الغد-فرح عطيات
مع توقع زيادة الطلب على المهارات في مجالي المياه والطاقة خلال السنوات الخمس المقبلة، تبرز أهمية تقديم برامج التدريب المهني والفني في الوقت المناسب، لضمان إعداد قوة عاملة قادرة على دعم التحولات الرقمية والخضراء.
ووفق ما أظهرته بيانات للمنصة الوطنية لتطوير مهارات الشباب في قطاعي الطاقة والمياه (we skill)، فإن قدرات القوى العاملة الحالية لا تواكب احتياجات القطاع، خاصة في ظل التغير التكنولوجي السريع الذي تشهده قطاعات المياه والطاقة في الأردن نتيجة الرقمنة والتحول الأخضر.
وأظهر تحليل للفجوات في قطاع المياه أعده مؤسس برنامجي ماجستير الطاقة المتجددة والبيئة والتغيرات المناخية في الجامعة الأردنية البروفيسور أحمد السلايمة، وجود نقص تقني في عدد من المجالات المحورية، من أبرزها كفاءة الطاقة في تشغيل مرافق المياه، وتقنيات كشف التسربات وإصلاحها.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، وفق قوله، فثمة نقص في الخبرات الخاصة بالتعامل مع أنظمة التحكم والمراقبة وجمع البيانات (SCADA) والمراقبة عن بُعد، وإدارة المياه غير المُدِرّة للإيرادات (المهدرة والمفقودة)، وإدارة شبكات توزيع المياه.
في حين أن الفجوات التي ظهرت في قطاع الطاقة تمحورت في وجود نقص ذي أولوية في عدد من المجالات الرئيسة، أبرزها أنظمة التحكم والمراقبة وجمع البيانات (SCADA) والمراقبة عن بُعد، والعدادات الذكية وإدارة الأحمال، ومتطلبات الامتثال التنظيمي والترخيص في قطاع الطاقة، وصيانة أنظمة تخزين الطاقة، فضلا عن تدقيق كفاءة الطاقة وإدارتها، بحسبه.
وحول تحدّيات الاستقطاب والتوظيف، أظهرت نتائج استطلاع للرأي أُجري في عدد من الشركات العاملة في مجالات الطاقة والمياه، أن قيود الميزانية تمثل العائق الأكثر تكرارا أمام عمليات التوظيف بنسبة 34 %، تليها فجوة توفر الكفاءات المؤهلة بنسبة 17 %، وطول إجراءات الاستقطاب بما يقارب 12 %، كما أفاد السلايمة لـ"الغد".
وبينما تُعد القيود المالية في الغالب إشكالية هيكلية، فإن النقص في العمالة المؤهلة يعكس حاجة مباشرة إلى تحسين مواءمة برامج التدريب مع متطلبات سوق العمل، تبعا له.
المساواة وإدماج الخريجين
وفي مجال تعزيز المساواة بين الجنسين وإدماج الخريجين الجدد في سوق العمل، أوضح السلايمة أن النساء يشكلن أكثر من 25 % من القوى العاملة في 62 % من الشركات التي شملها الاستطلاع، في حين ما تزال نسبة غير قليلة من الشركات تسجل مستويات منخفضة من التمثيل النسائي.
كما أفاد السلايمة بأن أكثر من نصف المستجيبين للاستطلاع (54 %) أن الخريجين الجدد يشكلون أقل من 10 % من إجمالي القوى العاملة لديهم، وتشير هذه النتائج إلى الحاجة لتعزيز سياسات الشمول والاندماج، وتقوية الشراكات مع المؤسسات الأكاديمية.
ومن بين الدعوات التي أدرجها السلايمة، ضرورة تطوير برامج تدريبية موجَّهة تعالج أهم المهارات التقنية، مع إعطاء الأولوية للبرامج التدريبية قصيرة الأجل في تنمية القوى العاملة، ولا سيما تلك التي يمكن تقديمها عبر مسارات التعليم والتدريب المهني والتقني.
