التصنيف الائتماني.. الاقتصاد الوطني يحافظ على مكاسبه رغم الضغوط الإقليمية
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
دفعة معنوية جديدة يتلقاها الاقتصاد الوطني للمرة الثانية خلال العام الحالي، إذ ثبتت وكالة "ستاندرد آند بورز" تصنيف الأردن الائتماني عند «BB-» مع نظرة مستقبلية مستقرة، في ظل مرونة الاقتصاد واستمرار الإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية.
ويأتي هذا التثبيت، الذي يمثل رسالة إيجابية للأسواق والمستثمرين، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأردني ظروفا إقليمية ضاغطة وتوترات أثرت في التجارة والطاقة والسياحة وكلف التمويل، ليعكس قدرة المملكة على الحفاظ على استقرارها الاقتصادي والمالي والنقدي، مستندة إلى الإصلاحات المستمرة، وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية، واستمرار الدعم الدولي والثنائي.
وبينما يحافظ التثبيت على المكاسب التي حققها الأردن منذ رفع تصنيفه من "B+" إلى "BB-" في أيلول (سبتمبر) 2024، وهي أول ترقية منذ 21 عاما، يرى خبراء أن التحدي المقبل يتمثل في البناء على هذا الاستقرار والانتقال تدريجيا نحو الدرجة الاستثمارية، من خلال تسريع النمو، وخفض المديونية وكلفة خدمتها، وتعزيز الاستثمار والصادرات والقاعدة الإنتاجية.
وأشارت الوكالة، في تقريرها أن تثبيت التصنيف جاء نتيجة مرونة الاقتصاد الأردني في مواجهة التطورات الإقليمية، والتقدم الذي تم إحرازه في الإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية، وارتفاع مستويات الاحتياطيات الأجنبية، واستمرار الدعم القوي من الشركاء الدوليين وعلى المستوى الثنائي.
يشار إلى أن التصنيف الائتماني للأردن من قبل وكالة "ستاندرد آند بورز" (S&P) شهد تطورات إيجابية مهمة خلال الأعوام 2024 و2026.
عوامل القوة النقدية
وقال أستاذ الاقتصاد محمد الحدب إن تثبيت وكالة ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني السيادي للأردن "عند BB-" مع نظرة مستقبلية مستقرة للمرة الثانية خلال عام 2026، مؤشر إيجابي جيد للاقتصاد الوطني ورسالة مهمة للأسواق، خاصة وأنه يأتي في ظل بيئة إقليمية أكثر ضغوطا على التجارة والطاقة والسياحة وكلف التمويل، إلا أن الأردن نجحت في الحفاظ على التصنيف الذي كانت الوكالة قد رفعته في شهر أيلول من عام 2024 من B+ إلى BB- لأول مرة منذ 21 عاما.
وأوضح الحدب أن القراءة الأعمق للتقييم تظهر أن أهمية التثبيت لا تكمن فقط في بقاء الدرجة الائتمانية، وإنما في أن الوكالة أبقت عليها رغم تعديل بعض توقعاتها الاقتصادية نحو مزيد من التحفظ، تحت ضغوط الاضطراب الإقليمي، ومع ذلك بقي التصنيف والنظرة المستقبلية مستقرين، وهو ما يعني أن الوكالة ترى أن عوامل القوة المؤسسية والنقدية والخارجية قادرة على استيعاب هذه الضغوط.
وأكد الحدب أن الأثر المتوقع للتصنيف يظهر أولا في كلفة التمويل والثقة الاستثمارية؛ فكلما تحسنت نظرة المستثمرين إلى المخاطر السيادية، ازدادت قدرة الحكومة والمؤسسات والبنوك والشركات الأردنية على الوصول إلى أسواق التمويل بشروط أفضل نسبيا.
