أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    30-Nov-2025

الاحتياطي الرقمي الأردني: معيار رقمي أم ثروة مهجورة؟

 د.مروة بنت سلمان آل صلاح

في لحظة تاريخية يقف فيها العالم على حافة التحول الأكثر جذرية منذ الثورة الصناعية، يظهر الأردن أمام مفارقة صارخة: بلد يمتلك أحد أعلى معدلات الكفاءات الرقمية في المنطقة، ويُخرّج آلاف المهندسين والمبرمجين سنوياً، ويملك منظومة ريادية حقيقية، لكنه في الوقت نفسه يخسر جزءا من نخبه الأكثر تميزاً لصالح اقتصادات أخرى تدرك قيمة هذا الاحتياطي قبل أن يدركه هو نفسه. ما يحدث اليوم ليس مجرد هجرة كفاءات ولا فجوة وظائف؛ إنه استنزاف بطيء لثروة وطنية لا تقل أهمية عن الغاز والمعادن والمياه. إنها معركة على السيادة الرقمية، وعلى هوية الاقتصاد الأردني في العقد القادم.
 
 
الاحتياطي الرقمي الأردني ليس مصطلحاً إنشائياً؛ إنه توصيف موضوعي لمخزون وطني ديناميكي يتكون من الكفاءات التقنية، الشركات الناشئة، قدرات التحول الرقمي، والمهارات المتخصصة التي تراكمت عبر سنوات طويلة من الاستثمار التعليمي. ووفق البيانات الرسمية، يوظف قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأردن اليوم أكثر من 46.000 مهني، فيما بلغ عدد شركات القطاع المسجلة في عام 2021 حوالي 3.138 شركة، في مؤشر واضح على اتساع القاعدة الرقمية وانضباط نموها. لكن هذا المخزون، برغم حجمه، لم يتحول بعد إلى رافعة اقتصادية قادرة على خلق نمو مستدام. ما يزال جزء كبير من هذه الثروة معطلاً، مهمشاً، أو مُصدَّراً إلى الخارج بلا مقابل اقتصادي حقيقي.
الأرقام تكشف حقيقة مقلقة: الأردن يُدرّس ويُخرّج ويُطوّر، لكن الاقتصادات الأخرى تحصد. عدد خريجي تخصصات ICT في الجامعات الأردنية يبلغ نحو 4.300 خريج سنوياً، وهي كتلة بشرية نوعية لا تتوفر بهذه الكثافة في العديد من الدول المجاورة. ومع ذلك، يظل السوق المحلي عاجزاً عن توفير فرص عادلة، رواتب تنافسية، أو مسارات مهنية تتناسب مع مستوى هذه القدرات. 
ينتج عن ذلك أن جزءاً كبيراً من هذا الاحتياطي، بدلاً من أن يستثمر داخل المنظومة الاقتصادية الوطنية، يتحول إلى صادرات بشرية مجانية تفقد معها البلاد عصبها الرقمي.
على الجانب المقابل، تزدهر الريادة الرقمية المحلية، لكن دون القدرة الحقيقية على الانتقال من بيئة الإطلاق إلى اقتصاد التوسّع. ومن المؤشرات اللافتة أن 27 % من أفضل 100 شركة ناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقودها رياديون أردنيون، ما يعكس نضجاً فكرياً وتقنياً لا يستهان به. ومع ذلك، يبقى غياب التمويل طويل الأجل وضعف الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية عائقين أساسيين أمام تحول هذه الشركات إلى كيانات قادرة على خلق وظائف واسعة وبناء استقرار اقتصادي.
أما على مستوى السوق، فالتقديرات الدولية تشير إلى أن الأردن يقف على أعتاب فرصة اقتصادية غير مسبوقة. فـحجم سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأردن لعام 2025 يقدّر بحوالي 2.68 مليار دولار، فيما يتوقع أن ينمو ليصل إلى نحو 5.68 مليار دولار بحلول 2030 بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 16.2 %. ويعزز ذلك سجل النمو التاريخي للقطاع، حيث ارتفعت إيراداته من مئات الملايين في بداية الألفية إلى نحو 3.6 مليار دولار في سنوات لاحقة، ما يعكس اتجاهاً تصاعدياً واضحاً، لكنه غير مكتمل من حيث عوائده الفعلية على الاقتصاد المحلي وسوق العمل.
