الدستور - رندا حتامله
تتجه البوصلة الاقتصادية في الأردن لتعزيز هندسة البنية التحتية كمدخل رئيسي لتحفيز النمو وتعزيز الجاذبية الاستثمارية، في ظل تسارع تنفيذ المشاريع الكبرى ضمن رؤية التحديث الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع سكة حديد العقبة إلى جانب مشروع الناقل الوطني للمياه كرافعتين استراتيجيتين قادرتين على إحداث تحوّل نوعي في هيكل الاقتصاد الوطني، عبر خفض كلف النقل، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد، وضمان استدامة الموارد الحيوية.
وبينما يؤكد خبراء أن تعظيم الأثر الاقتصادي لهذه المشاريع مرهون بتكاملها الجغرافي والقطاعي، يشددون على أن التحدي الحقيقي يكمن في كفاءة التنفيذ وتوجيه الإنفاق الرأسمالي نحو مشاريع مولّدة للنمو وفرص العمل، بما يعزز تنافسية الأردن إقليميًا ويؤسس لتنمية متوازنة تمتد إلى مختلف المحافظات.
مشاريع ضخمة تضمن استدامة الإمدادات
بدورها أكدت خبيرة ودبلوماسية المياه المهندسة ميسون الزعبي أن نجاح المشاريع الاستثمارية الكبرى يبقى مرهونًا بقدرة قطاع المياه على التحول إلى رافعة تنموية حقيقية.
وفي هذا السياق، أوضحت الزعبي أن تنفيذ مشروع الناقل الوطني لتحلية المياه سيُحدث أثرًا مزدوجًا على كلفة المياه للقطاع الصناعي.
فمن جهة، سترتفع الكلفة المباشرة لإنتاج المتر المكعب نتيجة الاعتماد على التحلية والطاقة والنقل لمسافات طويلة، وهو ما قد ينعكس على تعرفة المياه في المدى القصير. إلا أن الأثر الأعمق بحسب تعبيرها يكمن في ضمان استدامة الإمدادات، وهو عامل حاسم في تقليل المخاطر التشغيلية، وخفض كلف الانقطاع، وتعزيز استقرار بيئة الأعمال، خصوصًا في الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه.
وبيّنت أن هذه المعادلة رغم ضغط الكلفة تعزز جاذبية الأردن للاستثمارات طويلة الأجل، شريطة تحقيق توازن مدروس بين استرداد الكلف والحفاظ على تعرفة تنافسية، بما يحوّل المشروع من عبء مالي إلى ممكن اقتصادي.
وفي تقييمها لواقع الاستثمار، شددت الزعبي على أن شح المياه يُعد عائقًا هيكليًا رئيسيًا أمام جذب الاستثمارات الكبرى، خاصة في الجنوب والعقبة، حيث تُخطط مشاريع صناعية وسياحية واسعة النطاق.
وأشارت إلى أن القطاعات الإنتاجية، كالتعدين والصناعات التحويلية والبتروكيماويات، تعتمد بشكل مباشر على توفر مياه مستقرة، كما لفتت إلى أن القطاع السياحي لا سيما في العقبة يتأثر بشكل مباشر بموثوقية المياه، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في جودة الخدمات واستدامة المشاريع.
وأضافت أن الاعتماد المتزايد على التحلية في المناطق الساحلية، رغم أهميته، يفرض تحديات تتعلق بكلف البنية التحتية، ما يجعل تسريع تنفيذ مشروع الناقل الوطني عاملًا حاسمًا في تقليص حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.
وفيما يتعلق بقدرة البنية التحتية الحالية على مواكبة زخم المشاريع، بيّنت الزعبي أن الأردن يواجه فجوة مائية قائمة تُقدّر بنحو 400 مليون متر مكعب سنويًا، في ظل توفر يقارب 950 مليون متر مكعب مقابل احتياجات تصل إلى نحو 1.4 مليار متر مكعب.
وأوضحت أن هذه الفجوة تتفاقم نتيجة ارتفاع فاقد المياه في الشبكات، والاستنزاف المستمر للمياه الجوفية، ما يضع قيودًا مباشرة على التوسع الاستثماري. وأكدت أن سد هذه الفجوة يتطلب تسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، وعلى رأسها الناقل الوطني الذي يستهدف تحلية نحو 300 مليون متر مكعب سنويًا، إلى جانب خفض الفاقد، وتوسيع استخدام المياه المعالجة، وتبني حلول رقمية لتحسين كفاءة التوزيع.
واعتبرت أن مستقبل الاستثمار في الأردن سيبقى مرتبطًا بسرعة تنفيذ هذه الحلول، حيث يمكن تحويل التحدي إلى فرصة في حال الالتزام بالجداول الزمنية، أو تحوله إلى قيد حقيقي في حال التأخير.
وعن الجدوى الاقتصادية، أوضحت الزعبي أن مشاريع المياه رغم كلفتها الرأسمالية المرتفعة، تحقق عوائد اقتصادية غير مباشرة تتجاوز قيمتها بكثير.
وختمت الزعبي بالتأكيد على أن الاستثمار في المياه لم يعد خيارًا خدميًا، بل ضرورة اقتصادية استراتيجية، مشيرة إلى أن كلفة عدم الاستثمار في هذا القطاع تفوق بكثير كلفة تطويره، ما يجعل من مشاريع المياه ركيزة أساسية لضمان نمو اقتصادي مستدام وتعزيز تنافسية الأردن في المرحلة المقبلة.