في الوقت ذاته شدد الحدب على أن تثبيت التصنيف للمرة الثانية خلال العام الحالي، لا يعني أن التحديات انتهت، ولكنه يؤكد أن الأردن استطاع الحفاظ على الثقة الائتمانية رغم ارتفاع كلفة البيئة الإقليمية، معتبرا الخطوة التالية يجب أن تكون الانتقال من "الحفاظ على BB-" إلى بناء الشروط اللازمة للترقية المقبلة، من خلال تسريع النمو والاستثمار والإنتاج والتصدير وضبط المالية العامة.
الإصلاحات الاقتصادية مستمرة
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة أن تثبيت التصنيف الائتماني للمملكة في الظروف الحالية يمثل شهادة على متانة الاستقرار النقدي والمالي في الأردن، موضحا أن توقيت التصنيف يؤكد أن الإصلاحات الاقتصادية بدأت تتحول إلى عنصر مهم في تقييم المخاطر السيادية.
ويرى المخامرة أن التوقيت إيجابي ومهم للغاية، حيث أن التقييم اختبر قدرة الاقتصاد على الصمود وليس فقط مؤشرات ما قبل الأزمة.
لذلك فإن التقييم الجديد يأخذ بعين الاعتبار تداعيات التطورات الإقليمية، وبالتالي فإن تثبيت التصنيف يعني أن الوكالة ترى أن الضغوط الحالية لم تتحول إلى تراجع ملحوظ في قدرة الأردن على الوفاء بالتزاماته المالية. بل إن بعض المؤشرات الخارجية أظهرت قدرة الأردن على التكيف؛ فقد أشار التقرير إلى ارتفاع حركة الشحن عبر العقبة بنحو 16 % على أساس سنوي، وزيادة تحويلات العاملين 14.3 % خلال النصف الأول من 2026.
كما تنبع أهمية التقييم من أن الوكالة لا ترى أن التطورات التي حدثت خلال الأشهر الماضية تستوجب تغيير نظرتها الأساسية إلى الاقتصاد الأردني. أي أن الأردن دخل عام 2026 بتصنيف BB-، ومرّ بظروف إقليمية وضغوط اقتصادية إضافية، ومع ذلك خرج منها بالتصنيف نفسه والنظرة المستقرة. وهذا يعزز فكرة استمرارية السياسة الاقتصادية، وهي نقطة مهمة جدا بالنسبة للمستثمرين وحملة السندات.
الارتقاء إلى الدرجة الاستثمارية
بدوره، أكد مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض، أن تثبيت وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني السيادي للأردن عند BB-، مع نظرة مستقبلية مستقرة يحمل دلالة إيجابية مهمة، خاصة أنه يأتي في ظل ظروف إقليمية شديدة التعقيد وتوترات سياسية وأمنية واقتصادية متواصلة.
وأشار عوض إلى أن تثبيت التصنيف، يشير بوضوح إلى أن الأردن ما يزال قادرا على إدارة التزاماته المالية والمحافظة على قدر جيد من الاستقرار المالي والنقدي رغم الضغوط المحيطة، موضحا أن العوامل المهمة التي يستند إليها استقرار التصنيف، هي استمرار الدعم والتمويل الدولي للأردن، إلى جانب الاستقرار النقدي ومستويات الاحتياطيات الأجنبية.
وفي المقابل، أوضح عوض أن مستوى التصنيف الحالي يبقى دون "الدرجة الاستثمارية" التي تبدأ لدى هذه الوكالة من "BBB-"، لذلك، فإن التحدي الأساسي لا يتمثل فقط في المحافظة على التصنيف الحالي، وإنما في الانتقال تدريجياً نحو "الدرجة الاستثمارية"، بواقع ثلاث درجات صعودا للوصول إلى الحد الأدنى المطلوب للوصول إليها. وهذا يتطلب خفض المديونية وكلفة خدمتها، وتحقيق نمو اقتصادي أعلى، وتوسيع القاعدة الإنتاجية والصادرات والاستثمارات وخلق فرص العمل.