إحدى الإشكاليات الجوهرية هي غياب معيار وطني شامل يقيس مستوى الرقمنة المؤسسية، نضج القدرات التقنية، جودة الخدمات الرقمية، وكفاءة المواهب المحلية. العالم يتحرك نحو "المعايير الرقمية" كأداة لقياس التنافسية وتحفيز الابتكار، بينما ما يزال الأردن يعمل عبر جهود موزعة. وجود معيار رقمي أردني لم يعد خياراً؛ إنه ضرورة اقتصادية، وشرط لتمكين القطاعين العام والخاص من اتخاذ قرارات مبنية على بيانات دقيقة.
هذا المعيار يجب أن يربط بين الأداء والفرص: المؤسسات التي ترفع مستوى رقمنتها تحصل على أولوية في العقود الحكومية، والشركات التي تحقق معايير عالية في أمن المعلومات تتمتع بحوافز مالية وتشريعية، والجهات التي تلتزم برفع مهارات القوى العاملة الرقمية تحصد نقاطاً إضافية في المشتريات الحكومية. بهذا يتحول المعيار من وثيقة استرشادية إلى محرك اقتصادي يعزز التنافسية والجودة.
وفي سياق موازٍ، تبرز ظاهرة هجرة الكفاءات كتحدٍّ إستراتيجي. ليست المشكلة في السفر بحد ذاته، بل في أن الهجرة أصبحت نتيجة انعدام الفرص المحلية وليست جزءا من تبادل الخبرات. نخسر مهندسين من أفضل الجامعات، مطورين يمتلكون خبرة عالمية، باحثين قادرين على قيادة شركات ناشئة كبرى، ورواد أعمال يمتلكون أفكاراً قادرة على خلق أسواق. هؤلاء يمثلون رأس المال الحقيقي للاقتصاد الرقمي، وفقدانهم يعني خسارة أعوام طويلة من الاستثمار التعليمي والمالي.
ورغم ذلك، لا تزال أمام الأردن فرصة تاريخية: إعادة هندسة بيئة العمل الرقمي بحيث تصبح قادرة على الاحتفاظ بالكفاءات، تحويل المهارات إلى وظائف، وتحويل الوظائف إلى منتجات، وتحويل المنتجات إلى اقتصاد معرفي متكامل. فـ"الاحتياطي الرقمي" لم يستنزف بعد، بل في أعلى مستوياته، وما تزال الكفاءات الأردنية تؤمن بأن البلد قادر على أن يصبح مركزاً إقليمياً للابتكار.
المطلوب ليس إصلاحات تجميلية، بل إعادة صياغة العقد الرقمي الوطني: اقتصاد يعامل المبرمج والمهندس والخريج الرقمي كما تعامل الدول المتقدمة علمائها وروادها؛ بيئة تمنح الشباب منصة لبناء شركات عالمية من عمّان وإربد والسلط؛ سوق يرفع سقف التطلعات، يفتح الأسواق، يحرر قدرات القطاع الخاص، ويربط التعليم بالابتكار.
هذه ليست أمنيات؛ إنها خطة قابلة للتنفيذ، مبنية على واقع يمتلك فيه الأردن كتلة بشرية متعلمة، شبكات إنترنت واسعة، شركات ناشئة قوية، مطورين قادرين على المنافسة العالمية، وقيادات شابة تستطيع تحويل أي فرصة إلى قصة نجاح إذا وجدت البيئة المناسبة.
في النهاية، لن يكون مستقبل الأردن مرهوناً بما يملكه من موارد تقليدية، بل بما يستطيع أن يبنيه من احتياطي رقمي قوي، مدار، ومُستثمر. المستقبل لن يُصنع في مصانع الحديد ولا أسواق العقار؛ سيُصنع في مختبرات البيانات، منصات البرمجة، مراكز الذكاء الاصطناعي، وشبكات المبدعين. وإذا استطاع الأردن أن يحمي كفاءاته، ويطلق معياراً رقمياً وطنياً، ويبني بيئة عمل عادلة، فإنه لا يحمي اقتصاده فحسب، بل يفتح بوابة لدور إقليمي جديد.
المستقبل لن ينتظر. ومن يملك الكفاءات الرقمية يملك مفاتيحه. والأردن، لو اختار أن يستثمر احتياطيه الرقمي بكامل قوته، لن يكون دولة تبحث عن الفرص؛ بل دولة تصنعها وتصدرها وتقود بها التغيير في المنطقة.