تفاؤل المستثمرين يستند لمعطيات واقعية
من جهته أكد الرئيس التنفيذي لشركة تطوير معان المهندس محمد فواز أبو تايه أن المرحلة الحالية تمثل نقطة تحوّل مفصلية في مسار الاقتصاد الأردني، مشيرًا إلى أن حالة التفاؤل التي تسود الأوساط الاستثمارية تستند إلى معطيات واقعية، في مقدمتها تسارع تنفيذ المشاريع الكبرى ضمن رؤية التحديث الاقتصادي 2026–2029، والتي انتقلت وفق تعبيره،من حيز التخطيط النظري إلى مرحلة التنفيذ العملي والمتابعة المؤسسية.
وأوضح أن هذه الرؤية تشكّل خارطة طريق استراتيجية ترتكز على قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، مثل التعدين، والصناعات التحويلية، والطاقة المتجددة، وهي قطاعات بدأت بالفعل بإحداث أثر اقتصادي مباشر، لا سيما في المناطق التنموية، وعلى رأسها معان.
وبيّن أبو تايه أن مشاريع البنية التحتية تمثل حجر الزاوية في هذا التحول، وفي مقدمتها مشروع سكة حديد العقبة، الذي وصفه بـ»الشريان اللوجستي» القادر على إحداث نقلة نوعية في بيئة الأعمال.
وأشار إلى أن ربط مناطق الإنتاج الصناعي والتعديني بالموانئ عبر شبكة سكك حديدية متطورة سيؤدي إلى خفض كلف النقل والشحن بشكل ملموس، وتقليص الزمن اللازم لسلاسل التوريد، بما قد يرفع كفاءة العمليات اللوجستية بنسب مؤثرة ويعزز تنافسية المنتج الأردني في الأسواق الإقليمية والعالمية.
وأضاف أن هذا الأثر سينعكس مباشرة على جذب الاستثمارات، حيث تصبح المناطق التنمويةومنها معان أكثر قدرة على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
وفي هذا السياق، أكد أن شركة تطوير معان، بصفتها المطور الرئيسي للمنطقة، تنظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها فرصة تاريخية، في ظل تقاطع البنية التحتية الجاهزة مع مشاريع النقل الاستراتيجية، ما يضع معان في موقع متقدم لتكون مركزًا صناعيًا ولوجستيًا محوريًا يربط بين شمال المملكة وجنوبها، ويدعم حركة التجارة الإقليمية.
وختم بالتأكيد على أن التكامل بين الإنفاق الرأسمالي والإصلاحات الهيكلية هو السبيل لبناء اقتصاد وطني أكثر إنتاجية وتنافسية، قادر على تحويل الفرص الاستثمارية الكبرى إلى نتائج تنموية مستدامة تمتد آثارها إلى مختلف محافظات المملكة.
توجيه الاستثمارات لمشاريع مولدة لفرص العمل
وقدم الخبير المالي عبد السلام السعودي قراءة تطويرية لمشروع سكة حديد العقبة، معتبرًا أن تعظيم جدواه الاقتصادية يتطلب توسيع نطاقه الجغرافي ليتحول من مشروع نقل أحادي الوظيفة إلى رافعة تنموية شاملة.
ولفت إلى أن توسيع شبكة السكك الحديدية يمكن أن يضاعف الأثر الاقتصادي للمشروع، ليس فقط من خلال خفض كلف النقل بنسبة ملموسة، بل عبر تحفيز الاستثمارات على طول المسار، وخلق بيئات عمرانية وصناعية جديدة.
وبيّن السعودي أن المؤشرات الأولية لمشاريع مماثلة تشير إلى قدرة هذا النوع من البنية التحتية على رفع كفاءة سلاسل التوريد بنسبة قد تصل إلى 30%، وتقليل كلف الشحن والنقل بشكل كبير، ما ينعكس مباشرة على تنافسية الصادرات الوطنية، خصوصًا في قطاعات التعدين والصناعة. كما رجّح أن يسهم التوسع المقترح في استيعاب جزء من النمو السكاني، من خلال خلق مراكز جذب جديدة خارج العاصمة، مدعومة بفرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
وفي سياق متصل، شدد على أهمية توجيه الاستثمارات نحو المشاريع المولدة لفرص العمل، مؤكدًا أن كل استثمار رأسمالي في البنية التحتية يمكن أن يخلق سلسلة من الوظائف المرتبطة، سواء خلال مرحلة الإنشاء أو التشغيل.
ولفت إلى أن المشاريع الكبرى المدرجة ضمن الحزمة الحكومية والتي تُقدّر بنحو 392 مشروعًا وباستثمارات تقارب 10 مليارات دينار تمثل فرصة حقيقية لخفض معدلات البطالة، خصوصًا إذا ما تم ربطها ببرامج تدريب وتأهيل تستهدف الشباب.
كما أشار إلى أن رفع مخصصات الإنفاق الرأسمالي في موازنة 2026 إلى نحو 1.6 مليار دينار، بزيادة تقارب 17% عن العام السابق، يعكس توجّهًا حكوميًا واضحًا نحو الاستثمار المنتج.