من الذهب إلى الفضة.. سلوك ادخاري جديد للأردنيين
الغد-يوسف محمد ضمرة
أعلنت مؤسسة المواصفات والمقاييس الأردنية عن تعاملها مع نحو 61,800 كيلوغرام من المصوغات والسبائك الذهبية والفضية، المحلية والمستوردة، خلال النصف الأول من العام الحالي، ضمن خدمات الفحص والدمغ والتحقق من العيارات القانونية. يمثل هذا الرقم ارتفاعاً بنحو 21 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي التي بلغت فيها الكميات المتعامل معها نحو 51,067 كيلوغراماً.
غير أن القراءة الأولية لهذا الرقم الإجمالي تخفي تبايناً بنيوياً حاداً بين مكوناته الفرعية؛ إذ تراجعت فئات الذهب بمعدلات تراوحت بين 23 % و49 %، مقابل قفزة في فئتي الفضة بلغت 40 % إلى 50 %، وهو ما يرتبط بين الاقتصاد الجزئي لسلوك المستهلك والاقتصاد الكلي.
لا ينبغي التعامل مع بيانات مؤسسة المواصفات والمقاييس بوصفها مجرد نشرة رقابية روتينية، بل بوصفها مؤشراً جزئياً على ديناميكيات أعمق تتصل بمستوى سلوك الادخار الأسري وتفضيلات المحفظة الاستثمارية للمواطن الأردني، ومستوى وظيفة المؤسسات الرقابية كأداة لتخفيض حدة عدم تماثل المعلومات في سوق يتسم أصلاً بضبابية معلوماتية عالية.
يأتي هذا النمو في وقت يشهد فيه سوق الذهب العالمي استمراراً لموجة صعود ممتدة، مدفوعة بعوامل التحوط الجيوسياسي، وسياسات تنويع الاحتياطيات لدى عدد من البنوك المركزية حول العالم، وتراجع الثقة النسبية في بعض الأصول التقليدية منخفضة المخاطر. هذه البيئة العالمية تنعكس محلياً على شكل ارتفاع في "تكلفة الفرصة البديلة" لاقتناء الذهب لدى شرائح واسعة من المستهلكين، وهو ما يفسر جزئياً الانزياح البنيوي في تفضيلات الادخار نحو الفضة الذي يظهره التقرير.
تكشف القراءة التحليلية عن ظاهرة اقتصادية جوهرية يمكن تسميتها "أثر الإحلال بين المعادن". فبينما سجلت فئات الذهب الثلاث تراجعاً متسقاً يتراوح بين 23 % و49 %، قفزت فئتا الفضة بمعدلات فاقت 40 % و50 % على التوالي. هذا النمط ليس مصادفة إحصائية عابرة، بل استجابة سلوكية كلاسيكية لصدمة في الأسعار النسبية بين سلعتين شبه بديلتين من حيث الوظيفة الادخارية، وإن تفاوتتا تفاوتاً حاداً من حيث القيمة المطلقة للوحدة.
من منظور نظرية الطلب، فإن ارتفاع سعر الذهب العالمي يرفع خط الميزانية الحقيقي للمدخر الأردني متوسط الدخل بما يفوق قدرته الشرائية الهامشية على اقتناء الوحدة الذهبية، فيتحرك جزء من الطلب الادخاري نحو الفضة بوصفها بديلاً يحمل "مرونة تقاطعية موجبة مع الذهب". بعبارة أخرى، يسلك المستهلك في هذه الحالة سلوك الإحلال بين سلعتين تؤديان الوظيفة التخزينية للقيمة ذاتها، لكن بدرجات دخل مختلفة، بما يذكّر بأدبيات الاقتصاد السلوكي حول "تأثير العتبة السعرية" في قرارات الادخار الأسري.
كما تجدر الإشارة إلى أن الفضة تحمل في الوقت ذاته طلباً صناعياً متزايداً عالمياً (الإلكترونيات والطاقة الشمسية)، بما يضيف بعداً إضافياً للتفسير لا يقتصر على الإحلال الادخاري وحده، بل يمتد إلى تشابك الطلب الاستهلاكي مع الطلب الصناعي العالمي على المعدن الأبيض، وهو ما يستدعي متابعة مقارنة لاحقة بين اتجاهات السعر العالمي للفضة واتجاهات الاستيراد المحلي منها.