كما أن تعزيز إدماج النوع الاجتماعي والشباب في برامج التعليم والتدريب المهني واستراتيجيات التوظيف، بما يضمن وصولا أكثر إنصافا إلى فرص العمل في القطاعات المختلفة، يعد من بين التوصيات كذلك.
واقترح أيضا دمج مكونات تطبيقية مثل أنظمة التحكم الإشرافي وتحصيل البيانات (SCADA) وتقنيات القياس، ووحدات كفاءة الطاقة في المناهج الدراسية، مع إنشاء حلقات تغذية راجعة مع أصحاب العمل لضمان استمرارية مواءمة محتوى التدريب مع احتياجات السوق، ورصد تطور متطلبات المهارات.
أهمية العمالة المدربة
وفي رأي رئيس مجلس إدارة جمعية إدامة للطاقة والمياه والبيئة د. دريد محاسنة، فإن ما تفرضه التحولات العالمية نحو التكنولوجيا الخضراء، والتحول نحو الاقتصاد الدائري، والتعامل مع تحديات المُناخ، تتطلب وجود قوى عاملة مدربة ومؤهلة في هذه المجالات.
ويعني ذلك الأمر، وفق قوله، استحداث تخصصات مهنية وتدريبية وتعليمية تواكب المستجدات التي طرأت في هذه المجالات، وفي ظل ما أظهرته تحليلات الفجوة السابقة في قطاعي المياه والطاقة.
ولفت لـ"الغد"، إلى أن الاقتصاد الدائري يعد من بين الأولويات التي يجب معه استحداث المزيد من الوظائف الخضراء، وإيجاد القوى العاملة المدربة لهذه الغاية، في ضوء الحاجة لوجود تطبيقات رقمية تراعي حماية البيئة، أو إدخال تكنولوجيا صديقة للبيئة في الصناعات.
وضرب مثالا على هذه التكنولوجيات ما يشهده الأردن في مجال الطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية، وطاقة الهيدروجين، وحتى في قطاع المياه الذي من المفترض أن يكون على رأس أولويات اهتمام الحكومة.
وشدد على أن التحول في محطات التنقية يتطلب وجود كوادر مؤهلة كذلك تخفف من النفقات التشغيلية، كما أن قطاع الزراعة الذي يشهد تحولا كبيرا يعد من بين أولويات العمل كذلك.
دعم الفئات الضعيفة
وتستضيف جمعية إدامة المجلس الوطني لمهارات قطاعَي المياه والطاقة (WE SKILL) وتعمل كسكرتارية له، مستفيدة من خبرتها الطويلة في تطوير القدرات والشراكات في القطاعات الخضراء.
ورغم الموارد المحدودة، نجح المجلس في تطوير مناهج تدريبية معتمدة، وتدريب مئات الفنيين والمدربين، ورفع فرص التوظيف، ودعم الفئات الضعيفة بما فيها النساء واللاجئين، وفق ملخص المشروع الذي حصلت الـ"الغد" على نسخة منه.
ويهدف المشروع الجديد إلى مأسسة وتعزيز WE SKILL لضمان تنفيذ مهمته الوطنية بكفاءة واستدامة، لمدة 12 شهرا وميزانية 100,000 يورو.
ويأتي دور WE SKILL في وقت يواجه فيه الأردن تحديات كبيرة، أبرزها عدم تطابق مهارات الخريجين مع متطلبات السوق، وضعف دعم التعليم المهني والفني، ووجود برامج تدريبية غير متسقة، مع ضعف الفرص للنساء والشباب في المجالات التقنية.
ويأتي بمثابة المجلس الوطني لمهارات قطاعَي المياه والطاقة في الأردن، الذي أنشأته وزارة العمل ويُنظّم بموجب قانون تطوير المهارات التقنية والمهنية، ويهدف المجلس إلى ضمان توافق التدريب والمؤهلات مع احتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية.