أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    15-Jan-2026

"المحاسبة".. الرقابة ممارسة تتقاطع فيها الدولة مع المجتمع لحماية المال العام

 الغد-إيمان الفارس

في زمن لم تعد فيه الثقة العامة تُمنَح تلقائيا، بل تُبنَى عبر الشفافية والمساءلة، جاء التقرير السنوي الـ73 لديوان المحاسبة للعام 2024، ليبعث برسالة مختلفة في المضمون والدلالة، مفادها أن الرقابة لم تعد فعلا إداريا باردا يقتصر على رصد المخالفات بعد وقوعها، بل تحولت إلى ممارسة حية تتقاطع فيها الدولة مع المجتمع في لحظة واحدة لحماية المال العام وتحسين جودة الحياة.
 
 
ولم يعد الديوان يقف عند حدود الرقابة التقليدية، بل يمضي بخطى محسوبة نحو نموذج رقابي تشاركي يعيد الاعتبار لدور المواطن في المساءلة ويؤسس لعلاقة أكثر توازنا بين الدولة والمجتمع.
ومع ترسيخ هذا المسار ضمن إطار تشريعي واضح وحماية فعالة للمبلِّغين، تتعزز فرص بناء إدارة عامة أكثر نزاهة وشفافية، وتقترب الرقابة من هدفها الأهم: حماية المال العام وتحسين جودة حياة المواطن.
في هذا النطاق، فإنه وفق قراءات، بيَّن التقرير بشأن تطوير نظام مؤسسي لتلقي البلاغات، ذلك لم يكن تفصيلا إجرائيا عابرا، بل عكس تحولا عميقا في دور الديوان من منظور القانون الإداري؛ فالرقابة هنا خرجت من إطارها التقليدي المغلق، وانتقلت نحو نموذج تشاركي يجعل المواطن جزءا من منظومة المساءلة، لا متلقيا سلبيا لنتائجها.
وهذا التحول أعاد تعريف المشروعية الإدارية، إذ لم تعد محصورة في الالتزام الحرفي بالنصوص، بل باتت مرتبطة بمدى خضوع الإدارة للمساءلة المجتمعية المستمرة.
ويعكس إشراك المواطنين والموظفين في الإبلاغ عن مواطن الخلل وسوء الإدارة وعيا متقدما بطبيعة الانحراف الإداري الذي غالبا ما يتشكل في التفاصيل اليومية، بعيدا عن دفاتر الحسابات.
 فالمعلومة التي يمتلكها المواطن في موقع الخدمة قد تكون أكثر دلالة من تقرير مالي متأخر، ما جعل من نظام البلاغات أداة رقابية حيوية تعيد وصل الرقابة بواقع الناس.
غير أن الرقابة التشاركية، وفق هذه التحليلات، لا يمكنها النهوض دون مظلة حماية قانونية صلبة للمبلّغين؛ فغياب هذه الضمانات يحوّل المشاركة إلى مخاطرة شخصية.
ومن هنا، برز توجه الديوان نحو مواءمة أنظمة الإبلاغ مع أفضل الممارسات الدولية، بإتاحة الإبلاغ السري والآمن، ووضع مسارات مؤسسية للتعامل مع البلاغات، بما يعزز ثقة المواطن بأن صوته مسموع ومحمي في آن واحد.
كما أبرز التقرير الأخير توجها لافتا نحو قياس أثر الرقابة على مستوى رضا المواطن، في تحول نوعي من عدّ المخالفات إلى تقييم النتائج، إذ يعكس هذا النهج فهما حديثا لدور أجهزة الرقابة، بوصفها شريكا في تحسين السياسات العامة، لا مجرد جهة تفتيشية، ويعزز الثقة المتبادلة بين الإدارة العامة والمجتمع.
تطوير أنظمة تلقي البلاغات
وفي السياق ذاته، أكد أستاذ القانون الإداري بالجامعة الأردنية د. محمد المعاقبة، في تصريحات لـ"الغد"، أن التقرير السنوي الأخير للديوان جاء منسجما مع القاعدة المستقرة التي تقضي بأن تعكس التقارير السنوية أداء العام المنصرم لا العام الحالي.
وقال إن هذا التقرير، كشف كما التقارير القريبة السابقة له، عن توجه مؤسسي متنامٍ نحو تطوير أنظمة تلقي البلاغات، وتعزيز ما يعرف بالرقابة التشاركية، في إطار سعي الديوان لتوسيع نطاق فعالية الرقابة وربطها على نحو أوثق بالمجتمع واحتياجاته الفعلية.