وهنا لا يمكن عزل نشاط تداول المعادن الثمينة عن السياق الأوسع لحساب رأس المال وحساب المعاملات الجارية في ميزان المدفوعات الأردني. فالمصوغات والسبائك المستوردة تمثل بنداً ضمن فاتورة الاستيراد السلعي، بينما يشكل الطلب المحلي المتنامي على المعادن الثمينة إحدى قنوات "التوجه نحو الأصول الآمنة" في بيئة إقليمية تتسم بتقلبات جيوسياسية متكررة.
ومن اللافت أن ارتفاع تعاملات المعادن الثمينة يتزامن مع ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي الأردني إلى نحو 26.1 مليار دولار بنهاية حزيران (يونيو) 2026، وهو ما يعكس تماسكاً في المركز الخارجي للمملكة رغم الضغوط الإضافية التي قد تفرضها فاتورة استيراد المعادن الثمينة على الحساب الجاري. هذا التزامن يدعم في المجمل استقرار سعر صرف الدينار الأردني المرتبط بالدولار الأميركي، بوصفه المرساة الاسمية الرئيسة للسياسة النقدية.
من زاوية أخرى، فإن ارتفاع الطلب المحلي على المعدن الأبيض (الفضة) بدلاً من الذهب قد يحمل أثراً إيجابياً نسبياً على فاتورة الاستيراد بالقيمة الدولارية، نظراً لأن سعر الفضة للوحدة الوزنية أدنى بكثير من سعر الذهب، حتى مع تضاعف الكميات المستوردة منها وزناً، بما يخفف من الضغط الكلي على العملة الصعبة مقارنة بسيناريو مماثل من النمو في واردات الذهب حصراً.
ويرتبط هذا بنقاش أوسع حول "التضخم المستورد"، إذ إن جزءاً كبيراً من سعر المصوغات المحلية للمستهلك يتحدد أساساً بحركة الأسعار العالمية للمعادن الثمينة المقوّمة بالدولار، بينما تظل هوامش الصياغة والتصنيع المحلية أقل حساسية نسبياً لتقلبات سعر الصرف. هذا يعني أن أي ارتفاع حاد في الأسعار العالمية للذهب أو الفضة ينتقل بسرعة نسبية إلى مستوى الأسعار المحلية، كما أن تنامي حصة الفضة في محفظة المعاملات يحمل في طياته مخاطر تتعلق بشفافية أقل نسبياً في آليات تسعيرها مقارنة بالذهب الذي اعتاد المستهلك الأردني متابعة سعره اليومي بشكل أكثر انتظاماً عبر محلات الصاغة ووسائل الإعلام المتخصصة، بما يستدعي تكثيف حملات التوعية بشأن الفاتورة التفصيلية والعيار القانوني لمنتجات الفضة تحديداً.
هذا الواقع الجديد الذي تكشفه الأرقام يفرض ضرورة تكثيف الرقابة على قطاع الفضة تحديداً نظراً لضعف الشفافية النسبية في تسعير الفضة مقارنة بالذهب، وتمثل بيانات مؤسسة المواصفات والمقاييس بشأن تعاملات المعادن الثمينة، خلال النصف الأول من العام الحالي، نافذة تحليلية غنية تتجاوز حدود الخبر الرقابي البسيط إلى مؤشر مركب يعكس تفاعلاً معقداً بين سلوك المستهلك، وكفاءة السوق، والاستقرار النقدي الخارجي؛ إذ إن التحرك البنيوي الواضح من الذهب نحو الفضة يستحق متابعة تحليلية مستمرة، ليس فقط بوصفه ظاهرة استهلاكية عابرة، بل بوصفه مؤشراً محتملاً على إعادة تشكل تدريجية في خريطة تفضيلات الادخار لدى الأسرة الأردنية في ظل بيئة عالمية شديدة التقلب.