الغد-عدنان أحمد يوسف
دخلت منطقتنا مرحلة شديدة الحساسية والخطورة مع تصاعد حدة المواجهات المباشرة أو غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث تتعرض دولنا لاعتداءات آثمة تستهدف المراكز الخدمية والبيوت الآمنة. ومهما كانت طبيعة هذه المواجهة أو حدودها العسكرية، فإن المؤكد أن آثارها الاقتصادية باتت تطال دول المنطقة بأكملها، وفي مقدمتها دول الخليج العربي التي تقف جغرافياً واقتصادياً في قلب المعادلة.
فدول الخليج العربي هي أحد أهم الأعصاب الحيوية للاقتصاد العالمي. فهي تحتضن أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، وتشكل ممراً رئيسياً للطاقة والتجارة الدولية، خصوصاً عبر مضيق هرمز الذي يمر من خلاله ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم. ولذلك فإن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة سيترجم فوراً إلى اضطراب اقتصادي واسع النطاق.
أول المخاطر الاقتصادية يتمثل في تهديد حركة الملاحة البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز. ففي حال توسع المواجهة العسكرية أو استهداف البنية التحتية النفطية أو السفن التجارية، قد تتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات خطيرة. وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن والتأمين البحري، الأمر الذي سينعكس مباشرة على تكاليف الواردات في دول الخليج التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الاستيراد في الغذاء والسلع الاستهلاكية.
أما الخطر الثاني فيتعلق بأسواق الطاقة نفسها. صحيح أن الحروب عادة ما ترفع أسعار النفط على المدى القصير وهو ما نشهده حاليا، وهو ما قد يحقق عوائد إضافية للدول المصدرة، لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن التقلبات الحادة في أسعار الطاقة تخلق حالة من عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، كما أن إغلاق منافذ التصدير يؤدي إلى خفض الإنتاج والتصدير. وإذا ما أدت الحرب إلى ركود اقتصادي عالمي أو تباطؤ حاد في التجارة الدولية، فإن الطلب على النفط قد يتراجع لاحقاً، ما ينعكس سلباً على إيرادات الدول الخليجية.
الخطر الثالث يتمثل في تأثير الحرب على الاستثمارات والتدفقات المالية. فالمنطقة الخليجية نجحت خلال العقود الماضية في بناء سمعة دولية كمركز للاستقرار المالي والاستثماري، واستقطبت رؤوس أموال ضخمة في قطاعات المصارف والطاقة والسياحة والعقارات والخدمات اللوجستية. غير أن أي تصعيد عسكري واسع في المنطقة قد يدفع بعض المستثمرين إلى تبني سياسات أكثر تحفظاً، ما قد يؤدي إلى تأجيل الاستثمارات أو خروج بعض رؤوس الأموال قصيرة الأجل.
كذلك لا يمكن تجاهل التأثير المحتمل على قطاع النقل والسياحة والطيران. فالحروب الإقليمية عادة ما تؤدي إلى إغلاق أو تقييد بعض المسارات الجوية والبحرية، وهو ما يرفع تكاليف النقل ويقلل من حركة السفر والسياحة. وبالنظر إلى الدور المتنامي الذي تلعبه هذه القطاعات في تنويع اقتصادات الخليج، فإن أي اضطراب فيها قد ينعكس على معدلات النمو وفرص العمل.
وفي مواجهة هذه المخاطر، تبرز أهمية الخطوات الاستباقية التي اتخذتها الحكومات الخليجية خلال السنوات الماضية لتعزيز مناعة اقتصاداتها في مواجهة الأزمات. فقد عملت دول الخليج العربي على بناء احتياطيات مالية كبيرة وصناديق سيادية ضخمة تمثل اليوم أحد أهم أدوات الاستقرار الاقتصادي في المنطقة. كما استثمرت بشكل واسع في تطوير البنية التحتية للموانئ والمطارات وسلاسل الإمداد، ما عزز قدرتها على التعامل مع الاضطرابات في حركة التجارة العالمية.
كذلك اتخذت الحكومات الخليجية خطوات مهمة لتعزيز الأمن الغذائي من خلال تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزونات إستراتيجية من السلع الأساسية، إضافة إلى الاستثمار في مشاريع زراعية خارجية وتطوير الصناعات الغذائية المحلية. وقد أثبتت هذه السياسات فاعليتها خلال أزمات سابقة مثل جائحة كورونا، حين تمكنت دول الخليج من الحفاظ على استقرار الأسواق وتوفير السلع الأساسية دون اضطرابات كبيرة.
ولا يقل أهمية عن ذلك الدور الحيوي الذي يلعبه القطاع المصرفي الخليجي، الذي يتمتع بدرجة عالية من الرسملة والملاءة المالية والرقابة التنظيمية. فقد أثبتت البنوك الخليجية خلال الأزمات السابقة قدرتها على دعم الاقتصاد الوطني، وتوفير السيولة للقطاع الخاص، والمساهمة في الحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي.
كما أن التنسيق المستمر بين الحكومات الخليجية في مجالات الطاقة والتجارة والأمن الاقتصادي يمثل عاملاً مهماً في تعزيز قدرة المنطقة على مواجهة التحديات الإقليمية. فالتجربة أثبتت أن العمل الجماعي والتكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي يرفع من مستوى المرونة الاقتصادية ويحد من آثار الصدمات الخارجية.
إن التحديات التي تفرضها الحروب والصراعات في المنطقة تذكرنا بحقيقة أساسية: أن الأمن الاقتصادي لا ينفصل عن الأمن السياسي والإستراتيجي. فكلما كانت دول الخليج أكثر تنسيقاً وتكاملاً في سياساتها، كانت أكثر قدرة على حماية مصالحها الحيوية في عالم يتسم بقدر متزايد من الاضطراب.
وفي زمن الأزمات، تتجلى قيمة الحكمة السياسية والعمل الجماعي. فالتكاتف الخليجي، وتعزيز روح التضامن والتنسيق بين الدول، يظل السبيل الأمثل لحماية الاستقرار الاقتصادي وصون مصالح الشعوب وضمان مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً لدولنا بأسرها.
حفظ الله أوطاننا ومجتمعاتنا وشعوبنا في خير وأمان.