وأضاف المعاقبة أن هذا التوجه، من منظور القانون الإداري، لم يكن مجرد تحديث تقني أو إداري، بل مثّل تحولا في فلسفة الرقابة ذاتها، إذ انتقل الديوان تدريجيا من نموذج رقابي تقليدي، يقوم على الفحص اللاحق للإنفاق والالتزام الشكلي بالقواعد المالية، إلى نموذج أكثر انفتاحا، يستوعب دور المواطن بوصفه شريكا في كشف أوجه الخلل والانحراف الإداري، ولا سيما في القطاعات التي تمس جودة حياة المواطن بصورة مباشرة.
وقال إن هذا التحول يعكس فهما متقدما لدور أجهزة الرقابة العليا في الدولة الحديثة، مشيرا إلى أن تطوير نظام مؤسسي لتلقي البلاغات عكس إدراكا واضحا بأن الرقابة الفعالة لا يمكن أن تعتمد حصريا على المستندات والسجلات الرسمية.
وأضاف، أن الرقابة تحتاج إلى مصادر معلومات ميدانية حية، يكون المواطن في الغالب الأقرب إليها، مؤكدا أن هذا التوجه انسجم مع الاتجاهات الحديثة في القانون الإداري المقارن التي ترى في المشاركة المجتمعية أحد تجليات مبدأ المشروعية المعاصرة، بحيث لم تعد المشروعية تقتصر على التزام الإدارة بالنصوص، بل امتدت لتشمل خضوعها للمساءلة المجتمعية المستمرة.
ولفت المعاقبة، إلى أن هذا التحول اكتسب أهمية مضاعفة عندما اقترن بمسألة الحماية القانونية للمُبلِّغين، معتبرا أن هذه الحماية شكلت حجر الزاوية في أي نظام بلاغات فعال.
وقال، إن غياب ضمانات قانونية واضحة تحمي المُبلِّغ من التعسف أو الانتقام الإداري، يجعل الرقابة التشاركية شكلية ومحدودة الأثر، مبينا أن ما عكسته التقارير الأخيرة من توجه نحو مواءمة أنظمة البلاغات مع أفضل الممارسات الدولية في مجال حماية المُبلِّغين، خطوة أساسية لترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات الرقابية، وتعزيز سيادة القانون في الإدارة العامة.
أداة لتحسين الأداء العام
وأوضح أستاذ القانون الإداري أن هذا النهج انسجم بصورة واضحة مع مبادئ الحوكمة الرشيدة، ولا سيما الشفافية والمساءلة والمشاركة، مبينا أن فتح قنوات رسمية للإبلاغ وتحويل ما يرد من بلاغات إلى مسارات رقابية مؤسسية، جعل من نتائج الرقابة أداة لتحسين الأداء العام لا مجرد وسيلة لإثبات المخالفات.
وأكد أن الرقابة، بهذا المعنى، تحولت من أداة ردع لاحقة إلى آلية وقائية وإصلاحية تسهم في رفع كفاءة الإدارة العامة وتحسين استخدام الموارد العامة.
ولفت المعاقبة، إلى أن القيمة العملية للرقابة التشاركية برزت بوضوح في القطاعات الحيوية المرتبطة مباشرة بحياة المواطن اليومية، مثل الصحة والتعليم والخدمات والبنية التحتية، موضحا أن إشراك المواطنين أتاح رصد اختلالات قد لا تنعكس فوريا في التقارير المالية، لكنها تترك أثرا مباشرا على مستوى الخدمة وجودتها.
وأشار إلى مساهمة دمج هذه الملاحظات ضمن العمل الرقابي، في إنتاج تقارير أكثر واقعية وتوصيات أكثر التصاقا بالاحتياجات الفعلية للمجتمع، مؤكدا أن أحدث تقارير الديوان عكست مسارا مؤسسيا متقدما نحو تحديث مفهوم الرقابة العامة، من رقابة تقليدية مغلقة إلى رقابة تشاركية منفتحة، تجعل من المواطن شريكا في المساءلة، ومن الديوان ركيزة أساسية في بناء الثقة بين الإدارة العامة والمجتمع.
وشدد على أنه في حال استمرار هذا المسار، مدعوما بإطار تشريعي واضح وضمانات فعالة لحماية المبلغين، فإنه سيشكل أحد أهم أعمدة ترسيخ الحوكمة الرشيدة، وتعزيز دولة القانون في المرحلة المقبلة.
الكشف عن أوجه القصور
إلى ذلك، وانطلاقا من إدراك الديوان لأهمية المشاركة المجتمعية في حماية المال العام، وتعزيز النزاهة في إدارة الموارد الوطنية، طوّر الديوان نظاما مؤسسيا متكاملا لتلقّي الشكاوى والملاحظات والإبلاغ عن المخالفات، ليتيح للمواطنين والموظفين الإسهام الفاعل في الكشف عن أوجه القصور أو سوء الإدارة، أو أي ممارسات تمس المال العام.
