي.
وأضاف: يساهم القطاع في استقرار أسعار المنتجات محلياً وتفادي تقلبات الأسواق العالمية وتوفير فرص عمل لمربي الماشية والمزارعين وتحسين دخولهم، الأمر الذي ينعكس على تقليل نسب الفقر، كما يساهم في تطور الصناعات المتعلقة بهذا القطاع؛ كصناعة الأعلاف وقطاع المنتجات الحيوانية كاللحوم والألبان.
ورداً على تأثر القطاع بالحرب وسلاسل التوريد، أوضح أن التأثير غير مباشر، حيث سيكون بملف النقل والشحن والتأمين، مشيراً لوجود زيادة في الطلب على المنتجات وارتفاع على مدخلات الإنتاج مثل الأعلاف.