وفي هذا الإطار، أكد تقرير "المحاسبة" الـ73 للعام 2024 إنشاء منصة إلكترونية آمنة وسرّية لتلقّي البلاغات، تمكّن الأفراد من الإبلاغ عن التجاوزات دون الإفصاح عن هوية أصحابها، مع ضمان الحماية القانونية للمبلّغين، وفق أفضل الممارسات الدولية في الإبلاغ الآمن وحماية المبلّغين (Whistleblowing Protection). كما وُضعت آلية ممنهجة لمتابعة البلاغات، في إطار رقابي منظّم يضمن التحقق من صحتها، وتحليلها، واتخاذ الإجراءات بشأنها.
ويهدف هذا النظام إلى ترسيخ ثقة المواطنين والعاملين بالمؤسسات العامة بقدرة الديوان على حماية المصلحة العامة، وترسيخ مبدأ "الرقابة التشاركية" التي تجعل المواطن شريكا مباشرا في المساءلة وحماية المال العام.
ويشكّل المواطن محور اهتمام الديوان، وخدمته غايته السُّمنى لأداء دوره الدستوري، فيما تنطلق فلسفة الديوان من إيمان راسخ بأن الرقابة على المال العام وسيلة أساسية لضمان رفع جودة الخدمات العامة، وتحقيق تنمية مستدامة تلبّي احتياجات المواطن، وتحافظ على جودة حياته، وفق التقرير.
إدارة عامة تتسم بالكفاءة والشفافية
من هذا المنطلق، تتكامل أنشطة الديوان مع توجهات الدولة الرامية لبناء إدارة عامة تتسم بالكفاءة والشفافية، وتسخّر مواردها لتحقيق المصلحة الوطنية العليا، لتعزيز قيم المواطنة.
 إذ تبنّى الديوان في خطته الإستراتيجية للأعوام 2024–2027 نهجا يجعل المواطن شريكا أساسيا في تحديد الأولويات الرقابية؛ فكل عملية تدقيق، وكل توصية رقابية تُقدَّم، وكل مشروع تطويري يُنفَّذ، يهدف في جوهره لتحسين جودة الخدمات، وتقليل الهدر، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة.
وفي هذا السياق، يوجّه الديوان جهوده الرقابية نحو القطاعات الحيوية الأكثر ارتباطا بحياة المواطن اليومية، مثل التعليم، والصحة، والمياه، والنقل، والخدمات البلدية، والطاقة، انطلاقا من أن كفاءة هذه القطاعات تمثّل المقياس الحقيقي لفعالية الإدارة العامة، ونجاح السياسات الحكومية في تلبية احتياجات المواطنين.
وبخصوص رضا المواطن كمؤشر للأثر الرقابي، يعمل الديوان على تقديم مؤشرات كمية لقياس أثر العمل الرقابي ومخرجاته على مستوى الخدمات، وسرعة استجابة الجهات الخاضعة للرقابة لتوصياته، فضلا عن انخفاض معدلات الهدر في الإنفاق العام وارتفاع كفاءته.
وأظهرت نتائج المتابعة في الأعوام الأخيرة تحسُّنا ملحوظا في معدلات تنفيذ التوصيات الرقابية، وزيادة في سرعة استجابة الجهات الحكومية، ما أسهم في تحسين الأداء العام ورفع مستوى الرضا المجتمعي.
 كما يعكف الديوان على تطوير آلية لقياس الأثر الاجتماعي لعمله، بربط مؤشرات جودة الخدمات بالنتائج الرقابية، وبما يتيح تقييما موضوعيا لمدى استفادة المواطن من توصيات التدقيق، ومدى ارتباطها بأولويات إصلاح القطاع العام.
أما عن الثقة والشفافية كأساس للرضا المجتمعي، يدرك الديوان أن الثقة العامة هي الركيزة الأولى لرضا المواطن، لذلك يولي الشفافية المؤسسية أهمية قصوى في مختلف أعماله.
 فعبر نشر تقارير موجزة تسلّط الضوء على أبرز النتائج الرقابية، وتوضيح أثرها في تحسين الأداء الحكومي وجودة الخدمات العامة، يسعى لتعزيز وعي المجتمع بأهمية الرقابة ودورها في حماية المال العام.
كما يحرص على الالتزام بأعلى المعايير المهنية في الحفاظ على سرية المعلومات وحماية البيانات، بما يحقق التوازن بين حق المواطن في المعرفة والحصول على المعلومة، ومتطلبات السرية المهنية. إذ تعد هذه الممارسات من أهم أدوات بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتبرهن بأن الرقابة تمارس باستقلالية ونزاهة لخدمة المصلحة العامة، عبر تعزيز المساءلة ودعم تطور الحياة الديمقراطية في المجتمع.